من ذاكرة أيار السوري

* إن كانت مجزرة الحولة قد أحدثت صدمة على المستوى الدولي، فإن ما ينتظره السوريون أكثر بكثير؛ ينتظرون وطناً يليق بتضحياتهم، وطناً يعود إليه ملايين المهجرين والمشردين دون خوف من تكرار هذه المذابح والمآسي

حلت قبل أيام الذكرى الثامنة لمجزرة الحولة، في 25 مايو (أيار) 2012، وصادف هذا التاريخ أيضاً الذكرى التاسعة لاستشهاد الطفل حمزة الخطيب في سجون الأسد وتسليم جثمانه المقطع الأوصال والمشبع بآثار العنف والتعذيب لأهله.
قبل مجزرة الحولة بأيام، كانت أيضاً ذكرى مجزرة البيضا وراس النبع في بانياس.
يكاد لا يمر يوم في سوريا دون أن يكون ذكرى مجزرة أو جريمة ارتكبها نظام الأسد وقواته وميليشياته. 
المشترك بين المجزرتين، وجريمة قتل حمزة، هو كمية العنف الممارس ممن كان يدعي أنه رئيس البلاد، لم يكتف النظام بالقتل الجماعي، ولا بالإعدامات، بل أصر دوماً على انتهاج أسلوب وحشي يكاد يجزم المرء أنه غير مسبوق في التاريخ الحديث.
تعتبر مجزرة الحولة من أكثر المجازر وحشية بحق المدنيين، وقد أسفرت عن مقتل أكثر من 107 أشخاص، من بينهم 49 طفلاً دون العاشرة من العمر، و32 امرأة، وفقا لما وثقته الشبكة السورية لحقوق الإنسان، مشيرة إلى أن هذا ما نجحت في توثيقه.
تقول أم علاء، فوزية حسين الخلف، من أهالي مزرعة السد التابعة لبلدة الحولة في ريف حمص، وهي إحدى الناجيات من المجزرة، في معرض تسجيلها لشهادتها «اغتصبني اثنان منهم، ومن ثم اغتصبوا ابنتي سوسن 21 عاما أمام زوجي الذي كان يصرخ ويبكي قبل أن يطلقوا النار على رأسه، كنا 27 شخصاً في ذلك البيت لم يخرج منا سوى سبعة أحياء، كانوا يتفقدون الأطفال والنساء ومن بقي حياً كانوا يجهزون عليه بالسكين».
يومها استخدمت قوات النظام السكاكين لقتل الضحايا، كما استخدمت الاغتصاب وسيلة لإذلالهم قبل ذبحهم، كذلك فعلوا بعدها بعام في ريف بانياس.
في الصور التي وثقها قيصر، وقيصر هو الاسم المستعار لمصور منشق عن الشرطة العسكرية السورية، كانت مهمته تصوير ضحايا التعذيب في سجون الأسد، وثقت صور قيصر استشهاد آلاف الضحايا تحت التعذيب، كان بإمكان الأسد اتخاذ قرار بإعدامهم، لكنه ونظامه يرفضون إلا أن يمعنوا في ممارسة العنف الوحشي.
أشهر طويلة قضاها أهالي المعتقلين والمفقودين وهم يبحثون بين آلاف الصور، علهم يعرفون إن كان أبناؤهم أحياء أم أنهم قضوا نحبهم، وهل من عاقل يتحمل مشهد أم تبحث عن صورة وحيدها بين آلاف الصور لتعرف مصيره؟ كم مرة تخيلت أنواع التعذيب الذي تعرض له ابنها وهي تبحث وتبحث بين الصور؟
حمزة الخطيب طفل سوري خرج من بلدته الجيزة التابعة لمحافظة درعا مع آخرين لفك الحصار عن أهل درعا في بداية الثورة السورية، اعتقله حاجز للأمن السوري يوم 29 أبريل (نيسان) 2011 وتم تسليم جثمانه لأهله في 25 مايو (أيار) 2011، استشهد حمزة ابن الثلاثة عشر عاما تحت التعذيب، أشرف على تعذيبه من هو موكل في كل شرائع العالم بحمايته.
يقول البعض إن النظام أراد من خلال استخدام كل هذا العنف والعنف الطائفي تحديداً، إرغام الناس على حمل السلاح، أراد أن يحول معركته من نظام يقتل مدنيين وأطفالا إلى نظام يحارب متطرفين يحملون السلاح بوجه «الشرعية»، وقد يكون بعض من هذا الكلام حقيقة. ولكن كيف تفيد هذه الشروحات أهالي الضحايا، وكيف ينسى السوريون ما حصل قبل أعوام وهو مستمر لم يتوقف يوما؟ جاء في القرآن: «من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا»، فكيف بمن قتل أكثر من نصف مليون إنسان بغير حق؟ 
إن كانت مجزرة الحولة قد أحدثت صدمة على المستوى الدولي، فأدانت الدول الـ15 لمجلس الأمن بالإجماع الحكومة السورية، وقامت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأحد عشر دولة أخرى بطرد السفراء والدبلوماسيين السوريين من أراضيها. وإن كان قيصر ومن معه مشكورين قد نجحوا بتهريب صور ضحايا التعذيب خارج سوريا، ليحمل بعد سنوات قانون أميركي اسم قيصر، وليلاحق الأسد وكل من يدعمه بارتكابه كل هذه الجرائم، فهذا وإن حقق جزءا قليلا من العدالة إلا أن ما ينتظره السوريون أكثر بكثير، ينتظرون وطنا يليق بتضحياتهم، وطنا يعود إليه ملايين المهجرين والمشردين دون خوف من تكرار هذه المذابح والمآسي. ينتظرون دعما بمحاربة الإرهاب بجميع أشكاله، فسوريا خير مثال على أن للإرهاب أشكالا وأسماء متعددة، بعضها يأتي على شكل داعش والقاعدة، وبعضها الآخر يأتي على شكل طبيب درس في الغرب وأتى ليرث الحكم عن أبيه بعد مقتل أخيه في حادث سير.
تقول أم علاء في نهاية شهادتها عن مجزرة الحولة: 
لا أتمنى ما عشته لأحد، ولا أريد لأحد أن يرى جزءاً صغيراً منه، لم أكن لأصدق أن البشر يمكن أن ينحطوا إلى هذا الدرك من السفالة والحقد الطائفي والوحشية، سأروي قصتي دائماً منتظرة العدالة التي ستعيد لأبنائي الحياة، وسأحيي ذكرى المجزرة ما حييت... فلا يمكن للضحايا أن يتجاوزوا الذكرى.
ولن نزايد على أم علاء، لا أحد يريد الانتقام بل نريد العدالة، شيء بسيط من العدالة.
فهذه بعض من ذكرياتنا في شهر مايو (أيار) في سوريا الأسد، بعض قليل من ذكرياتنا.