حائك السجاد الإيراني الصبور.. بين الواقع وما نتمناه

* إيران التي كلفها مشروعها التوسعي الكثير، لن تتراجع عنه بعد أكثر من أربعين عاماً بسبب ضغوط شعبية أو اقتصادية، والإفراط في التفاؤل قد ينسينا أن إيران تنتظر اللحظة المناسبة لاتفاق مع الولايات المتحدة
 

برزت مؤخراً قراءة متفائلة لواقع هيمنة إيران الإقليمية انطلقت من العراق، وتكليف مصطفى الكاظمي رئاسة الحكومة العراقية، وتأليفه الحكومة ونيلها الثقة بعد أشهر من التعطيل، ولم تتوقف في سوريا وما يحكى عن انسحاب إيراني نتيجة الضربات الإسرائيلية المتكررة على مواقع وجود قوات إيرانية وميليشيات تابعة لها، مروراً بلبنان وإعطاء حزب الله الإذن لحكومة حسان دياب بالاستعانة بصندوق النقد الدولي.
ففي العراق، رأى البعض أن عدم عرقلة إيران لتكليف الكاظمي ومن ثم تأليفه ونيله الثقة هو بداية لتراجع الدور الإيراني، فالكاظمي الآتي من خلفية صحافية، شغل رئاسة تحرير مجلة «الأسبوعية» ومن ثم كاتب عمود ومدير تحرير «قسم العراق» في موقع «المونيتور» الدولي، عُين على رأس جهاز المخابرات عام 2016، بعد تولي حيدر العبادي رئاسة الحكومة العراقية. الكاظمي الذي ينتمي الى جيل جديد من السياسيين العراقيين والآتي من خارج نادي القيادات الشيعية التقليدية التي سيطرت على مقاليد الحكم في العراق بعد الغزو الأميركي وسقوط نظام صدام حسين، يعتبر صديقا للغرب، ومقربا من الولايات المتحدة بحكم عمله الطويل مع المعارضة العراقية في العقد الأخير من القرن الماضي، ليبرالي، برغماتي، لا يشبه الشخصيات الشيعية القريبة من إيران. نجح بتشكيل حكومة تشبه تطلعاته وبرنامج العمل الذي أعلنه، فبعد أكثر من سبعة شهور على استقالة حكومة عادل عبد المهدي، وفشل كل من محمد توفيق علاوي وعدنان الزرفي في التأليف، نجح الكاظمي ونالت حكومته الثقة في مجلس النواب العراقي في السابع من الشهر الحالي.
منذ اليوم الأول لنيل حكومته الثقة، أخذ الكاظمي قرارات وصفها المراقبون بالشجاعة وغير المتوقعة في بلد يقع بالكامل تحت سيطرة إيران وميليشيات وأحزاب تابعة لها، فأصدر قرارات كالإفراج عن جميع الموقوفين على خلفية التظاهرات التي اندلعت بالعراق، والتعويض لضحايا الاحتجاجات والتحقيق في أعمال العنف التي رافقتها، كما أجرى تغييرات في القيادات الأمنية وعين أشخاصاً غير معروفين بالتعاون مع الميليشيات المدعومة من إيران، وكان قراره بإعادة الملازم عبد الوهاب الساعدي الذي أخرج من الخدمة من دائرة مكافحة الإرهاب في أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي أحد أبرز القرارات التي اتخذها الكاظمي بُعيد نيل حكومته الثقة.
جاء «اختفاء» صورة قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي من جانبي الطريق المؤدي إلى مطار بغداد، مكان اغتيالهما بغارة أميركية في مطلع العام الجاري، لتزيد من بريق صورة الكاظمي، وتمنحه هالة البطل الذي جاء لينقذ العراق من حكم الميليشيات وسيطرة إيران على مقدراته، علماً أنه لم يدع أنه وراء إزالة الصورة، ولا هي المرة الأولى التي تزال فيها هذه اللوحة منذ مقتل الرجلين.
وفي الواقع، محاولة إعطاء الرجل هذه الهالة قد تكون مضرة لمشروعه أكثر من كونها تمجيداً لأفعاله. فالعراق الذي يعاني من وضع اقتصادي ومعيشي شديد الصعوبة، والذي لم ينعم أهله بالأمان منذ سنوات طويلة، بسبب حروب صدام والحصار والعقوبات، ومن ثم الغزو الأميركي وما تلاه من مسلسل عمليات إرهابية طويل وصولاً إلى داعش، بحاجة إلى التقاط أنفاسه، وقد تبدو الأولويات اليوم بالنسبة للمواطن العراقي، كما الكاظمي، بعد اندلاع الاحتجاجات التي عمت العراق، في إيجاد حلول لأزمات معيشية، وتأمين الحد الأدنى من الأمن، ومحاربة ما يمكن محاربته من فساد أكل بنية الدولة، إضافة إلى جائحة كورونا المستجد، وملامح عودة داعش إلى العراق.
وقد تكون هذه أحد الأسباب التي جعلت من إيران تسهل، أو لا تعرقل تشكيل الكاظمي لحكومته ونيلها الثقة، فإيران أيضاً بحاجة لالتقاط أنفاسها، بعد اغتيال مهندس سيطرتها على الدول الإقليمية، قاسم سليماني، وضغط العقوبات المتزايد عليها، وعلى وقع الاحتجاجات في العراق وفِي إيران نفسها، والوجود الأميركي في العراق بين ما حكي عن مطالبة بانسحاب أميركي وعدم قانونية الطلب، ولكن مرحلة التقاط الأنفاس لا تعني أن إيران قبلت التراجع بهذه السهولة والتخلي عن العراق ومنحه استقلاليته، فلكل ذلك هامش تحدده إيران نفسها وفق ما تقتضيه مصلحة مشروعها أولاً المسمى «تصدير الثورة الإسلامية».
فمنذ سيطرة الخميني على الثورة الإيرانية، وقيام الجمهورية الإسلامية في إيران، منذ أكثر من 41 عاما، لم يتوقف الحلم الإيراني يوماً، ولا العمل الجدي لتحقيق الحلم بالسيطرة على شرق المتوسط تحت اسم «تصدير الثورة»، فهل يُعقل أن تتراجع عنه اليوم بسبب الضغوط؟ وخصوصا أن العراق هو المتنفس المالي لإيران في زمن العقوبات.
أطماع إيران ونواياها لا تتعارض مع نوايا الكاظمي بالإصلاح وتحسين أوضاع العراق والعراقيين، ولكن تحميله ما لا طاقة له به قد يتسبب في فشل مشروعه قبل أن ينطلق.
والأمر في سوريا لا يختلف من حيث النوايا الإيرانية، فإن كانت إيران وعلى وقع الضربات الإسرائيلية المستمرة على مواقعها في سوريا قد قبلت الانسحاب من بعض هذه المواقع، وبالتنسيق مع الروسي الذي يعيش هاجس قانون سيزر وفشل مشروعه ببدء إعادة الإعمار في سوريا، فهذا لا يعني أن إيران قبلت أن تسحب ميليشياتها وتنسحب عائدة إلى حدود جمهوريتها.
أما في لبنان، فالأمر بات بحاجة إلى ما يشبه المعجزة، فإضافة إلى سيطرة إيران على البلد من خلال ذراعها الأقدم والأقوى، أي حزب الله، يعيش البلد انقسامات يعود أغلبها لقصر نظر قياداته، وطموحاتهم الشخصية، ولانكفاء بعضهم الآخر تحت ذريعة السلم الأهلي، وغياب الدعم الحقيقي.
إيران التي كلفها مشروعها التوسعي الكثير الكثير، لن تتراجع عنه بعد أكثر من أربعين عاماً بسبب ضغوط شعبية أو اقتصادية، والإفراط في التفاؤل قد ينسينا أن إيران تنتظر اللحظة المناسبة لاتفاق مع الولايات المتحدة، وإن كانت الترجيحات أن هكذا اتفاق لن يتم قبل الانتخابات الأميركية المقبلة، إلا أن إيران لا تزال تمسك بخيوط اللعبة في المنطقة، وإن تبدلت أساليبها أحيانا، فهذا لا يعني أن استراتيجيتها قد تبدلت، وكما ذكر خامنئي قبل أيام، فإن بلاده «تخوض مواجهة سياسية، وفكرية، وحرباً ناعمة وصلبة في بعض الأحيان».
إن وقف مشروع إيران يحتاج إلى تنسيق وتحالف بين المتضررين من هيمنتها أولا، قبل أن يكون الرهان على الصدفة أو على مفاوضات الآخرين لتحقيق مصالحنا، وقبل أن تتحول حقوقنا إلى أحلام وأحلامنا إلى توقعات، تنسينا حقيقة الواقع الذي نعيشه.