مآلات الأزمة الليبية بعد «معركة الوطية»

تحولات ميدانية بدعم تركي... وترقب روسي
* مصادر مطلعة: تصاعد التوترات بين عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب الليبي وقائد الجيش الليبي بعد تعزيز حفتر سلطاته في مواجهة معارضيه
* تطمع تركيا في الحصول على نصيب من النفط الليبي، حيث كانت ليبيا قبل اندلاع الصراع عام 2011 تُعد المنتج الثاني للنفط في القارة الأفريقية
*  «الطمع التركي» كان أحد العوامل الحاسمة التي دفعت أنقرة للتدخل في ليبيا، فالكثير من الشركات التركية كانت نشطة بالفعل في ليبيا في ظل حكم معمر القذافي
تركيا تسعى إلى البقاء في ليبيا لفترة طويلة. وتنظر بعض التقديرات في هذا الإطار إلى الجانب غير المعلن في نتائج محادثات إردوغان وبوتين في نهاية 2019 بشأن الوضع في ليبيا وسعي أنقرة إلى إقناع موسكو بإنهاء دعمها للجيش الليبي
تعي مصر مخاطر التحركات التركية، سيما في شقها البحري ومحاولات القطع البحرية التركية الاقتراب من الحدود الغربية المصرية، كما تدرك مخاطر عدم تماسك الجبهة الداخلية للقوى الليبية الداعمة للجيش الوطني الليبي
ربط مراقبون اجتماع السيسي بوزير الدفاع وطلبه بالاستعداد على أعلى مستوى عسكري بسببين اثنين، الأول هو التطورات الليبية، والثاني هو إعلان الخارجية الإثيوبية عدم تأجيل ملء سد النهضة
* تركيا ماضية قدما في دعم حكومة الوفاق الليبية انطلاقا من كون الحفاظ على مكتسباتها ومصالحها مرهونا بنجاح هذه الحكومة والميليشيات الموالية لها في وقف تقدم الجيش الوطني الليبي
 

أنقرة: تطورات دراماتيكية شهدتها الساحة الليبية خلال الأيام القليلة الماضية، إذ تراكمت التراجعات الميدانية للجيش الوطني الليبي وتوالت وتيرتها على نحو مكن ميليشيات حكومة الوفاق (الغرب) من استعادة مناطق حيوية ونقاط تمركز مفصلية على خريطة الصراع الليبي وجغرافيته المعقدة.

ارتبط التحول الرئيسي مؤخرا في ساحة المعارك المشتعلة باستعادة «ميليشيات الوفاق» قاعدة «الوطية» الجوية الواقعة جنوب غربي طرابلس، وذلك إثر إعلان مفاجئ لقوات الجيش الليبي انسحابها من أجزاء من العاصمة طرابلس، وذلك على نحو ترتب عليه فقدان المطار الوحيد للجيش قرب طرابلس.

وقال المتحدث أحمد المسماري باسم قوات الجيش الليبي إن القوات الليبية نفذت عملية إعادة انتشار وتمركز على جبهات القتال، متخلية عن بعض «المناطق السكنية المزدحمة». وقال المسماري إنه تم إخلاء القاعدة كجزء من قرار استراتيجي مخطط له منذ فترة طويلة وإنه لم يبق هناك سوى المعدات القديمة والمتهالكة. وأعلن الجيش الوطني الليبي أنه سينسحب لمسافة تتراوح بين كيلومترين وثلاثة كيلومترات لتحسين الظروف بالنسبة لسكان طرابلس في نهاية شهر رمضان، لكن الخطوة جاءت بعد خسارة معقل رئيسي.

وأوضح ذلك أن ثمة عثرات مركبة لا تزال في طريق استعادة العاصمة بل وقد تتعلق بالحفاظ على ما استطاع الجيش السيطرة عليه بالفعل داخل طرابلس منذ إعلانه بدء هجومه على مواقع ميليشيات الوفاق بهدف السيطرة على العاصمة، وهو أمر بات يرتبط بمحركات داخلية تتعلق بالاصطفافات الوطنية داخل القوى الداعمة للجيش، وكذلك ترتبط بسياق التدخل التركي والتحول لطرف مباشر في الحرب الليبية من خلال دعم ومساندة الجماعات والميليشيات الإرهابية.

 




مقاتلون مع حكومة الوفاق الوطني الليبية بالقرب من بلدة جرابولي، شرقي طرابلس (غيتي)

 

تحولات ميدانية

تشير التحولات الميدانية على الساحة الليبية إلى أن ثمة متغيرات بعضها يرتبط بأدوار القوى الإقليمية الداعمة للجماعات الإرهابية في ليبيا، وبعضها الآخر يتعلق بطبيعة تماسك القوى المتصارعة في الميدان الليبي، الذي تتفاقم تشابكاته وتحولاته الدرامية بسبب تصاعد الصراع العسكري على الأراضي الليبية منذ عام 2014 بين الفصائل المتناحرة المتمركزة بين محوري «الغرب»، و«الشرق».

يأتي في مقدمة الأسباب الرئيسية للتحولات الميدانية التغيرات الطارئة على صعيد تحولات جبهة الجيش الوطني، والتي ربما تفاقمت خلال الآونة الأخيرة وبرزت معالمها على نحو أوضح بعد إقدام المشير خليفة حفتر قائد الجيش الليبي على إعلان نفسه حاكما على ليبيا، مما ترتب عليه تزايد وتيرة التوترات مع بعض القبائل الداعمة للجيش وتحركاته ضد الجماعات الإرهابية.

تزايد الموقف تعقيدا بسبب ما تتمتع به القوى القبلية، الرافضة للإجراءات الأخيرة، من قوة استراتيجية من الناحية الجغرافية وثقل ميداني من الناحية العسكرية، وذلك على نحو ضاعف من تعقد المشهد السياسي داخل جبهة الجيش الليبي وتشابك الوضع العسكري في مناطق سيطرته، سيما في مناطق التمركز داخل العاصمة أو على تخومها مثل جبهة ترهونة التي تقع على بعد 90 كلم جنوب شرقي طرابلس.

 




عقيلة صالح

على جانب آخر، تصاعدت التوترات،- حسب مصادر مطلعة- بين عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب الليبي وقائد الجيش الليبي حفتر. هذه الأوضاع فسرتها بعض التقارير على أن المشير حفتر استهدف تعزيز سلطاته في مواجهة معارضيه معلنًا نفسه حاكما لليبيا، بما أثر على الأداء العسكري عطفا على التوتر السياسي الناتج عن تباين الرؤى بشأن الإجراء الذي تبناه حفتر، بما أفضى إلى «تحركات» غير واضحة عسكريا من قوى متحالفة مع الجيش.

وحسب مصادر رائجة، فقد شهدت ليبيا تطورات مهمة خلال الفترة الأخيرة، سيما بعد تكثيف حكومة الوفاق الوطني من عملياتها على قاعدة الوطية الجوية (140 كلم جنوب غربي طرابلس)، بما دفع قوة من مدينة الزنتان (170 كلم جنوب غربي طرابلس)، إلى الانسحاب من القاعدة.

كما شهدت ليبيا تنظيم احتجاجات في مدينة سرت (450 كلم شرق طرابلس) لبعض الجماعات المؤيدة لسيف الإسلام القذافي، نجل العقيد الراحل معمر القذافي. ورأت هذه الجماعات أن سياسات حفتر باتت تستهدف رئيس مجلس النواب، وذلك بعد أن ألغى المشير حفتر «اتفاق الصخيرات»، وبعد إقدامه على إجراءات اعتبرتها بعض الاتجاهات أنها ستفضي إلى تعطيل البرلمان الليبي في طبرق الذي يترأسه صالح.

ترتب على ذلك أن سيطرت القوات التابعة لحكومة الوفاق المدعومة بضربات جوية تركية على قاعدة الوطية الجوية دون أي مقاومة تذكر، بما مثل أسوأ تراجع للجيش الليبي منذ شنه هجوما على طرابلس في أبريل (نيسان) 2019. 

عقب على ذلك الناطق باسم قوات الجيش الليبي أحمد المسماري عبر الإعلان عن «إعادة تمركز القوات في بعض محاور طرابلس» وذلك في الجبهة الواقعة إلى جنوب العاصمة الليبية. وقال إن المشير حفتر أصدر أمر «إعادة التمركز» قبل شهور، وذلك بناء على تقرير من رئيس المنطقة العسكرية الغربية للجيش الوطني الليبي.

 




بعض التقديرات تشير إلى سعي أنقرة إلى إقناع موسكو بإنهاء دعمها للجيش الليبي

 

الموقف التركي

أسهمت سياسات تركيا في إحداث تحولات ميدانية على صعيد العمليات العسكرية بعد قيامها بنقل عشرات الآلاف من «المرتزقة» الموالين لها والمتمرسين على حروب الشوارع من الساحة السورية إلى الميدان الليبي، تزامن ذلك مع تحولها إلى سياسات الفعل العسكري المباشر عبر شن حملة جوية مكثفة بواسطة الطائرات المسيرة على مواقع الجيش الليبي، وذلك على مدى أسابيع، بلغت، حسب تقديرات خلال الشهر الخالي ما يزيد على 60 غارة جوية لاستنزاف قوات الجيش الليبي داخل قاعدة الوطية. وبعد استيلاء ميليشيات الوفاق على القاعدة الجوية نُشرت صور على الإنترنت لما زعمت أنها أنظمة لدفاع جوي بانتسير الروسية المركبة على الشاحنات، بالإضافة إلى مراجع بشأن كيفية استخدام تلك المعدات.

سعت ميليشيات الوفاق من ذلك إلى توظيف العامل المعنوي وتعبئة طاقات الميليشيات التابعة لها، وزيادة فرص استغلال حالة الارتباك التي يعاني منها الجيش الليبي من أجل تعزيز مواقعها على أكثر من جبهة على طول خطوط إمداد الجيش الوطني الليبي والمواقع الاستراتيجية التابعة له.

واضطلعت الطائرات التركية المسيرة والدفاعات الجوية بدور رئيسي، فيما يبدو، في مسار المعارك ضد مواقع الجيش الليبي، مع ورود أنباء متكررة عن تعرض سلاسل إمدادات الجيش الوطني الليبي القادمة من الشرق لضربات.

وقال وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، إن الموازين في ليبيا تغيرت إلى حد كبير لصالح حكومة الوفاق، عقب بدء التعاون في التدريب والخدمات الاستشارية من قبل عناصر القوات المسلحة التركية ومواصلة أنشطة التدريب والتعاون والاستشارات العسكرية في ليبيا.

ويأتي الدخول التركي على خط الصراع عبر أدوات مباشرة فالقطع البحرية التركية انتقلت من غرب ليبيا إلى الشرق وباتت توجه عملياتها العسكرية إلى مواقع الجيش الوطني كما رفعت من وتيرة إرسال عناصر الجماعات الإرهابية إلى ليبيا. وقام رئيس الاستخبارات التركي، هاكان فيدان بزيارة معلنة مؤخرا إلى طرابلس، هذا فيما تعرضت سفارتا تركيا وإيطاليا لهجمات في طرابلس. 

وتمكنت ميليشيات الوفاق من السيطرة على الشريط الساحلي الغربي لمدينة طرابلس، وعدد من المواقع على الحدود مع تونس، إلى جانب مدينتي صبراتة وصرمان. وفي هذا السياق، أكد المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي، اللواء أحمد المسماري، أن هجمات ميليشيات طرابلس، تمت بتنسيق وإشراف مباشرين من ضباط أتراك، مشيرا إلى وجود أدلة على مشاركة «إرهابيين من تنظيمات داعش والقاعدة وأنصار الشريعة» في الهجمات على صرمان وصبراتة.

هذا فيما ذكرت تقديرات مختلفة أن الهجوم على مدينة صبراتة تم بقيادة أحمد الدباشي، الذي وضعه مجلس الأمن الدولي في «القائمة السوداء» عام 2018، بتهمة الاتجار بالبشر. وقد تمت قيادة الدباشي لهجوم مدينة صبراتة بإيعاز من تركيا، التي عملت خلال الفترة الماضية على تجميع أكبر عدد من المتطرفين، المطلوبين دوليا، في ليبيا، للقتال إلى جانب ميليشيات طرابلس بقيادة فايز السراج.

وتعد قاعدة الوطية من أهم القواعد العسكرية الليبية في الغرب، والتي كان يشن منها الجيش الليبي هجومه على مواقع ميليشيات الوفاق، وبخسارتها يفقد تواجده في الغرب الليبي بالكامل باستثناء مدينة ترهونة، ما يعطي دفعة للميليشيات الإرهابية الداعمة لحكومة الوفاق. وتأتي عملية السيطرة على «القاعدة العسكرية» بعد أسابيع قليلة من استعادة حكومة الوفاق السيطرة على ست مدن، بينها مدينتان استراتيجيتان (صرمان وصبراتة) غرب طرابلس.

 




مستقبل الاتفاقيتين مع السراج مرهون بما يحدث في ليبيا، إن سقطت حكومة الوفاق ستسقط الاتفاقيات التركية- الليبية، وهو الأمر الذي ترتب عليه تزايد حدة التنافس والصراع بين مختلف الفاعلين في ليبيا

 

محركات السياسة التركية

جاءت الخطوات التركية الداعمة للميليشيات المسلحة في ليبيا بعد إبرام النظام التركي اتفاقيتين للتعاون مع حكومة الوفاق الليبية، إحداهما متعلقة بالتعاون الأمني، والأخرى ترتبط بالمجال البحري، بما أثار الكثير من التحفظات وردود الفعل دوليا وإقليميا الرافضة لمثل هذه التحركات التي نُظر إليها بحسبانها تمثل «انتهازية سياسية» تدفع في اتجاه تعقيد المشهد السياسي وتأزيم الوضع الميداني.

وتسعى تركيا، حسب اتجاهات رائجة إلى إعادة تشكيل المنطقة بما يضمن الحفاظ على مصالحها وتعزيزها، وهي التحركات التي قد ينتج عنها تداعيات مرتبطة بالحرب في ليبيا من جانب، ومن جانب آخر بالتطورات المستقبلية الخاصة بمجال الطاقة في منطقة شرق المتوسط.

بيد أن أولى المشكلات التي تجابه أنقرة في هذا الصدد، تتمثل في أن الاتفاقية التي تعول عليها كثيرا تم توقيعها مع حكومة الوفاق، وهي الحكومة التي تواجه حربا تهدد بقاءها، لذلك اتجهت تركيا إلى العمل على تسعير وتيرة مهاجمة تمركزات الجيش الليبي، وهو ما جعل سونر كاجبتاي مدير برنامج البحوث التركية بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى يؤكد أن مستقبل الاتفاقيتين مع السراج مرهون بما يحدث في ليبيا، فإن سقطت حكومة الوفاق فسوف تسقط الاتفاقيات التركية- الليبية، وهو الأمر الذي ترتب عليه تزايد حدة التنافس والصراع بين مختلف الفاعلين في ليبيا.

ثاني الإشكاليات التي تواجه الاتفاقية وربما الإشكالية الأكبر تتمثل في كون الاتفاقية حسب خبراء قانونيين، تتعارض مع القانون الدولي، ولا يرجح أن تحترمها أي من الدول الأخرى في المنطقة، وهو الأمر الذي أشار إليه أشيك جونول الدبلوماسي التركي السابق والخبير في الحدود البحرية حينما قال: «المزاعم التركية لا تتفق والمبادئ الراسخة للقانون الدولي، ولا يمكن لأي دولة أن تكسب منطقة بحرية عبر نهج قائم على فرض سياسات الأمر الواقع، هناك مبادئ في القانون الدولي، وهذه الاتفاقية تتناقض بشكلٍ صارخ مع القانون الراسخ للحالات المماثلة».

وبالتالي، فإن الدافع الرئيسي وراء مشاركة السرّاج في اتفاق مع القيادة التركية يتمثل في تأمين الدعم العسكري واللوجيستي الذي تقدمه أنقرة لحكومة الوفاق، حيث زودت تركيا ميليشيات الوفاق بسيارات مدرعة وآلاف من مركبات المشاة القتالية، فضلا عن طائرات مسيّرة استطلاعية وهجومية.

وسعى النظام التركي لتوفير غطاء سياسي يسوغ تدخله العسكري في ليبيا، لكن برغم ما يردده الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، فثمة أسباب ودوافع معلومة وراء التحركات التركية الأخيرة في ليبيا، ومن أهم هذه الدوافع الرد على اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية بين كل من مصر واليونان وقبرص، ومزاحمة الدول التي تقوم بالتنقيب عن الغاز في شرق البحر المتوسط، هذا إضافة إلى أن ليبيا بلد غني باحتياطيات النفط والغاز، ومع زعزعة استقرارها، ثار «جشع» الوالي التركي، الذي لا يخفي أطماعه في ثروات البلدان العربية.

إن مصلحة تركيا في ليبيا تتعلق بالموازين الاستراتيجية في صراع القوى الدائر في شرق البحر المتوسط، وبالنسبة لأنقرة حيث يتمثل أسوأ السيناريوهات في شرق المتوسط في أن تتوصل اليونان مع قبرص إلى اتفاق محتمل للمشاركة في مناطق السيادة البحرية، وهذا الأمر من شأنه أن يهدد مصالح تركيا والقبارصة الأتراك في مناطق السيادة البحرية، وبالتالي تحاول تركيا أن «تستولي» على المياه الإقليمية الليبية لمواجهة النفوذ اليوناني جنوب غرب جزيرة كريت، التي تعتبر بوابة شرق البحر الأبيض المتوسط.

وتطمع تركيا في الحصول على نصيب من النفط الليبي، حيث كانت ليبيا قبل اندلاع الصراع عام 2011 تُعد المنتج الثاني للنفط في القارة الأفريقية (1.6 مليون برميل يومياً)، وصاحبة أكبر احتياطي من النفط في القارة قاطبة (48.36 مليار برميل)، ويبلغ احتياطي ليبيا من الغاز حوالي 54.6 تريليون قدم مكعبة، بما يضعها في المرتبة 21 عالمياً من احتياطات الغاز، بينما تفتقر تركيا لمصادر الطاقة، وتعتمد على الاستيراد في سد 95 في المائة من احتياجاتها من الطاقة.

إن «الجشع التركي» كان أحد العوامل الحاسمة التي دفعت أنقرة للتدخل في ليبيا، فالكثير من الشركات التركية كانت نشطة بالفعل في ليبيا في ظل حكم معمر القذافي. الأرقام الدقيقة لحجم هذه الاستثمارات غير معلنة، لكن يُعتقد أن حجم الاستثمار زاد على الـ30 مليار دولار، وبسقوط القذافي جعل ليبيا أقل أهمية اقتصاديا، حيث انخفضت الفائدة في الاستثمار بشكل ملحوظ، ومع ذلك، ظلت الحكومة التركية على اتصال وثيق مع حكومة طرابلس، واستمرت الشركات التركية في تلقي عقود العمل في ليبيا.

وعلى الرغم من أن أنقرة كانت قد وقعت عقدا لتدشين الطريق الساحلي في طرابلس، غير أنه عندما اندلع النزاع مع الجيش الوطني الليبي، تمَّ تجميد الكثير من مشروعات البناء، وخسرت الشركات التركية العاملة في ليبيا قدراً كبيراً من العقود، لذلك ثمة رؤية تركية تنبني على أنه كلما زاد نطاق المناطق التي يستحوذ عليها الجيش الوطني الليبي، تلاشت إمكانية تعظيم أرباح الشركات التركية في ليبيا مرة أخرى.

يشير ذلك إلى أن تركيا تسعى إلى البقاء في ليبيا لفترة طويلة. وتنظر بعض التقديرات في هذا الإطار إلى الجانب غير المعلن في نتائج محادثات إردوغان وبوتين في نهاية 2019 بشأن الوضع في ليبيا وسعي أنقرة إلى إقناع موسكو بإنهاء دعمها للجيش الليبي، وهي مساعٍ تحمل دلالة كبيرة بشأن رغبة تركيا في عدم الصراع مع الروس داخل ليبيا.

 




أنصار المشير خليفة حفتر في مظاهرة في مدينة بنغازي الساحلية شرقي ليبيا، ضد التدخل التركي في شؤون البلاد (غيتي)

 

تحذير أممي

حذرت ستيفاني وليامز القائمة بأعمال رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا من أن سيطرة ميليشيات الوفاق على قاعدة الوطية الاستراتيجية «يمكن أن يؤدي إلى مزيد من التصعيد، مما يحول الصراع الليبي إلى (حرب بالوكالة)، سيما بعد التدخل التركي المباشر في ليبيا. ولفتت إلى احتدام القتال في طرابلس، خاصة في محيط مطار معيتيقة، معبرة عن «القلق من هجمات الطائرات من دون طيار على مدار الشهرين الماضيين على المركبات، التي تسير بين مزدة وترهونة، وكذلك في بني وليد مما تسبب بأضرار جانبية للمركبات التي تحمل مواد غير متعلقة بالقتال، مثل الطعام والبضائع والوقود». وكررت أن الهجمات التي تستهدف المدنيين «تنتهك القانون الإنساني الدولي وقد تصل إلى حد جرائم الحرب». وقالت إنه «يجب تقديم المذنبين بارتكاب جرائم بموجب القانون الدولي إلى العدالة».

إشارات ستيفاني واضحة بشأن الموقف التركي الذي اتخذ منحى مضادا للسياسات الدولية التي استهدفت تقليل نفوذ الجماعات الإرهابية ودعم جهود الحل السياسي والحفاظ على أرواح المدنيين. ففي الوقت الذي دعا فيه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش إلى وقف إطلاق النار في مناطق النزاع حول العالم لتوحيد الجهود العالمية في مواجهة وباء كورونا، بدأت تركيا بعملية عسكرية ضد قوات الجيش الوطني الليبي، في أبريل (نيسان) الماضي. 

ورأت القائمة بأعمال رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (أنسميل)، أن ليبيا باتت على مفترق طرق، محذرة من أن «الحرب ستشتد ضراوة وتتسع وتتعمق على نحو أكبر». مطالبة المجتمع الدولي بـ«منع خروج ليبيا عن نطاق السيطرة».

وفي جلسة مفتوحة لمجلس الأمن عبر الفيديو، اعتبرت ستيفاني وليامز أن هناك «أعماقا جديدة من العنف وانعدام الرحمة والإفلات من العقاب». وقالت إنه «رغم مناشدة الأمين العام، أنطونيو غوتيريش، بالوقف الفوري لإطلاق النار من أجل السماح لليبيين بالاستجابة للتهديد المشترك لـ(كوفيد-19)، غير أنه لم يكن هناك تراجع في حدة القتال بين قوات الوفاق، برئاسة فايز السراج، والجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، بل تصاعد القتال مع زيادة غير مسبوقة في إطلاق النار غير المباشر في المناطق المدنية، وتزايد معاناة المدنيين».

وأضافت وليامز أنه «نتيجة لتزايد الأعمال العدائية المسلحة، إلى جانب التأثير الاجتماعي والاقتصادي الوشيك لـ(كوفيد-19) يحتاج مليون شخص إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية العاجلة»، موضحة أن ذلك «يشمل 400 ألف ليبي من النازحين، فضلاً عن 654 ألف مهاجر ولاجئ وطالب لجوء». وأكدت أن ملايين الليبيين، بينهم مليونان من سكان طرابلس، «يعانون بشكل غير طبيعي ومرعب، في ظل قصف متواصل تقريباً وانقطاع متكرر للمياه والكهرباء».

وأبلغت المسؤولة الأممية أعضاء مجلس الأمن أن ليبيا «لا تزال تشهد حشداً عسكرياً ينذر بالخطر نتيجة إرسال الداعمين الأجانب للأسلحة المتطورة والقاتلة بشكل متزايد، ناهيك عن تجنيد المزيد من المرتزقة في طرفي النزاع». وأفادت بأنه بعد استعادة قوات حكومة الوفاق ست مدن على الطريق الساحلي غرب طرابلس، تسعى إلى إبعاد قوات الجيش الوطني في جنوب طرابلس عبر «تعطيل خطوط الإمداد الخاصة بها من مدينة ترهونة القريبة»، معتبرة أن «هذه النجاحات شجعت ميليشيات الوفاق على التردد في وقف النشاطات العسكرية»، التي أدت في مايو (أيار) الجاري إلى السيطرة على قاعدة الوطية الجوية.

 




في الوقت الذي دعا فيه الأمين العام للأمم المتحدة، إلى وقف إطلاق النار لتوحيد الجهود العالمية في مواجهة كورونا، بدأت تركيا عملية عسكرية ضد قوات الجيش الوطني الليبي (غيتي)

 

الموقف المصري

تعد مصر من أكثر القوى الإقليمية المعنية بتطورات الأزمة الليبية، بالنظر إلى طول الحدود الجغرافية المشتركة بين البلدين، وطبيعة العداء التركي للنظام المصري، فضلا عن الصراع في شرق المتوسط وما تمثله سياسات تركيا من تهديدات للتوافقات التي تسعى مصر إلى ترسيخها بشأن تقاسم ثرواته، هذا إضافة إلى دعم تركيا للجماعات الإرهابية في ليبيا.

وتعي مصر مخاطر التحركات التركية، سيما في شقها البحري ومحاولات القطع البحرية التركية الاقتراب من الحدود الغربية المصرية، كما تدرك مخاطر عدم تماسك الجبهة الداخلية للقوى الليبية الداعمة للجيش الوطني الليبي.

وفي هذا السياق، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي موقف مصر الثابت من الأزمة الليبية بالتوصل لحل سياسي للأزمة، والحفاظ على سيادة ليبيا وأمنها ووحدة أراضيها، والدعم الكامل لإرادة الشعب الليبي واختياراته، ورفض التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية الليبية.

وقال الرئيس المصري، إن استقرار ليبيا يعد من محددات الأمن القومي المصري، وإن مصر لم ولن تتهاون مع الجماعات الإرهابية ومن يدعمها. 

وفي تطور لافت على الساحة المصرية، طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي من القوات المسلحة «التحلي بأقصى درجات الجاهزية والاستعداد القتالي لحماية أمن مصر القومي».

وكان السيسي قد اجتمع مع الفريق أول محمد زكي القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، وذلك بحضور رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة، ورئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وقائد المنطقة المركزية العسكرية.

وصرح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية بسام راضي أن السيسي اطلع خلال الاجتماع على مجمل الأوضاع الأمنية على كافة الاتجاهات الاستراتيجية الثلاثة الرئيسية على مستوى الجمهورية، وجهود القوات المسلحة لضبط الحدود وملاحقة العناصر الإرهابية، خاصةً في شمال سيناء وكذلك المنطقة الغربية.

ووفقاً لبيان الرئاسة المصرية، وجه السيسي بالاستمرار في التحلي بأقصى درجات الجاهزية والاستعداد القتالي لحماية أمن مصر القومي، معرباً عن التقدير لجهود القوات المسلحة وما تبذله من تضحيات فداءً للوطن ولصون أمنه وسلامته واستقراره ومقدرات شعبه.

وربط مراقبون اجتماع السيسي بوزير الدفاع وطلبه بالاستعداد على أعلى مستوى عسكري بسببين اثنين، الأول هو التطورات الليبية، والثاني هو إعلان الخارجية الإثيوبية عدم تأجيل ملء سد النهضة.
 




المتحدث باسم الجيش الوطني محمد قنونو يتفقد القاعدة الجوية بعد معركة الوطية (غيتي)


 

هذا فيما شدد السيسي في كلمته خلال اجتماع مجموعة الاتصال الأفريقية حول ليبيا على مستوى رؤساء الدول والحكومات عبر تقنية الفيديو كونفرانس، على موقف مصر الثابت من الأزمة الليبية بالتوصل لحل سياسي للأزمة، والحفاظ على سيادة ليبيا وأمنها ووحدة أراضيها، والدعم الكامل لإرادة الشعب الليبي واختياراته، ورفض التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية الليبية.

وتعتبر  مصر بالإضافة إلى المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات من أبرز القوى الإقليمية الداعمة لوحدة ليبيا وتعمل على مجابهة التنظيمات الإرهابية التي تنتشر على أراضيها بفعل سياسات كل من تركيا وقطر الداعمة للتنظيمات الجهادية على أكثر من ساحة عربية وفي مقدمتها الساحة الليبية. وتعمل الدولتان على إيجاد توافقات مع بعض دول الشمال الأفريقي لضمان دعمها لسياستهما حيال ليبيا.

على ذلك، يبدو أن تركيا ماضية قدما في دعم حكومة الوفاق الليبية انطلاقا من كون الحفاظ على مكتسباتها ومصالحها مرهونا بنجاح هذه الحكومة والميليشيات الموالية لها في وقف تقدم الجيش الوطني الليبي، وهو الأمر الذي من شأنه أن يكرس ويزيد من حالة الاستقطاب التي تشهدها ليبيا بطبيعة الحال، ويمد من أجل الصراع والحرب الدائرة، ويستبعد إمكانية وجود حل سياسي مع تعقيد المشهد، خصوصا في ظل عدم وجود موقف دولي موحد إزاء المشهد الليبي، هذا فضلا عما تمثله هذه التحركات من تهديد لاتفاق الحدود البحرية بين دول شرق المتوسط وهو الأمر الذي يدفع في اتجاه المزيد من التصعيد في هذه المنطقة المهمة وينذر ربما بعواقب وخيمة قد تصل إلى حد المواجهات العسكرية المباشرة.