«وست إند لندن» يواجه أزمة وجودية مع إظلام مسارحه

كيف تتعايش صناعة المسرح البريطانية مع «كوفيد-19»؟
* تمثل الجائحة تهديدًا للمواقع من أصغر المسارح المحلية وحتى «وست إند»في لندن، والتي تجذب السياح من جميع أنحاء العالم لمشاهدة مسرحيات غنائية مثل «الأسد الملك»،و«الشرير»و«ماما ميا!»
* هناك أيضًا مسألة تأمين المواقع؛ حيث اشترت مسارح لويد ويبر مئات من مقابض الأبواب بخاصية التعقيم الذاتي. كما تدرس الشركة قياس درجات الحرارة وتوفير معدات وقائية للعاملين وتشجيع الجمهور على ارتداء كمامات

لندن: تُعرض مسرحية أغاثا كريستي «مصيدة الفأر»، التي تدور أحداثها حول جريمة قتل غامضة، في عرض متواصل في لندن منذ عام 1952، مما جعلها ذات أطول فترة عرض مسرحي على مستوى العالم.
ولكن تسبب الإغلاق الناجم عن تفشي فيروس كورونا في تعليق عرض المسرحية الشهيرة في مارس (آذار)، إلى جانب المسرحيات الغنائية «البؤساء»- التي تعرض منذ عام 1985- و«شبح الأوبرا»من تأليف أندرو لويد ويبر- والتي تعرض منذ عام 1986.
وبينما تواجه بريطانيا قيودًا على التجمعات لمدة شهور، لا توجد أي احتمالات لقرب افتتاح «وست إند»(الطرف الغربي) في لندن قريبًا، حيث تواجه عروض المسرح الحية في أرض شيكسبير أزمة يخشى كثيرون في الصناعة أنها قد لا تتعافى منها قط.
عندما أطفئت الأنوار في نهاية عرض مسرحية شيكسبير «كوريولانوس»في مسرح كروسيبل بشيفيلد يوم 14 مارس، لم يكن الممثلون يعلمون أنها المرة الأخيرة. بعد يومين، أصدر رئيس الوزراء بوريس جونسون تعليماته للبريطانيين بتجنب الذهاب إلى المسارح.
وصرح روبرت هاستي المدير الفني لمسارح شيفيلد: «لقد توقف نموذج أعمالنا»،وأضاف: «خسرنا نحو 90 في المائة من الدخل، وهذا يضعنا أمام مشاكل تجارية هائلة».
لا تشير استراتيجية الحكومة المكونة من ستين صفحة لعودة بريطانيا إلى العمل مجددًا، والمنشورة يوم الاثنين الماضي، إلى إعادة فتح مسارح البلاد التي يزيد عددها على الألف.
وبينما تتخذ بريطانيا ما أطلق عليه جونسون «خطوات صغيرة»لإعادة النشاط إلى الاقتصاد، يجعل الفيروس من الصعب على المسارح استقبال الجمهور. فوفقًا لما صرح به رئيس الوزراء، تظل تعليمات التباعد الاجتماعي «قائمة»،حيث يجب أن يحافظ الأفراد على مسافة قدرها متران بين كل شخص وآخر في الأماكن العامة.
 
خطورة بالغة
تقول ريبيكا كين بورتون، الرئيس التنفيذي لمسارح لويد ويبر: «إذا استمر التباعد الاجتماعي، لن يمكن فتح المسارح: هذا هو الموضوع ببساطة».
إن عمل هذه الصناعة هو جمع أناس غرباء في قاعات مكتظة، في وجود ممثلين متقاربين على خشبة المسرح وطواقم مساعدة خلف الكواليس.
وتقول كين بورتون: «يمكن أن تبلغ تكلفة إنتاج مسرحية في (وست إند) ما بين خمسة إلى سبعة ملايين جنيه إسترليني قبل حتى أن تعرض على خشبة المسرح».وتضيف: «يتحلى منتجو المسرح بشجاعة هائلة لفعل ذلك في بيئة عادية. ولكن في ظل تطبيق التباعد الاجتماعي، لماذا يخاطر المرء رغم عدم وجود احتمالات تحقيق إيرادات تعادل المصروفات، ناهيك عن أي أرباح؟».
تمثل الجائحة تهديدًا للمواقع من أصغر المسارح المحلية وحتى «وست إند»في لندن، والتي تجذب السياح من جميع أنحاء العالم لمشاهدة مسرحيات غنائية مثل «الأسد الملك»،و«الشرير»،و«ماما ميا!». وبحسب ما ذكرته كين بورتون، تحتاج المسارح الغنائية إلى امتلاء مقاعدها بنسبة من 60 إلى 70 في المائة كي تغطي نفقاتها.
لقد وقع ضحايا بالفعل. أوقف مركز أرتريكس للفنون في برومزغروف نشاطه التجاري في أبريل (نيسان). ووُضعت مسارح نوفيلد ساوثامبتون تحت إدارة قضائية في السادس من مايو (أيار). ويعاني مسرح «فيك القديم»، أحد أعرق مسارح لندن، من وضع مالي «شديد الخطورة»على حد قول مديره الفني ماثيو وركس لصحيفة «الغارديان».
وقال جوليان بيرد الرئيس التنفيذي لمسرح المملكة المتحدة: «مع الدخول في شهور يونيو (حزيران)، ويوليو (تموز)، وأغسطس (آب)، وحتى سبتمبر (أيلول)، سوف تواجه المسارح مشكلات في تدفق الأموال».
وأضاف أن الصناعة سوف تحتاج إلى مساعدة الحكومة، ليس لأجل الممثلين والمسارح فحسب، بل من أجل «نظامها ككل»، بما فيه الوكلاء وفنيّو الإضاءة والصوت ومصممو المشاهد والملابس والشعر المستعار.
وقد ساهمت الفنون المسرحية والعمل الإبداعي المتصل بها بمبلغ 9.9 مليار جنيه إسترليني في الاقتصاد البريطاني العام الماضي، وفقًا لمكتب الإحصاءات الوطنية.
وفي الأسبوع الماضي، كتب 245 موسيقياً من 30 عرضاً مسرحياً في «وست إند»ومن فرق أوركسترالية كبرى رسالة إلى أعضاء البرلمان لتحذيرهم من أن الفنون المسرحية مهددة بـ«الفناء».
وذكروا في رسالتهم: «ستكون (الفنون) ذات أهمية، ليس في مساعدة بلادنا على الوقوف على قدميها مجددًا فحسب، ولكن في تذكيرنا بما من المفترض أن تكون الحياة عليه».

 




ملصق إعلاني للممثل أنديل غومبي في شخصية سيمبا من مسرحية «الأسد الملك»على باب كشك هاتف عمومي في لندن، من إنتاج ديزني (غيتي)
 

 


 
تخفيضات ضريبية
يتوفر بعض الدعم. فقد قدمت الحكومة تخفيضات ضريبية ومنحاً وبرامج تسدد بها الدولة رواتب الموظفين الذين تم تسريحهم مؤقتًا، حتى أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وأعلن مجلس الفنون بإنجلترا تخصيص صندوق طوارئ بقيمة 160 مليون جنيه إسترليني.
كما أعلنت وزارة الثقافة في بيان: «نعمل مع قطاعي الإبداع والثقافة على التخطيط من أجل المستقبل، ونتفهم تحدياتهم وننظر في الوسائل المختلفة لضمان سلامة العمل».وأضاف البيان: «بمجرد أن يصبح الوضع آمنًا، سوف نشجع الجميع على زيارة مواقع الترفيه البريطانية النابضة بالحياة».
ولكن تغفل برامج الدعم الكثير من العاملين المستقلين في الصناعة، ولا يقترب التمويل حتى الآن من تعويض الإيرادات، حيث جنت المسارح البريطانية 1.3 مليار جنيه إسترليني عام 2018، إذ وصل إجمالي عدد الجمهور إلى أكثر من 34 مليون شخص. وفي العام الماضي، جنت مسارح «وست إند»وحدها 800 مليون جنيه إسترليني.
وحتى إن سُمح للمسارح بإعادة الفتح، فسوف تواجه صعوبات لوجيستية كبيرة. فقد قالت كين بورتون إن العروض المستمرة منذ فترة طويلة ربما تحتاج إلى فريق عمل جديد بالإضافة إلى حملات تسويق جديدة لزيادة مبيعات التذاكر. وسوف تحتاج المسارح التي ليس لديها عروض إلى شهور لإجراء تجارب الأداء والتدريبات، إلى جانب بناء المشاهد وتجهيز الملابس.
وهناك أيضًا مسألة تأمين المواقع، حيث اشترت مسارح لويد ويبر مئات من مقابض الأبواب بخاصية التعقيم الذاتي. كما تدرس الشركة قياس درجات الحرارة وتوفير معدات وقائية للعاملين وتشجيع الجمهور على ارتداء كمامات. قد تتضمن إجراءات أخرى تنظيفاً عميقاً وأنظمة ذات اتجاه واحد لسير الجمهور داخل المباني.
وقد صرح غايلز واتلينغ، عضو البرلمان عن حزب المحافظين، والذي قضى 55 عامًا في مجال الفن، بأنه طالب وزير الخزانة ريشي سوناك بضمان عدم وضع الفنون في «نهاية الصف»كما يحدث لها «في أغلب الأحيان». وأكد على أهمية حماية المسارح المحلية التي تغذي «وست إند»في لندن، مضيفًا أن الصناعة «جزء حيوي مما نقدمه للعالم».
وقال واتلينغ في لقاء: «إنها أفضل ما نجيده، وتروج لصورة بريطانيا في العالم.. بداية من شيكسبير وآخرين بعده، نحن نقود العالم في هذا المجال، وإذا خسرناه، فسوف نخسر شيئًا ذا قيمة هائلة».
وفي شيفيلد، قال هاستي إن أكبر ما يهمنا هو ما يحدث في نهاية العام، إذ عادة ما يحقق البرنامج التقليدي للعروض الصامتة والموسيقية في العطلات قدرًا كبيرًا من الدخل السنوي. 
وأوضح: «أكبر خوف يشعر به الجميع هو هل سنعمل في الكريسماس؟».وأضاف: «إذا لم نستطع العمل في الكريسماس، فسوف تبدو الأمور أكثر قتامة».
* نشر الموضوع في الأصل في «بلومبرغ نيوز».