في ذكرى الرافعي

* ذكرى الرافعي أثارت شجوناً وذكريات عن رجل طواه النسيان وتراكمت أمامه كتب غثة صارت حاجزًا منيعًا لضوء الشمس وسنا القمر عن دوره التنويري، وأصبحت الساحة ظلامًا وعتمة لا يتردد فيها سوى أنكر الأصوات

في مثل هذا اليوم منذ ثلاث وثمانين سنة (10/ 5/ 1937) نعيت إلى الأدب العربي نفسه بوفاة أديب العربية الأكبر في العصر الحديث مصطفى صادق الرافعي، رحمه الله، الذي اخترمه سهم المنية وهو في أوج تألقه الأدبي.
فرحمات الله عليه تترى بكل حرف خطه بنانه ذوداً عن العربية والإسلام أو شقاً لبحار معان جديدة لم يسبق إليها.
وتالله ما جرأني على اقتحام ميدان الرافعي- وأنا الذي لا أزال أهابه قارئا له، فكيف بي كاتبا عنه- إلا بعض الوفاء للقضية التي عاش لها وبها الرافعي وسخر لها قلمه وعلمه وأدبه وبيانه، ونالت ما نالت من حياته وأعصابه وفورة نفسه.
لقد عاش الرافعي رحمه الله في أخريات القرن التاسع عشر وأوليات القرن العشرين حيث موجات تغييب الإسلام الحق بكل مقوماته من اللغة والثقافة، حتى انشقت الأرض فجأة عمن لم يخطر ببال: كالرافعي، والزيات، والغمراوي، والخضر حسين... ثم الفارس محمود محمد شاكر... وغيرهم ممن امتشقوا أقلامهم سيوفا يبارزون بها عدوهم ويجلون بها حقائق لغتهم وأدبهم ودينهم.
 
وأقولها يقيناً: 
لو لم يكن من يدفع تلك الهجمات في وزن هؤلاء: علماً وعقلاً وأدباً لربما انتهت هذه الجولة العنيفة من الصراع على غير ما يؤمل أي مسلم عربي غيور على لغته ودينه وثقافته بل وذاته.
 
والآن:
ما أرانا إلا مفروضاً علينا أن نتراجع للوراء قليلا متحيزين إلى فئة هؤلاء المدافعين عن الحق؛ اقتفاء لآثارهم، ونسجاً على منوالهم، لسببين:
أولهما: أنه ليس لدينا من العلم والأدب ما يؤهلنا للانتصاب بأنفسنا اعتمادا على ما في جعبتنا.
ثانيهما: أن عدونا ليس له من العقل والعلم والجهد ما به يعد قادرا على ابتداع شبه جديدة تجعلنا بحاجة لإعمال الجهد في تفنيدها، بل هو ترديد ببغاوي لما لاكته ألسنة أسلافهم من قبل.
فيا أبناء العربية والإسلام: 
يا من اصطفاكم الله لحراسة الثغور: 
عودوا إلى ما كتبه هؤلاء العمالقة، وابعثوها من مراقد التجهيل والتغييب، واتخذوا منه دروعا وسيوفا تكون عدتكم في معركتنا دفاعا عن هويتنا وذودا عن شخصيتنا.
يقول الباحث أمير محمد إبراهيم الدسوقي: هز عبد الرحمن الرافعي بقلمه القوات البريطانية والنخبة المثقفة المصرية والعربية والأجنبية.
الموقف الوحيد الذي أخذته عليه في شبابي كتابه «على السفود» وكنت وما زلت أعتبر شخصي الضعيف من حواري عباس محمود العقاد. أما في شيخوختي واطلاعاتي غير المنتظمة فقد قرأت «تحت راية القرآن» بخبرة السنين، فقلت في نفسي أعاهدك يا شيخنا بأن أضع خدي تحت قدميك، ولكن حبي للعقاد لن ينقص وزن ذرة واحدة.
ذكرى الرافعي أثارت كل هذه الشجون والذكريات عن رجل طواه النسيان وتراكمت أمامه كتب غثة صارت حاجزًا منيعًا لضوء الشمس وسنا القمر عن دوره التنويري، وأصبحت الساحة ظلامًا وعتمة لا يتردد فيها سوى أنكر الأصوات.