قانون «قيصر»

يترقبه النظام السوري و يحاصر «حزب الله».. ويضع الحكومة اللبنانية في مأزق
* مع اقتراب تطبيق هذا القانون لا يمكن للبنان أن يكون بمنأى عنه، خاصة أن البلد الجار لسوريا يعيش أزمة اقتصادية غير مسبوقة، ما يدفع بيروت لتتطلع بقلق إلى ما ينتظرها
* ماذا ينتظر اللبنانيون مع اقتراب دخول قانون قيصر حيز التنفيذ؟
* سليم: عرض قانون قيصر في جلسة لمجلس الوزراء رسالة إلى المجتمع الدولي جزء من النفاق ومحاولة التسلل بين الخطوط والقيود
* سعد: حزب الله قادر على التكيف مع مراحل العقوبات، لكن عندما تصدر لائحة الأسماء هناك يكون البكاء واصطكاك الأسنان

بيروت: يحبس النظام السوري وحلفاؤه أنفاسهم بانتظار تشريع أميركي يدخل حيز التنفيذ منتصف شهر يونيو (حزيران) الجاري، يفرض عقوبات إضافية على نظام بشار الأسد وداعميه والمتعاملين معه سواء كانوا سوريين أم أجانب.
ومع اقتراب تطبيق هذا القانون لا يمكن للبنان أن يكون بمنأى عنه، خاصة أن البلد الجار لسوريا يعيش أزمة اقتصادية غير مسبوقة، ما يدفع بيروت لتتطلع بقلق إلى ما ينتظرها مع دخول قانون «قيصر»حيّز التنفيذ في السابع عشر من يونيو (حزيران) الحالي، لا سيما مع وجود قوات لحزب الله داخل سوريا.
يمكن القول إن ثمة مخاوف لبنانية كبيرة من تداعيات قانون قيصر، الذي يبدو أقسى من سوابقه، ‏ما يضع مجمل الوضع الاقتصادي المنهك أصلا في لبنان تحت دائرة خطر مستجد، ‏ويضع الحكومة أمام مسؤوليات مالية كبيرة بحال حاولت التملّص منه، أو اختراقه ‏والتوجه شرقا. وهو ما لا يمكن فصله عن سياق الضغط السياسي الذي تمارسه الولايات المتحدة الأميركية على لبنان، ويشهد اللبنانيون تداعياته الاقتصادية بشكل جليّ. ولعلّه ما يفسّر اتخاذ «قيصر»حيزًا واسعًا من نقاشات الساسة اللبنانيين. إذ من المتوقع أن يقضّ هذا القانون مضاجع كثيرين في لبنان، أولهم حزب الله وحلفاؤه وكذلك أركان السلطة وصولاً إلى اللبنانيين عموماً إذا ما تعاملوا مع النظام السوري بشكل مباشر أو غير مباشر. خصوصاً أن هناك شركات كثيرة وقوى سياسية متعددة كانت قد استعجلت الذهاب إلى سوريا، وحجز مواقع لها في إعادة الإعمار، على قاعدة أن النظام انتصر وحان وقت الإعمار.

 




قانون قيصر يضع النظام السوري ومن يتعاون معه في خانة الضغط ويجبرهم على الرضوخ، ويدفع داعميه إلى التراجع

 


 
«قيصر»على طاولة مجلس الوزراء
وفي وقت يقع على عاتق حكومة حسان دياب مهمة في غاية التعقيد، تتمثل بإخراج لبنان من الأزمة الاقتصادية التي تعتبر الأسوأ على الإطلاق مع شح في السيولة والنقد الأجنبي وشلل في المصارف وشروط قاسية للإفراج عن منح وقروض بمليارات الدولارات، وبانتظار نتائج المفاوضات مع صندوق النقد الدولي كان لافتا لا بل مثيرا للدهشة أن يعرض قانون قيصر على طاولة هذه الحكومة التي وصفت بـ«حكومة حزب الله والنظام السوري»منذ تشكيلها. إذ قامت وزيرة الدفاع اللبنانية، زينة عكر، المحسوبة على حزب «السوري القومي الاجتماعي»بتوزيع نسخة مترجمة من القانون على الوزراء في 29 مايو (أيار) الفائت، طالبة من الوزراء الاطلاع على القانون باعتبار أنه يمس لبنان بشكل مباشر. اما المفاجأة فكانت الهجوم الشرس الذي شُنّ على حكومة حسان دياب من قبل صحيفة «الأخبار»المقربة من حزب الله.
واتهمت الصحيفة المقربة من حزب الله، رئيس الوزراء، حسان دياب، بتبني «قيصر»والموافقة على كل ما «يمليه عليه دفتر الشروط الدولي»، بما فيها هروب آمر سجن الخيام السابق، عامر الفاخوري، الذي يواجه تهمًا قضائية بالتعامل مع الاحتلال الإسرائيلي.
كما اتهمت الصحيفة الحكومة الحالية بالتوجه نحو محاصرة النظام السوري والامتثال لأوامر واشنطن.
وقالت الصحيفة، إن دياب وعكر اتفقا مسبقًا على عرض القانون على المجلس ليتحول إلى «مادة قانونية»، رغم أن هذا القانون، وفقًا للصحيفة، يسعى لمحاصرة لبنان.
مع العلم أن المكتب الإعلامي في رئاسة مجلس الوزراء، نفى خبر تبني الحكومة قانون قيصر للعقوبات الأميركية، مشيرا إلى أن «الحقيقة أن الحكومة بصدد دراسة تأثير هذا القانون على لبنان، والهوامش التي يمكن للحكومة العمل فيها من دون حصول ارتدادات سلبية على البلد، ولم يحصل أي التزام أو نقاش أو تبنّ لهذا القانون في جلسة مجلس الوزراء».
وهو ما استدعى طرح علامات استفهام كبيرة حول عرض هذا القانون في مجلس الوزراء من جهة والهجوم الشرس على الحكومة من الراعي الأساسي لها من جهة ثانية. إذ اتهمت الحكومة اللبنانية ومن خلفها بالتحايل على المجتمع الدولي ومحاولة التمايز عن دائرة حزب الله والمحور الإيراني، خصوصا أن الحكومة اللبنانية تأمل في إقناع المجتمع الدولي بتقديم مساعدات مالية، أبرزها 11 مليار دولار أقرها مؤتمر سيدر في العام 2018. علما بأن لبنان يحتاج حاليًا إلى أكثر من 80 مليار دولار للخروج من الأزمة والنهوض بالاقتصاد، من بينها مبلغ يتراوح بين 10 و15 مليار دولار على شكل دعم خارجي خلال السنوات الخمس المقبلة، وذلك بحسب تقديرات الحكومة التي وردت في خطتها الإصلاحية.

 




المحلل السياسي لقمان سليم

وبالنسبة لتأثيرات قانون قيصر، قال الكاتب والمحلل السياسي لقمان سليم، لـ«المجلة»، إنه «مثله مثل أي أداة قانونية تشرّعها الولايات المتحدة الأميركية، يمكن التوسّع باستخدامها أو التضييق باستخدامها وفقا للقرار السياسي المتخذ، وليس بالضرورة أن يخضع لاعتبارات أمنية»، مشيرا إلى أن «قانون قيصر مثله مثل قانون «ماغنيتسكي»الذي له علاقة بالفساد، وقانون مكافحة تمويل حزب الله، وهي في النهاية أدوات بيد صانع القرار الذي يقرر القبض أو البسط في استعمالها»، مضيفا أن «القانون يمكن استخدامه  لكل خصم بطريقة مختلفة، طرف لمعاقبته، وطرف آخر لشلّه وآخر لتوجيه إنذار له».
وعن مدى تأثير القانون على لبنان، أشار سليم إلى أنه «يمكن لأي شخص مجرد أن يعبُر الحدود اللبنانية– السورية ويدفع ضريبة مرور للنظام أن يتأثر، لكن العبرة ليست في نص القانون وانما في التوسع أو التضييق في تنفيذه.
أما فيما يتعلّق بعرض القانون على الحكومة، فقد قال سليم إن «هذا الأمر كان لافتاً جداً، لا سيما أننا لم نشهد في حكومات سابقة أن يوضع بيد الوزراء نصوص تشريعية أميركية تخص لبنان وبشكل أساسي قانون تمويل حزب الله بنسخه المتعددة»، لافتا إلى أنه«من الواضح أن هذه رسالة من الحكومة اللبنانية أننا نستمع إلى ما يقوله المجتمع الدولي»، وتابع: «لكن بالظرف الذي نحن فيه من الواضح أنه جزء من النفاق ومحاولة التسلل بين الخطوط والقيود لأننا نعلم جميعا الواقع اللبناني، فجميع الوزراء ومجلس النواب ورئاسة الجمهورية بكفة وفي النهاية حزب الله وأمينه العام بكفة ثانية».
كما أشار سليم إلى أن «الأمر المهم بقانون قيصر أن ثمة محاولات لتسويقه لبنانيا على أنه قانون لتجويع الشعب السوري، وبأنه ليس قانونا موجّها ضد النظام السوري، وهذا هو النفاق الكبير».
وعن ربط الأزمة بين حزب الله، والتيار الوطني الحر، الحاصلة مؤخرا بمحاولة الاحتيال على المجتمع الدولي، رأى سليم أنه لا يجب المبالغة، مشيراً إلى أن «الأمر المهم هو أن التيار الحر اكتشف متأخرا أن رهانه على محور إيران هو رهان فاشل، لكنه في الوقت نفسه لا يعلم كيف يتنصل من كل الالتزامات التي قدمها لهذا المحور، ومن هنا يضرب ضربة على الحافر وضربة على المسمار لأن التيار الحر ضائع كمثل ضياع حزب الله وكل مكونات هذا المحور».
وعن مدى قدرة المحور الإيراني الاستمرار في المعركة، قال سليم إن «هذه الأنظمة لديها قدرة لا متناهية على تجويع شعبها، أمّا أن تستمر بالتلويح بأعلام القوّة فهذا كله يندثر، وخير دليل على ذلك ما يحاول بوتين فرضه على سوريا، فبمقدار ما يتسّع الدور الروسي بمقدار ما يتضاءل وينكمش الدور الإيراني والواضح أن إيران قادرة على تجويع شعبها، لكنها لم تعد قادرة على تحقيق أحلامها الإمبراطورية».

 




بمقدار ما يتسع الدور الروسي بمقدار ما يتضاءل وينكمش الدور الإيراني، والواضح أن إيران قادرة على تجويع شعبها، لكنها لم تعد قادرة على تحقيق أحلامها الإمبراطورية

 


 
عقوبات أميركية جديدة
ويأتي قانون قيصر في ظل التحذيرات الأميركية الجديدة للبنان، إذ أعلنت السفيرة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا، عن وجود سلة أخرى من العقوبات التي ستطال المتورّطين بالفساد، ولكن هذه العقوبات لا تحرم لبنان من التجارة والاستثمار، لأن الأساس هو أن هذه العقوبات لا تتيح للجهات المخرّبة بالتسلّل إلى النظام المالي.
وأشارت إلى أن العقوبات تستهدف حزب الله، وقد تشمل أيضاً أولئك الذين يساعدون حزب الله ويدعمونه، كذلك ستكون هناك فئة جديدة من العقوبات التي ستدخل حيّز التنفيذ في الأول من يونيو (حزيران) وستطال قتلة المدنيين في سوريا.
وفي حديث تلفزيوني شدّدت شيا على «وجوب اتخاذ إجراءات ملموسة لتنفيذ الإصلاحات التي وعدت بها»، مؤكدة أن «الولايات المتحدة لا تزال تراقب تمهيداً لتقييم أداء حكومة حسان دياب التي أبدت رغبة جدية في محاربة الفساد»،كما قالت.

 




مثله مثل أي أداة قانونية تشرّعها الولايات المتحدة الأميركية، يمكن التوسّع باستخدامها أو التضييق باستخدامها وفقا للقرار السياسي المتخذ، وليس بالضرورة أن يخضع لاعتبارات أمنية

 


 
نصر الله وتطبيع العلاقات مع النظام السوري
وفي وقت يضع فيه قانون قيصر وهو الأقسى، النظام السوري ومن يتعاون معه في خانة الضغط وإجبارهم على الرضوخ، ودفع داعميه إلى التراجع، كان الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، قبل أسابيع، يؤكّد على ضرورة تطبيع العلاقات الرسمية بين بيروت ودمشق، وإعادة ترتيب العلاقات بين البلدين، منتقدا خطوة الذهاب إلى صندوق النقد الدولي بتصوير أن سوريا هي الخلاص للبنان. وبينما تشير الوقائع إلى أن «حزب الله»سيواجه مزيداً من الضغوط على الساحة اللبنانية، ومعه سيعيش حلفاؤه قلقاً مريعاً من أن تطالهم «العصا»الأميركية، ماذا ينتظر اللبنانيون مع اقتراب قانون قيصر؟

 




الخبير في القانون الدولي أنطوان سعد

 

في هذا السياق، قال الخبير في القانون الدولي أنطوان سعد لـ«المجلة»إن «قانون قيصر هو ترجمة للقرارات التي اتخذت في السابق منذ عهد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش حتى يومنا هذا، وقانون محاسبة حزب الله الذي صنفه القانون منظمة إرهابية في المرحلة الأولى ومن ثم منظمة إجرامية لما يقوم به من أفعال ضد القانون لتمويل إرهابه، وحوكم ما يربو عن ألف شخص لغاية اليوم من مختلف الديانات والطوائف يعملون في الولايات المتحدة الأميركية ويجندهم حزب الله للضلوع بالاتجار غير المشروع في العديد من القضايا حتى الالكترونية».
وبالنسبة للقانون الأخير، رأى سعد أنه نتيجة هذا التراكم، باعتبار أن «حزب الله يستحصل على الأموال من خلال شخصيات مسيحية أو مسؤولين لبنانيين، وعلى سبيل المثال لا الحصر النائب عصام صوايا الذي فاز بالانتخابات النيابية عام 2009 وبقي في الولايات المتحدة، إذ منع من القدوم الى لبنان حيث ثبت أنه يمول حزب الله، إضافة الى جوزيف الأسمر، المحامي اللبناني الذي كان يعمل لدى مكتب النائب الحالي للتيار الوطني الحر، المحامي زياد أسود، وقد سجن أربع سنوات في فرنسا لهذه الغاية»، وتابع: «هذه العمليات وأشكال التعاون لصالح حزب الله لا تزال موجودة، لذا كان من الضروري أن يصدر قانون قيصر الذي يمنع تزويد الحزب بالأموال من خلال التمويه بأشخاص غير موجودين في الهرمية الحزبية لديه».
وعن محاولات الحكومة خداع المجتمع الدولي عبر الإيحاء بتبني قانون قيصر، قال سعد إن «كل هذه المحاولات لن تنطلي على المجتمع الدولي، فجميع الدول الشريكة في صندوق النقد حريصة على استرداد أموالها مجددا بعد إقراضها والمحافظة على مصالحها، وبالتالي في ظل الغرق المالي الذي يعيشه لبنان صندوق النقد لن يقبل سوى القيام بمصالحه وضمن شروطه، ومن بينها شرط لا يقل أهمية عن إغلاق الحدود البرية مع سوريا ما يعني انتهاء حزب الله وأن كل قتاله في سوريا ذهب سدى، باعتبار أنه قاتل لتبقى سوريا همزة الوصل الجغرافية بين لبنان والعراق وإيران».
وفي الختام، شدّد سعد على أنه «لا شك في أن حزب الله قادر في كل مرحلة على التكيف مع مرحلة العقوبات واللجوء إلى أسلوب آخر للتمويه، لكن عندما تصدر لائحة الأسماء هناك يكون البكاء واصطكاك الأسنان».