سياسيون: مشروع التعديل الدستوري بالجزائر... تغيير جذري أم تكريس للنظام؟

استحدثت منصب نائب الرئيس وألغت مصطلح الوزير الأول
* تضمنت مسودة التعديل الدستوري المطروحة للنقاش العام منتصف الأسبوع الجاري، عدة تعديلات مست صلاحيات رئيس الجمهورية، كما استحدثت منصب نائب الرئيس
* ألغت مسودة الدستور مصطلح الوزير الأول واستبدلته بمصطلح رئيس الحكومة، وألغت المجلس الدستوري واستخلفته بمحكمة دستورية، وأدرجت عدة مبادئ جديدة ضمن محور الحريات والحقوق
* أعطى الدستور الجديد المقترح لرئيس الجمهورية في مادته الـ95 صلاحية إرسال وحدات الجيش إلى الخارج بعد مصادقة البرلمان بأغلبية الثلثين
* بوضياف: من حيث المقارنة بالدساتير الجزائرية السابقة إيجابا وسلبا، تعتبر المسودة حسب حديثه لـ«المجلة» نقلة نوعية في كثير من المجالات، حيث تقاسم الرئيس ورئيس الحكومة تسيير الهيئة التنفيذية

الجزائر: بعد تأجيل استمر لأسابيع، بسبب وباء كورونا، كشفت أخيراً رئاسة الجمهورية بالجزائر عن مسودة مشروع الدستور المعدّل الذي وعد به الرئيس عبد المجيد تبون، خلال حملته الانتخابية للرئاسيات التي جرت يوم 12 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ومثلما كان متوقعاً، فقد أثارت المقترحات المدرجة ضمن التعديل المقترح جدلاً ونقاشاً واسعين، خاصة ما تعلق منها بمدى استجابة هذا الدستور لمطالب الجزائريين في إحداث القطيعة الشاملة مع النظام الأسبق، وبناء الجمهورية الجديدة التي وعد بها الوافد الجديد على قصر الرئاسة بالمرادية.
تضمنت مسودة التعديل الدستوري المطروحة للنقاش العام منتصف الأسبوع الجاري، عدة تعديلات مست صلاحيات رئيس الجمهورية، كما استحدثت منصب نائب الرئيس، وألغت مصطلح الوزير الأول واستبدلته بمصطلح رئيس الحكومة، وألغت المجلس الدستوري واستخلفته بـ(محكمة دستورية)، وأدرجت عدة مبادئ جديدة ضمن محور الحريات والحقوق.
وفي سابقة أثارت نقاشاً واسعاً، أعطى الدستور الجديد المقترح لرئيس الجمهورية في مادته الـ95 صلاحية إرسال وحدات الجيش إلى الخارج بعد مصادقة البرلمان بأغلبية الثلثين، مما يعني في حال الموافقة على الدستور تراجعاً واضحاً في العقيدة العسكرية الجزائرية التي ظلت لعقود متمسكة بمبدأ عدم التدخل خارج التراب الجزائري مثلما تنص عليه الدساتير الأخيرة.
وفي المقابل، منحت المسودة لرئيس الجمهورية صلاحية تعيين نائب له، ويمكن أن ينهي مهامه ويفوضه بعضاً من صلاحياته، باستثناء تلك المنصوصة في المادة 97 والمتعلقة بتعيين أعضاء الحكومة، أو الدعوة إلى استفتاء شعبي.
وفي مسألة تعيين رئيس الحكومة الذي سيخلف منصب الوزير الأول الحالي، اقترحت المسودة أن يكون ذلك من صلاحيات الرئيس، بعد استشارة الأغلبية البرلمانية، مع إلزام رئيس الحكومة بتطبيق برنامج الأغلبية البرلمانية.
وعن صلاحية السلطة القضائية، تضمنت المسودة دسترة مبدأ عدم جواز نقل القاضي والضمانات المرتبطة به، ودسترة تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء، مع إسناد نيابة رئاسة المجلس الأعلى للقضاء إلى الرئيس الأول للمحكمة العليا، الذي يمكن له أن يرأس المجلس نيابة عن رئيس الدولة. كما تضمنت إبعاد وزير العدل والنائب العام لدى المحكمة العليا، من تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء، والرفع من عدد القضاة المنتخبين الذين يمثلون قضاة المجالس في عضوية المجلس الأعلى للقضاء، وإدراج ممثلين اثنين عن نقابة القضاة، مع ضمان عضوية رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان لعضوية المجلس الأعلى للقضاء.
أما في جانب الحقوق والحرّيات، فقد أعطت المسودة الحق في التعويض عن التوقيف والحبس المؤقت، وأقرت مبدأ التصريح بممارسة حرية الاجتماع والتظاهر، وأقرت مبدأ التصريح لإنشاء الجمعيات ومبدأ عدم حلها إلا بقرار قضائي، ودسترة حرية الصحافة بكل أشكالها ومنع الرقابة القبلية عليها، وعدم السماح للقانون بأن يتضمّن أحكامًا تعوق بطبيعتها حرية إنشاء الأحزاب السياسية.
وفي نقطة جلبت نقاشاً محتدماً يتعلق بالهوية، أثار إدراج اللغة الأمازيغية ضمن المواد الصماء في الدستور، أي تلك التي لا يمكن إسقاطها في أي تعديل دستوري مستقبلاً، أثار انقساماً حاداً بين الجزائريين، بين من رحب بالفكرة واعتبرها تكريساً لمكانة هذه اللغة التي تعدُ ضمن ركائز الهوية الجزائرية، ورافض لها، بحجة أن تكريس لغتين رسميتين للدولة سيساهم في تكريس خطر الانقسام بين الجزائريين.

 




تبون تعهد خلال حملته بدستور يعكس آمال الجزائريين في التغيير.

 

وعلى مستوى الطبقة السياسية كانت ردود الفعل متباينة أيضاً، فـ(جبهة القوى الاشتراكية) وهو أقدم حزب سياسي معارض في البلاد، حذّر من أن تمرير الدستور بالصيغة التي يقترحها الرئيس سيؤدي إلى تأجيج التوترات السياسية في البلاد.
وفي بيان له عشية احتفال الجزائر بذكرى الثامن من مايو (أيار) التي سقط فيها أكثر من 45 ألف شهيد خلال ثورة التحرير، طالب الحزب بـ«منح صفة شهيد لضحايا الحزب الذين سقطوا في أحداث 1963 خلال مطالبتهم بإقرار الديمقراطية في البلاد»، واعتبر الحزب أن «تقديم مسودة الدستور التي أعدها خبراء للمصادقة عليها في برلمان غير تمثيلي سيقوض من هذا المشروع، ويجعله فاقداً للشرعية في أعين الجزائريين»، الأمر الذي سيؤجج برأي الحزب من «التوترات السياسية في البلاد». ومعروف عن الحزب مطالبته بانتخاب مجلس تأسيسي يتكفل بمهمة إعداد دستور جديد للبلاد، يعكس رغبة الجزائريين في التغيير الجذري لنظام الحكم ما بعد ثورة 22 فبراير (شباط).
وطالب الحزب في بيان له بـ«إعادة الاعتبار لمثل وآمال بيان أوّل نوفمبر (تشرين الثاني)، وأرضية مؤتمر الصومام، المتمثلة في أولوية السياسي على العسكري، وبناء دولة ديمقراطية اجتماعية، وإحياء الوحدة المغاربية من أجل تأسيس حلم الثورة المتمثل في مغرب الشعوب».
واعتبر الحزب المعارض، أنه «سيأتي يوم على الجزائريين بعد أن تتحقق سيادتهم، ويبنوا إجماعًا وطنيًا كما كان الحال في ظل الثورة التحريرية، في إطار حوار مسؤول بين كل القوى الحية الوطنية، وتأسيس دولة القانون، ديمقراطية واجتماعية، وضمان بناء الجمهورية الثانية».
ومن خلال تقييمها الأولي للوثيقة المقترحة للنقاش، أكد المكتب التنفيذي لـ(حركة مجتمع السلم)، وهو حزب إسلامي، بأن «ما توصلت إليه اللجنة التي كلفت بإعداد الأرضية بعيدا عن الطموحات المرجوة، لا سيما ما عبرت عنه أطياف الشعب الجزائري من خلال الحراك الشعبي ومطالب التغيير المجمع عليها»، وسجل عدة ملاحظات في هذا الشأن، أبرزها، أن «الوثيقة المقترحة لم تفصل مجددا في طبيعة النظام السياسي، إذ أبقته هجينا لا يمثل أي شكل من أشكال الأنظمة المعروفة في العالم (الرئاسية أو البرلمانية أو شبه الرئاسية)»، حيث تحرم الوثيقة حسب بيان للحزب «الأغلبية من حقها في التسيير، ولا تُلزم تسمية رئيس الحكومة من الأغلبية وهو أمر يناقض كليا معنى الديمقراطية التمثيلية ويلغي جزءا أساسيا وجوهريا من الإرادة الشعبية المعبر عنها في الانتخابات التشريعية، علاوة على حالة الغموض المتعلقة بمنصب نائب الرئيس من حيث دوره وصلاحياته وطريقة تعيينه». كما اعتبر أن «هناك بعض التدابير جاءت في المسودة بصيغة مبهمة وغامضة وقد تأخذ منحى بعديّا سيئا، والتي من المفروض أنها تتطلب نقاشا مجتمعيا واسعا».
وعلى مستوى الحريات ترى (حركة مجتمع السلم) أن «التقييد بالإحالة للقوانين والتنظيم يمثل تهديدا حقيقيا مجرّبا على المكاسب المتعلقة بتأسيس الجمعيات وحرية الإعلام بمختلف أنواعه، مع عدم توفير أي ضمانات دستورية في المشروع لنزاهة الانتخابات، وعدم تجريم الوثيقة المقترحة للتزوير وعدم اتخاذها أي تدابير ردعية ضده باعتباره أكبر آفة هي أساس كل أزمات البلد». وبرأي الحزب «أخذت الوثيقة توجها شعبويا يؤدي إلى التضييق على الأحزاب من حيث التأسيس والممارسة السياسية والحق الكامل لتمثيل ناخبيهم، وبما يؤثر سلبا على الأداء البرلماني بشكل مخالف لكل التوجهات الدستورية العالمية».
وحسب (حركة مجتمع السلم)، لم «تعط الوثيقة الصلاحيات الكافية للهيئات المنتخبة والكفيلة بتجسيد المادتين (7، و8) من الدستور واللتين تمثلان مطلبا أساسيا من مطالب الحراك الشعبي. كما أبقت على الدور الكبير للهيئات المعينة وخاصة الإدارية منها على حساب المنتخبة مما يمثل عائقا أساسيا للتنمية المحلية وإخلالا بالديمقراطية التشاركية والتوجهات اللامركزية». وبرأيه «مثلت الوثيقة تراجعا بخصوص استقلالية القضاء من حيث إلغاء التنصيص على حماية القاضي من كل أشكال الضغط والتحولات والمناورات، مع إبقاء المجلس الأعلى للقضاء تحت السلطة التنفيذية، إضافة إلى اعتماد تكريس آلية التعيين في المحكمة الدستورية، خصوصا المناصب التي كانت تنبثق عن البرلمان المنتخب شعبيا بدلا من الانتخاب الذي يؤسس لهيئة مستقلة وحيادية».
وفي الأخير، دعت الحركة كل «مكونات الطبقة السياسية والاجتماعية إلى التعامل بجدية ومسؤولية مع مسار الإصلاحات بما يحقق تطلعات الانتقال الديمقراطي»، معلنة بأنها «ستتحمل مسؤوليتها من جهتها كاملة في التعامل مع الموضوع لتعديل ما يستحق التعديل، وحذف ما يجب حذفه، وإضافة ما ينبغي إضافته بما يوصل الوثيقة الدستورية لنصاب التغيير الحقيقي وحلم الجزائر الجديدة الذي ينشده الجميع».
وفي المعسكر الآخر، رحبت الموالاة بمسودة الدستور، واعتبرت أنه يحمل تطلعات الجزائريين في طبيعة الدولة التي ينشدونها لما بعد حراك 22 فبراير، وفي بيان تسلمت «المجلة» نسخة منه، سجل حزب (التجمع الوطني الديمقراطي) أحد أبرز أذرع السلطة سياسياً رغبة الرئيس عبد المجيد تبون في إعطاء نفس جديد لمؤسسات الدولة وتعزيز الحريات، وإزالة اللبس فيما يتعلق بالفصل بين السلطات، وهو ما يشكل برأي الحزب لبنة أساسية في بناء الجزائر التي يأملها الجميع.
ويرى الحزب الذي يرأسه وزير الثقافة الأسبق عز الدين ميهوبي، أن «الوثيقة محل إبداء الرأي تعتبر قفزة نوعية بجميع المقاييس، بل إنها تعدّت المطالب المعبر عنها في كثير من المناسبات من طرف فاعلين سياسيين واجتماعيين مثل إقرار المحكمة الدستورية، وتوسيع منظومة الحريات وتعزيز مركز رئيس الحكومة، وضمان التداول الديمقراطي على المناصب الانتخابية، وتحرير النشاط الجمعوي، وتعزيز استقلالية القضاء، والمحافظة على الهوية الوطنية بأبعادها الثلاثة». 
وبرأي حزب (الأرندي)، فإن «وثيقة الدستور المقترح تمثلت بوعي وإدراك عميقين بطموحات الشعب الجزائري التواقة إلى تعزيز منظومة الحقوق والحريات والمحافظة على الانسجام الوطني، وبدعم التوازن بين السلطات الدستورية الثلاث، وتعزيز الصرح المؤسساتي بمؤسسات جديدة مثل السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته».
الأكاديمي والباحث جمال ضو يعتقد أن «الجزائر لم تحكم يوما عبر الأطر الدستورية، بل عبر عصب ونفوذ عسكري ومخابراتي وتوازنات جهوية قبل أن يلتحق بها النفوذ المالي والإداري في العقد الأخير بقوة». ولهذا يرى أن «الدساتير التي عرفتها الجزائر كلها تقريبا تم الدوس عليها متى اقتضت حاجة النظام أو المنظومة». 
 




نسخة من مشروع التعديل الدستوري المقترح للنقاش

وبناء عليه يجزم أن «النصوص الواردة في الدستور ليست ذات قيمة من الناحية العملية إذا غابت الإرادة السياسية، ولكن منظومة الحكم في الجزائر تحاول كل مرة إعداد دستور جديد تتجاوز من خلاله سيناريوهات الأزمات التي واجهتها مع دساتير سابقة»، وهذا في تقديره هو «لب المسودة الحالية، فهي عبارة عن وضع سيناريوهات دستورية بناء على الأزمة السياسية الأخيرة، بينما بقية التعديلات شكلية وتأتي في سياق التوازنات والحسابات الداخلية والخارجية».
ورغم تصوره هذا، إلا أن ضو سجل جملة ملاحظات في مساهمة له نشرها عبر حسابه الرسمي في «فيسبوك» بخصوص المشروع المقترح، أبرزها قوله إن «المتعارف عليه في الدساتير أنها عقد سياسي اجتماعي وهي عمل سياسي بامتياز، ولهذا فالذين يعدون الدستور هم السياسيون والمفكرون والمثقفون والمصلحون والمهتمون بالشأن العام كحصيلة لنقاش مجتمعي واسع، ودور الفقهاء الدستوريين هو إتقان الصياغة وضبطها». 
ورغم ذلك يؤكد أنه وهو يقرأ نسخة المسودة «وجد الديباجة والمقدمة جامدة ركيكة التعبير خالية من أي بعد حضاري أو مشروع مجتمع، وليس الأمر مفاجئاً، فليست النائحة المستأجرة كالثكلى، فاللجنة رأسها خبير دستوري لا نشك في قدراته من الناحية التقنية، إلا أنها بعيدة تماما عن الإتيان بديباجة ترتقي إلى مستوى تطلعات الشعب وتعكس نبض الشارع وأزمتنا الحضارية».
ومن ناحية المضمون العام، فإن المسودة من ناحية الصلاحيات وتوزيعها هي وفق تقديره «امتداد لدستور 2016، بنفس الصلاحيات وأزيد لرئيس الجمهورية، بقية الصلاحيات التي وزعت هنا وهناك جاءت بصيغة (يمكن)، وبشكل متناقض، فمثلا أضيفت مادة (108) كنوع من تعزيز سلطة البرلمان المنتخب في اختيار الحكومة، جاء فيها: يمكن لرئيس الجمهورية بعد استشارة الأغلبية البرلمانية أن يعين رئيس الحكومة ويكلفه بإعداد برنامج الأغلبية البرلمانية، بينما المواد 102، 103، 104، 105، 106، تنص على مسار آخر تماما، بل مسار يوجب حل البرلمان إذا لم يصوت على برنامج الحكومة بعد العرض الثاني، رغم أن فكرة حل البرلمان بسبب رفض برنامج الحكومة يعمل به في النظام البرلماني وليس النظام الرئاسي»، المحصلة برأي ضو «أنك تجد نفسك أمام خلطة دستورية غريبة ومتناقضة، ويمكن للرئيس أن يستعمل ما يشاء حسب ما يحلو له! بينما الدساتير العالمية ميزتها الإحكام والضبط وعدم التضارب».
ومن المواد التي وصفها ضو بـ«العجائب التي أتت بها لجنة الخبراء هي إمكانية تعيين الرئيس نائبا له». وإلى غاية هنا يبدو الأمر عاديا برأيه لكن ما أضافته اللجنة- يتابع- أن «هذا النائب يكمل عهدة الرئيس في حالة استحالة قدرته على إكمال عهدته لسبب ما، وهذه بدعة دستورية لا وجود لها في العالم!.. ففي أميركا مثلا يحدث ذلك، ولكن النائب ينتخب مع الرئيس، أي إن الرئيس يعين نائبه في الحملة الانتخابية والمنتخبون يعلمون من سيكمل العهدة في حالة عجز أو وفاة الرئيس، بينما هنا في المسودة المقترحة تنتخب رئيسا ثم قد تجد نفسك مع رئيس آخر لا تعرفه يكمل العهدة، وقد تكون سنوات. ولكن ما سر هذه البدعة الدستورية؟». 
يجيب عن ذلك بالقول: «هي من محاولات ترقيع مستمرة لتفادي المشاكل التي واجهت النظام في العقود الماضية، كل مرة يواجه مشكلة ويجد نفسه في ورطة، ثم يعد دستورا يأخذ فيه بعين الاعتبار طريقة لتفادي تلك المشكلة مرة أخرى، إلى أن تظهر أخرى، وهذا يعكس عدم القدرة حتى على الالتزام بالدستور خلال الأزمات من دون أن يحدث خلل داخل المنظومة، وهذا بيت القصيد في التعديل الدستوري الأخير، ففكرة نائب الرئيس هي لتفادي الوقوع في أزمة اختيار من يخلف الرئيس في حالة عجزه المفاجئ وتفادي صراع شبيه بصراع من يخلف بوتفليقة والذي كاد أن يفجر علبة النظام وأدخلها في صدامات داخلية».
وعن مسألة مشاركة القوات العسكرية الجزائرية خارج الجزائر، يعتقد ضو أنه «من الصعب الحكم عليها، والأصل أن لا تحتاج الجيوش لنصوص دستورية لحماية مصالح شعبها، ولكن مسألة المشاركة في حفظ السلام وإمكانية التورط في صراعات ليست ضمن أجندة الأمة وخوض حروب بالوكالة مسألة خطيرة ويجب ضبطها».
 




مطالبات بمجلس تأسيسي يتمتع بسيادة

وفي المقابل أشار إلى «تفخيخ الدستور بمواد ضمان حرية العبادة وجعل المعاهدات الدولية ضابطة للأحكام القضائية وحياد المدرسة، في الحقيقة تأتي ضمن السياق العام للتنازلات الدولية وسياسة وضع الجزائر في سكة التطبيع التام مع النظام العالمي والانسلاخ التدريجي من جميع قيمها الحضارية».
ويرى ضو أن «تحصين مادة اللغة الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية من التعديل ووضعها في مساواة تامة مع اللغة العربية، يأتي في سياق التوازنات الداخلية، وتهدئة بعض الجبهات واسترضائها مثلما كان عليه الحال عند تمرير دستور 2016 والذي قبله«».
من جانبه يعتقد النائب البرلماني ناصر حمدادوش أن «المطّلع على مسودة تعديل الدستور يكتشف بما لا يدع مجالاً للشّك أنه لم يقع تغييرٌ حقيقي، وأنه لا توجد إرادة فعليةٌ في ذلك»، ويكفي حسب حديثه لـ «المجلة» التأمّل في المحاور المفصلية له للتأكد من ذلك، أبرزها «يقاء نفس المعالم الرئيسية لدستور بوتفليقة ونظامه الهجين، كعدم انبثاق الحكومة عن الأغلبية البرلمانية، وعدم استقلالية القضاء رغم الادّعاء به، وبقاء الثلث الرئاسي المعيّن والمعطّل للبرلمان، وتكريس ثقافة التعيين بدل مبدأ الانتخاب في كل المؤسسات، بما يخلّ بمبدأ الفصل بين السلطات، مع عدم استقلالية المحكمة الدستورية»، وهي «أسوأ من المجلس الدستوري» برأيه في المهام والتشكيلية وشروط العضوية فيها
كما طرح مشكلة السّلطة المستقلة للانتخابات، وهل هي قادرة على ضمان نزاهة الانتخابات وشفافيتها؟ مع «تعزيز سلطة الفرد، بهيمنة الرئيس على كل الصلاحيات والسلطات والمؤسسات: السياسية والقضائية والرّقابية والعسكرية والأمنية والإدارية».
وبالنسبة لأستاذ العلوم السياسية محمد بوضياف فإنه من حيث المقارنة بالدساتير الجزائرية السابقة إيجابا وسلبا، تعتبر المسودة حسب حديثه لـ«المجلة» نقلة نوعية في كثير من المجالات، حيث تقاسم الرئيس ورئيس الحكومة تسيير الهيئة التنفيذية في إطار تعاون يفرضه النظام شبه الرئاسي، مع حماية العملية السياسية بدسترة الهيئة الوطنية لتنظيم الانتخابات ومراقبتها، وتحرير العدالة وحماية القاضي بشهادة نقابة القضاة.
ومن حيث المعايير الدستورية الديمقراطية العالمية، لا يعتقد بوضياف أن «المسودة قصرت في هذا الباب، ومكنت للمواطن من خلال تحرير العدالة وهي الضمانة الاساسية للحقوق وكرست مبدأ الإنشاء بعيدا عن تسلط الإدارة».