الرقصة الأخيرة لجوردان

  • يكمن الفرق كل الفرق بين عالمنا وعالم الغرب في كل المجالات: الانضباط، وتوزيع الأدوار، وحسن الإدارة، ودائماً التخطيط لمستقبل أفضل، ودائماً لمصلحة الجماعة

عشاق كرة السلة في العالم كانوا على موعد مع وثاىقي شيق عرضته «نتفليكس» على عشرة أجزاء، يتحدث عن أسطورة كرة السلة العالمية مايكل جوردان وإنجازاته مع نادي كرة السلة للمحترفين «شيكاغو بولز»  في تسعينات القرن الماضي.

استطاع المشاهد أن يعيش مجدداً اللحظات التاريخية التي جعلت من هذا الفريق بطل العالم ست مرات في ثماني سنوات، بفضل مهارات مايكل جوردان وأيضاً طباعه التنافسية وانضباطه كلاعب محترف لم تسقطه الشهرة أو كثرة المال في إثم الضياع. تعرف المشاهد على وقائع لم تكن معروفة قبلا، كقرار حل الفريق عام 1988 وعدم إعطاء الفرصة للمنافسة على لقب سابع أو تفاصيل مقتل والد جوردان وتأثيرها الشخصي عليه لما كانت تربطه بوالده علاقة خاصة.

مع جوردان والبولز انتقلت كرة السلة للمحترفين من مكان إلى آخر. أدخل عليها الشاب جوردان من خلال تحديه للجاذِبية (سئل مرة إن كان فعلا يطير، نظرا لمهاراته في القفز عاليا وطويلا، فقال: نعم، ولكن لبضع ثوانٍ) عنصر الإثارة والفن والقوة الجسدية فحسّن من مستوى اللعبة. وبفضله بشكل خاص اكتسبت كرة السلة شهرة عالمية بحيث أصبح جوردان وفريقه حدثا عالميا. 

هذا لا يقلل أبداً من أهمية مساهمة من سبقوا جوردان في تطوير لعبة كرة السلة ككريم عبد الجبار، أو ماجيك جونسون، أو لاري بيرد، أو حتى من الذين عاصروه وتمتعوا بمواهب فنية عالية كشارلز باركلي، وكلايد دريكسلر، وكارل مالون، وغيرهم كثر، ولكن طغت صورة جوردان بشكل كبير؛ أولا لإنجازاته، وثانياً لمؤهلاته، وطبعا لطباعه التنافسية والانضباطية العالية، فقد استطاع جوردان تحويل اللعبة إلى صناعة.

عشاق كرة السلة سيتعرفون إلى الجانب الشخصي من حياة اللاعب الأسطورة جوردان وعلاقاته بناديه وبرفاقه والأجواء والأحداث التي رافقت مسيرته، وسيشهدون أيضاً ولو بشكل سلس تحول كرة السلة ونجاحاتها العالمية التي كان طبعا فريق البولز وجوردان جزءاً أساسياً منها.

جوردان كان فرصة إذا ما أحسن استغلالها المسؤولون لأحدثت تغييراً جذرياً في اللعبة. وهذا ما حصل بالفعل. انتشار اللعبة بفعل عامل جوردان، وشيكاغو بولز، فاق كل التوقعات؛ فأصبحت اللعبة مثلا منتشرة في 214 بلداً. أما ثمن فرق كرة السلة المحترفة، وبعضها لم يكن يتعدى بضع مئات آلاف أصبح مع عصر جوردان يساوي مئات الملايين من الدولارات. السلع الرياضية هي الأخرى عرفت نهضة عالمية غير مسبوقة خاصة مع الشركة الأميركية للملابس والأدوات الرياضية «نايك» التي مثلها جوردان. التغطية الإعلامية والنقل التلفزيوني للمباريات والنهائيات أصبحتا الحدث الأول في العالم كما نتائج النهائيات وأخبار انتقال اللاعبين.

من هنا أهمية شخصية أخرى لم يحظ دورها في تطوير اللعبة بالأهمية اللازمة، نظراً لطغيان نجم جوردان وفريق شيكاغو بولز على كل ما عداه. ديفيد شتيرن مفوض أو رئيس اتحاد كرة السلة للمحترفين أدار اللعبة بشكل بارع، مستفيداً من فرصة وجود نجم بارع مثل جوردان لتسويق كرة السلة أميركياً وعالمياً فتنافس من خلال انتشارها أكثر الرياضات شعبية في العالم.

النجاح في نهاية المطاف هو ثمرة مجهود جماعي، يلعب القدر من دون شك دوراً فيه، ولكن كل السر يبقى في حسن استغلاله وتنظيمه. فالنجاح يضع أشخاصاً في الصفوف الأمامية، في حالتنا هنا جوردان طبعاً وناديه واللاعبون النجوم الآخرون من الذين عاصروه، كما يضع أشخاصاً في الصفوف الخلفية ليسهروا على حسن الإدارة كالمفوض ديفيد شتيرن. 

من شأن هذه التراتبية وهذ الانضباط في الأدوار أن يؤمنا ليس فقط النجاح لفترة معينة، إنما الاستمرارية. فبفضل جوردان وكوكبة اللاعبين استطاعت اللعبة أن تنتشر وتنجح وبفضل حسن إدارة المسؤولين استطاعت أن تستمر وتفتح الطريق أمام كوكبة من النجوم الخارقين مثل كوبي براينت، وليبرون جيمس، وستيفان كيري، وغيرهم، ما زالوا يمتعون الجمهور بأداء خارق.

وهنا يكمن الفرق كل الفرق بين عالمنا وعالم الغرب في كل المجالات: الانضباط، وتوزيع الأدوار، وحسن الإدارة، ودائماً التخطيط لمستقبل أفضل، ودائماً لمصلحة الجماعة.