هونغ كونغ ... ساحة جديدة للحرب الباردة الأميركية- الصينية

60% من الاستثمارات الأجنبية في الصين تمر عبرها
* إقدام الصين على خطوة إقرار قانون الأمن القومي المتعلق بـ(هونغ كونغ) في هذا التوقيت محاولة صينية للفت الانتباه بعيداً عن الأزمة الراهنة من الاتهامات الأميركية بالمسؤولية عن تفشي فيروس كورونا المستجد
* تشريع الأمن القومي يفتح الباب مجدداً للنظر في طبيعة علاقة هونغ كونغ بالدولة الأم الصين، ومسارها المستقبلي في ظل دورية الاحتجاجات والمظاهرات التي تندلع بين الحين والآخر
* ما الأهمية الراهنة لمدينة هونغ كونغ لدى الصين؟ ولماذا تقدم الصين على المبادرات التشريعية التي تساعدها في فرض سيطرتها على المدينة؟ ولماذا تتراجع عن مثل هذه المبادرات أمام الضغوط التي يمارسها شعب هونغ كونغ؟
* هونغ كونغ مركز مالي عالمي يسهم في تدويل عملة الصين الرنمينبي في الخارج
* ثمة سياسة ممتدة تقوم فيها الصين بطرح تشريع يستهدف فرض قيود على الحريات داخل هونغ كونغ كخطوة أولية تمكنها من بسط هيمنتها على المدينة
* يرى البعض أن الخطوة الصينية هي قفزة للأمام ولكنها طبقاً لردود الفعل المتوقعة من شعب هونغ كونغ وكذلك من الدول الأوروبية، تعد خطوة تحمل في طياتها بعض المخاطر في ظل الأزمة الراهنة

 

باكو: بين الحين والآخر تشهد مدينة هونغ كونغ الصينية توترات ومظاهرات واحتجاجات تتسم بالعنف والقوة في مواجهة التمددات الصينية التي تستخدم السلاح التشريعي لإخضاع المدينة لسيطرتها الفعلية، مع الاحتفاظ باستقلاليتها الشكلية، يدلل على ذلك ما جرى مؤخرا مع إقرار البرلمان الصيني لتشريع الأمن القومي الذي يعني السماح لأجهزة الأمن الصينية بالعمل علناً في هونغ كونغ، وقد قوبل هذا التشريع برفض واسع النطاق من جانب أغلبية سكان المدينة، دفاعا عن استحقاقاتهم وحرياتهم التي اكتسبوها على مدار العقود الماضية، حتى ما بعد العودة إلى الصين عام 1997، إذ تستهدف الصين من ذلك  إخضاع المدينة لهيمنتها وسيطرتها، من خلال إعادة رسم علاقتها مع المدينة بتغيير القاعدة الحاكمة من دولة واحدة ونظامين إلى دولة واحدة ونظام واحد. 
ومن نافلة القول إن إقرار البرلمان الصيني لتشريع الأمن القومي يفتح الباب مجددا للنظر في طبيعة علاقة هونغ كونغ بالدولة الأم الصين، ومسارها المستقبلي في ظل دورية الاحتجاجات والتظاهرات التي تندلع بين الحين والآخر مع كل خطوة تشريعية تقدم عليها الصين، حيث يثار كثير من التساؤلات، من أبرزها: ما الأهمية الراهنة لمدينة هونغ كونغ لدى الصين؟ ولماذا تقدم الصين على المبادرات التشريعية التي تساعدها في فرض سيطرتها على المدينة؟ ولماذا تتراجع عن مثل هذه المبادرات أمام الضغوط التي يمارسها شعب هونغ كونغ؟ وما هي مخاطر إقدام الصين على استخدام الأداة التشريعية لفرض سيطرتها على المدينة؟ وما هو رد الفعل الغربي بوجه عام والأميركي على وجه الخصوص تجاه السياسة التشريعية الصينية حيال تلك المدينة؟ 
وفي إطار الإجابة على هذه التساؤلات، يستعرض التقرير وضعية المدينة في إطار الواقع الراهن وتشابكية علاقتها داخليا وخارجيا، وذلك من خلال المحاور الآتية: 

 




ملصقات مثبتة على الطريق خارج مجمع حكومة هونغ كونغ
 
شهدت المدينة احتجاجات مطالبة بالديمقراطية شابها العنف، كانت قد اندلعت في البداية اعتراضاً على مشروع قانون يتعلق بترحيل المتهمين إلى بكين (غيتي)

 


 
أولا: هونغ كونغ... منطقة إدارية خاصة لا تزال ذات أهمية للصين 
منذ أواخر تسعينات القرن المنصرم، وتحديدا عام 1997، شهدت مدينة هونغ كونغ المقدرة مساحتها بحوالي 428 ميلا مربعا، تحولا دراماتيكيا في وضعها القانوني، إذ تخلت بريطانيا رسميا عن منطقة هونغ كونغ(Hong Kong)لصالح الصين، وذلك خلال مراسم رسمية حضرها الكثير من كبار الشخصيات البريطانية والصينية، وبموجب ذلك، أنهت بريطانيا فترة هيمنتها على المدينة والتي استمرت نحو 99 عاماً بمقتضى الاتفاقية الموقعة مع السلطات الصينية عام 1898، وذلك في أعقاب الهزيمة الصينية في الحرب اليابانية الصينية ما بين عامي 1894 و1895، حيث تسابقت القوى الأوروبية لضمان مصالحها بالمنطقة من خلال توقيعها لاتفاقيات مع الصين تمكنهم من السيطرة على أجزاء مهمة من جسد الدولة الصينية. مع الأخذ في الاعتبار أن اتفاقية عام 1898 بشأن هونغ كونغ لم تكن الأولى بين الصين وبريطانيا بشأن تلك المدينة، إذ سبق وأن أفضت ما عرف في تاريخ العلاقات الدولية بحرب الأفيون الأولى، أفضت إلى توقيع عدد من الاتفاقيات غير المتكافئة بين البلدين، منها اتفاقية تشونبي (Convention of Chuenpi) سنة 1841، التي تخلت الصين بمقتضاها عن جزيرة هونغ كونغ لصالح البريطانيين، فضلا عن حصولها كذلك على الأراضي الواقعة جنوب ما يعرف بالشارع الحدودي والذي يضم أساسا شبه جزيرة كولون (Kowloon Peninsula) وذلك بمقتضى الاتفاقية الموقعة بينهما عام 1860. 
وقد ظلت الأوضاع على ما هى عليه حتى عام 1941، حينما وقعت هونغ كونغ في قبضة اليابانيين أثناء الحرب العالمية الثانية، ورفض رئيس الوزراء البريطاني آنذاك ونستون تشرشل لاحقا طلبا أميركيا بإعادة هونغ كونغ للصين لمكافأتها على دورها في مواجهة اليابانيين أثناء سنوات الحرب، لتستمر المدينة تحت السيطرة البريطانية ما بعد الحرب وحتى منتصف ثمانينات القرن المنصرم حينما ناقشت رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر(Margaret Thatcher)  مصير هونغ كونغ مع رئيس الوزراء الصيني جاو زييانغ ((Zhao Ziyangعام 1984، لتبدأ المفاوضات وصولا إلى الموافقة البريطانية على إعادة الأقاليم الواقعة تحت سيطرتها إلى الصين حال انتهاء عقد التأجير عام 1997، في مقابل احتفاظ هذه المناطق بجانب من الاستقلالية، كنظام رأسمالي وفتح الموانئ مجانا أمام التجارة العالمية لمدة 50 عاما، أي حتى عام 2047م. وقد تم بالفعل خلال الليلة الفاصلة بين يومي 30 يونيو (حزيران) وأول يوليو (تموز) 1997، انتهاء عقد تأجير المنطقة للبريطانيين لتعود بذلك هونغ كونغ مرة ثانية للصين، محتفظة باستقلاليتها كمنطقة إدارية خاصة SAR، تتبع جمهورية الصين فيما يتعلق بمسائل الشؤون الخارجية والدفاع. إلا أنها أضحت مركزا ماليا عالميا يوازي لندن ونيويورك، وذلك بمقتضى الاتفاقات التي وقعتها المدينة مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، حيث أدت هذه الاتفاقات إلى ضمان التنقل المتبادل دون تأشيرات، مع ربط العملة بالدولار الأميركي وحيازة رابع أكبر بورصة في العالم، إضافة إلى قوانين تسهل الأعمال التجارية والحمايات الضريبية والقانونية، ليؤدي كل ذلك إلى ازدهار المدينة ودوران عجلة التجارة، إذ يقدر عدد المقرات الرئيسية للشركات الأميركية الموجودة في المدينة بنحو 300 شركة إلى جانب حوالي 434 مكتبا إقليميا لشركات أميركية.
ومن هذا المنطلق حظيت هذه المنطقة بأهمية خاصة لدى الإدارة الصينية التي رأت أن ثمة مصالح عدة يمكن أن تجنيها من التزامها بما تم الاتفاق عليه، وهو ما يمكن إجماله في بعدين: 

 




متظاهرون يواجهون الشرطة خلال مسيرة ضد اقتراح قانون تسليم المجرمين المثير للجدل خارج مقر الحكومة في هونغ كونغ (غيتي)

  • الأول اقتصادي، إذ إنه منذ أن بدأت الصين إصلاحاتها الاقتصادية ما بعد ماو في أواخر سبعينات القرن الماضي برزت أهمية مدينة هونغ كونغ، فبمقتضى اتفاقية الشراكة الاقتصادية الأوثق الموقعة بينهما، تعززت علاقتهما في مجال الاستثمارات والتجارة الدولية، حيث لعبت المدينة دورا أساسيا بصفتها بوابة البلد الاقتصادية، سواء بالنسبة لتسويق السلع الصينية أو جذب الاستثمارات الأجنبية. صحيح أن الصين سمحت لمدن أخرى بتلقي الاستثمارات الأجنبية (مقاطعة غوانغدونغ، مقاطعة فوجيان، مدينة جوانجزو، تيانجين، شنغهاي)، وصحيح كذلك أن نسبة اقتصاد هونغ كونغ إلى الاقتصاد الصيني تراجعت من 18.4 في المائة عام 1997، لتسجل نحو 2.7 في المائة اليوم بسبب ضخامة الاقتصاد الصيني وليس بسبب تراجع اقتصاد المدينة، إلا أن المدينة لم تفقد أهميتها كمركز مالي عالمي يسهم في تدويل عملة الصين الرنمينبي في الخارج، حيث إن نحو نصف الاكتتابات الصينية عام 2019 كانت في هونغ كونغ (ما يقدر بأكثر من 35 مليار دولار). إضافة إلى مرور أكثر من 60 في المائة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الصين عبر المدينة، فضلا عن أهمية هذه المدينة كمنطقة جذب سياحى. 
  • الثاني سياسي، إذ إنه منذ عودة المدينة إلى الصين أصبحت تقدم نموذجاً مهماً في مشروع الوحدة الوطنية الصينية، حيث قدمت اتفاقية العودة لعام 1997 نموذجاً مطمئناً يمكن أن تحتذي به مناطق أخرى ويقصد بها تحديدا تايوان، فبموجب الاتفاقية تم تطبيق سياسة «دولة واحدة ونظامان»، وتعني احتفاظ هونغ كونغ بعملتها الخاصة وباقتصاد السوق وبنظامها القضائي وقانونها الاستثماري المختلف عن القوانين الصينية. كما يتمتع شعب هونغ كونغ بالحريات التي لا يتمتع بها المواطنون في باقي أنحاء الدولة الصينية. وقد حاولت بكين الوفاء بالتزاماتها مع المدينة كنموذج يمكنها من النجاح في إبرام صفقة أفضل مع تايوان، تتبع بمقتضاها نفس السياسة«بلد واحد ونظامان»مع مستوى أعلى من الحكم الذاتي بما فيها السماح لتايوان بالاحتفاظ بقواتها المسلحة الخاصة.




متظاهر يحمل لافتة تقول «اجعلوا هونغ كونغ عظيمة من جديد» (غيتي)
 

 


 

ثانياً: التشريعات... سياسة صينية مستمرة لإخضاع هونغ كونغ 
رغم ما تمثله مدينة هونغ كونغ وفقا لوضعيتها الراهنة من أهمية اقتصادية وسياسية للدولة الأم بما يجعل من المنطق بل والعقلانية أن تعمل بكين دوما للحفاظ على استقرار الأوضاع في تلك المدينة حتى لا يقال إنه بعد 150 عامًا من الإدارة البريطانية التي نجحت في إنشاء مدينة حديثة وحيوية تتمتع باقتصاد صلب، فشلت الحكومة الصينية في الحفاظ على ما حققته المدينة، إلا أن الواقع أكد على صحة هذه المقولة، فالمدقق فيما انتهجته الصين حيال تلك المدينة منذ عودتها أجج كثيرا من أوضاعها، بسب محاولات بكين المستمرة للتدخل في شؤون المدينة اقتصاديا وسياسيا عبر حكومة الإقليم الموالية لها، مستخدمة في ذلك التشريعات لإعادة ضبط شؤون المدينة وأوضاعها بما يتفق مع التوجهات الصينية، فقد تكررت المحاولات المستمرة لإصدار تشريعات سواء عبر برلمان المدينة أو البرلمان الوطني الصيني تستهدف بسط سيطرة الدولة الأم وتحكمها في شؤون المدينة، منها ما جرى على سبيل المثال عام 2003 حينما حاولت الحكومة المحلية إدخال قانون صارم لمكافحة التخريب وهو قانون الأمن الوطني، إلا أنها عدلت عن ذلك بسبب الاحتجاجات الشعبية القوية. كما حاولت كذلك عام 2011 فرض منهج دراسي إلزامي للتربية الوطنية في المدارس المحلية، وهو ما تراجعت عنه أيضاً في ضوء المعارضة العامة على نطاق واسع، لتعلن أن هذا المنهج الدراسي قد يكون اختياريا وليس إجباريا، ويذكر أن حركة ضمت طلاب مدارس التعليم الثانوي أطلق عليها اسم حركة العلماء تشكلت خلال هذه الاحتجاجات. والأمر ذاته تكرر مع الإعلان الصادر في أغسطس (آب) 2014 عن المؤتمر الشعبي الوطني الصيني والهادف إلى فرض قيود على تنفيذ الاقتراع العام في انتخابات الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ عام 2017، حيث طالب الإعلان آنذاك بوجوب حصول المرشحين للمنصب على موافقة مسبقة من لجنة ترشيح تختارها بكين قبل إدراج اسمه ضمن قوائم الاقتراع. صحيح أن الإجراء تمت إضافته بموجب القانون الأساسي لهونغ كونغ الصادر عام 1990، إلا أن الخلاف والجدل دار حول تشكيل اللجنة، وقد أدخل المدينة في مظاهرات واحتجاجات استمرت حتى تم رفض الاقتراح الخاص بتشكيل هذه اللجنة من قبل البرلمان المحلي، وقد تطورت الاحتجاجات لتشكل حركة شعبية واسعة حملت اسم «حركة المظلات»
كما شهد عام 2019 احتجاجات مطالبة بالديمقراطية شابها العنف، كانت قد اندلعت في البداية اعتراضا على مشروع قانون تم سحبه فيما بعد يتعلق بترحيل المتهمين إلى بكين، حيث تطورت هذه الاحتجاجات إلى اشتباكات بين المتظاهرين والشرطة، مما أفضى إلى تصاعد المظاهرات ورفعها شعارات مناهضة للحكومة الحالية، مطالبين باستقالة رئيسة المدينة «كاري لام»المدعومة من بكين، مع المطالبة بتطبيق مزيد من الإجراءات الديمقراطية في البلاد، فضلًا عن الدعوة لإضراب شامل. 
واليوم، جاءت المظاهرات التي شهدتها هونغ كونغ في أواخر مايو (أيار) الماضى (2020) لتسير على ذات النهج الذي يتبعه مواطنو هونغ كونغ في رفضهم لأية تدخلات صينية في شؤونهم، إذ من شأن قانون الأمن القومي وكذلك قانون ازدراء النشيد الوطني، الذى أقر أحدهما البرلمان الصيني أن يمثلا تراجعا لحجم الحريات التي تتمتع بها المدينة، حيث تجمع عشرات المحتجين في مركز للتسوق وهتفوا بشعارات مناهضة ورافضة لهذه التشريعات، لتنتهج الحكومة المحلية الموالية للصين ذات النهج الذي يقوم على القبض على المتظاهرين لحين تهدئة الأوضاع، وفي الوقت ذاته تتبنى الحكومة المركزية الصينية رؤية واحدة ترى أن دوافع هذه الاضطرابات خارجية من خلال الدعم الذي يتلقاه مواطنو هونغ كونغ من الغرب بصفة عامة والولايات المتحدة الأميركية على وجه الخصوص، ففي المظاهرات التي شهدتها المدينة عام 2019، صرح المتحدث باسم مكتب شؤون هونغ كونغ بمجلس الدولة الصيني «يانغ جوانغ»بأن : «الفوضى يجب أن لا تستمر في هونغ كونغ... وأن الاحتجاجات تدفع المنطقة إلى حافة وضع خطير للغاية».كما قامت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، هوا تشون يينج، بحثّ واشنطن على التوقف عن التدخل في شؤون هونغ كونغ، مؤكدة أنه لا ينبغي لأحد الاستهانة بعزم الصين الثابت على تطبيق مبدأ«دولة واحدة ونظامان»، والحفاظ على الرخاء والاستقرار هناك، وكان ذلك ردًّا على إصدار رئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، بيانًا لدعم المتظاهرين، حيث ذكر البيان أن «المتظاهرين يرسلون للعالم رسالة مفادها أن أحلام الحرية والعدالة والديمقراطية لا يمكن أن تنطفئ أبدًا بالظلم والتخويف»
 




رئيسة هونغ كونغ التنفيذية كاري لام، خلال مؤتمر صحافي (غيتي)

وقد تكرر السيناريو ذاته حيال الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها المدينة في أعقاب إقرار قانون الأمن القومي، إذ أكدت رئيسة الحكومة التنفيذية للمدينة والموالية للحكومة المركزية، كارى لام، أن «حكومة المدينة ستتعاون بشكل كامل مع بكين لاستكمال العمل التشريعي ذي الصلة في أقرب وقت ممكن... وأن هذا القانون لن يمس الحقوق والحريات التي يتمتع بها سكان هونغ كونغ»
وفي السياق ذاته، رفضت الصين التصريحات الأميركية والغربية في هذا الشأن، واعتبرتها تدخلا مرفوضا في شؤونها الداخلية، كما جاء على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، تشاو لي جيان، أن: «قضية تشريع الأمن القومى لمنطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة شأن داخلى للصين، وليس لأي دولة أجنبية الحق في التدخل فيها، وتعارض الصين بشدة أي قوى خارجية تحاول التدخل في شؤون المنطقة»، وذلك ردا على الموقف الأميركي الرافض لإقرار مثل هذا التشريع، حيث حذر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من إمكانية فرض إجراءات وصفها بالمثيرة للاهتمام بحق الصين، وأنه سيعلن عن إجراءات مثيرة جدًا للاهتمام ردا على مشروع قانون الأمن القومي الذي تسعى بكين إلى فرضه في هونغ كونغ.وقالت المتحدثة باسم الرئاسة الأميركية، كايلي ماكيناني، إنه «من الصعوبة تصور كيف يمكن لهونغ كونغ أن تبقى عاصمة مالية إذا سيطرت الصين على المستعمرة البريطانية السابقة»، وهو ما أكد عليه أيضاً وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، بقوله: «إن هونغ كونغ لم تعد مؤهلة للمعاملة المميزة بموجب القانون الأميركي وهو ما قد يشكل ضربة قاصمة لوضعها كمركز مالي رئيسي»
ولم يقتصر الأمر على الولايات المتحدة فحسب، بل اصطفت دول غربية أيضاً تنديداً بالخطوة الصينية، حيث عبرت حكومات الولايات المتحدة وأستراليا وكندا وبريطانيا في بيان مشترك عن قلقها من أن يؤدي قانون الأمن القومي في هونغ كونغ، إلى تفاقم الانقسامات العميقة في المقاطعة، وطالبت بالسماح لشعب هونغ كونغ بالتمتع بالحريات والحقوق كسبيل وحيد للابتعاد عن التوترات والاضطرابات التي شهدتها المنطقة خلال العام الماضي. 
وفى السياق ذاته، أبدت بريطانيا استعدادها لتمديد التأشيرات وفتح المجال إلى منح الجنسية لقرابة ثلاثة ملايين مقيم في هونغ كونغ، فقد صرح وزير الخارجية البريطاني، دومينيك راب، بقوله: «إذا مضت بكين في إقرار القانون فإن بريطانيا ستوسع الحقوق الممنوحة لحاملي جواز السفر الذي يحمل صفة مواطن بريطاني في الخارج»، وهو ما أكدت عليه وزارة الداخلية البريطانية في بيانها بأن: «هذه السياسة ستطبق على جميع حاملي هذه الجوازات في هونغ كونغ الذين يصل عددهم إلى نحو 2.9 مليون شخص»

 




عضو حزب «ديموسستو»، جوشوا وونغ، يحمل لافتة تحث القادة الأوروبيين على العمل ضد قانون الأمن القومي خلال مؤتمر صحافي خارج المجلس التشريعي في هونغ كونغ (غيتي)


 
ثالثاً: الصين وسياسة التشريعات... الجدوى والمخاطر
كشفت الأحداث السابقة على أن ثمة سياسة ممتدة تقوم فيها الصين بطرح تشريع يستهدف فرض قيود على الحريات داخل مدينة هونغ كونغ كخطوة أولية تمكنها من بسط هيمنتها على المدينة، إلا أنها في كل مرة تتراجع عن فرض هذه التشريعات بسبب قوة الاحتجاجات الشعبية والمعارضة المدنية التي سرعان ما تنظم نفسها في إطار حركات مناهضة لأية إملاءات أو سياسات تحاول بكين فرضها على المدينة.
ومن ثم، فالتساؤل إذا كان الأمر كذلك فما هي الدوافع التي تجعل الصين مستمرة في تبني هذه السياسة رغم ما قد يترتب عليها من خسائر للطرفين؟ لماذا لم تبحث بكين عن آليات أو سياسات أخرى تمكنها من النجاح في تحقيق أهدافها؟ وإذا لم تكن ثمة سياسات أخرى مطروحة فهل من المجدي لبكين الاستمرار في تلك السياسة المرتهنة بإصدار تشريعات تنظيم أوضاع داخل المدينة ثم تتراجع عنها؟ 
والحقيقة أن الإجابة على هذه التساؤلات تدور حول مسألة الجدوى التي تحققها بكين من سياسة التشريعات والمخاطر التي تلحق بها جراء ذلك، إذ إنه في ضوء الحسابات الصينية عن الجدوى والمخاطر أو طبقا لما يقوله الاقتصاديون التكلفة والعائد، تأتي الرؤية الصينية التي تنطلق من واقع مفروض عليها بحكم اتفاق العودة عام 1997، ذلك الاتفاق المتضمن بعضاً من القيود التي تحد من سيطرة بكين وفرض هيمنتها الكاملة على المدينة لمدة 50 عاما، إذ تخشى بكين من أن يأتي هذا التوقيت لتعلن هونغ كونغ استقلالها عن الدولة الأم، خاصة وأنها تعلم حجم المعارضة لأية خطوات اندماجية معها كما كشف عن ذلك استطلاع للرأي أجرته جامعة هونغ كونغ عام 2018، بأن معظم المواطنين في هونغ كونغ لا يرون أنفسهم صينيين، وأن 11 في المائة فقط من المواطنين يعرفون أنفسهم بأنهم «صينيون»، في حين أن 71 في المائة لا يشعرون بالفخر بكونهم مواطنين صينيين، فهذا التخوف يدفع بكين إلى التحرك حثيثا لتحويل مدينة هونغ كونغ إلى مدينة صينية كما هو حال بقية المدن الصينية الأخرى. ويزيد من تخوفات بكين ما يثار بين شباب هونغ كونغ في رؤيتهم بأن تراجع مستويات معيشتهم وانتشار البطالة بينهم نتيجة للتدفق الوافد من الأراضي الصينية إلى المدينة، وهو ما يدفعهم إلى المطالبة بالاستقلال حفاظا على ما حققته المدينة من تقدم وحداثة، حيث تعد هونغ كونغ مدينة عالمية تمثل أحد أهم نقاط الاقتصاد العالمي، ويقوم اقتصادها على التجارة والسياحة والخدمات المالية، وتتركز فيها الشركات العابرة للجنسيات، وتأتي في المرتبة التالية بعد الصين في جذب الاستثمارات الخارجية، التي بلغت خلال السنوات الخمس الأخيرة أكثر من 700 مليار دولار. يضاف إلى ما سبق، تنامي الشعور لدى  مواطني هذه المدينة بهوية منفصلة عن ذويهم الذين يعيشون في بقية الأراضي الصينية. 
 




من مسيرة إحياء ذكرى ضحايا مذبحة ساحة تيانانمن، نشطاء يبدون دعمهم للمتظاهرين المعتقلين (غيتي)

فضلا عما سبق، ثمة تخوف ثالث من جانب بكين إذ إنه في ظل التقدم التكنولوجى والاتصالي قد يثير نموذج هونغ كونغ مشاعر بقية المواطنين الصينيين للمطالبة بالحريات الممنوحة لمواطني هذه المدينة وفي مقدمتها حرية التعبير وحرية تنظيم الاحتجاجات والمظاهرات التي تنظر إليها بكين بأنها عملية ممولة من الخارج ومدفوعة من الغرب والولايات المتحدة للحد من التقدم الصيني. ولذا تستهدف بكين إخماد كافة التحركات المعارضة لسياستها في المدينة وهو ما يحققه قانون الأمن القومي الذي تحاول بكين إصداره والذى يمنحها السلطة لمنع مثل هذه التحركات. 
ولكن على الشاطئ الآخر من النهر، ثمة مخاطر عدة تتحملها بكين في سبيل استمرارها في سياسة التشريعات الهادفة إلى تغيير أوضاع المدينة وبسط سيطرتها على شؤونها، تتجلى أبرز هذه المخاطر في حجم الخسائر الاقتصادية والمالية نتيجة انهيار السوق المالية وما لها من عواقب وخيمة بالنسبة للمدينة وللصين بصفة عامة، إذ من شأن تكرار الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية أن تتسبب في تعطيل للنشاطات الاقتصادية في قطاعات عدة مثل البيع بالتجزئة والمطاعم والسياحة الوافدة. فضلا عما تمثله هذه السياسة من تراجع مستوى الثقة في حكومة بكين بشأن التزامها بعقودها واتفاقاتها والتي حاولت تسويقها لضمان وحدة الأراضي الصينية. فالتراجع الصيني عما تم الاتفاق عليه بشأن استقلالية هونغ كونغ يثير المخاوف لدى المناطق الأخرى الرافضة للدخول ضمن الدولة الصينية الموحدة وفي مقدمتها تايوان، بل أثارت هذه الاحتجاجات التخوف لدى الحكومة الصينية التي حاولت التأكيد على استمرارها في نهجها الرافض لأية محاولات من جانب تايوان كما جاء في تصريح رئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني، لي تشان شو، وذلك بمناسبة الذكرى الـ15 لإنفاذ قانون مناهضة الانفصال في الصين، إذ صرح بأن: «التوحيد السلمي، ودولة واحدة ونظامان، هو أفضل نهج لتحقيق إعادة التوحيد الوطني، وأن الالتزام بمبدأ صين واحدة هو الأساس لتحقيق إعادة التوحيد السلمي للصين، وأن بكين لن تترك أي مجال للأنشطة الانفصالية التي تهدف إلى استقلال تايوان بأي شكل من الأشكال»

 




المحامي والسياسي جونيوس هو، خلال اليوم الأخير لقراءة مشروع قانون النشيد الوطني في المجلس التشريعي، هونغ كونغ (غيتي)


 
وفي ضوء ذلك يصبح أمام مستقبل العلاقة بين بكين وهونغ كونغ 3 مسارات محتملة، هي
الأول:استمرار الأوضاع على ما هي عليه بين الشد والجذب من حين لآخر، فتقدم الحكومة المركزية الصينية على تبني تشريع جديد يتعلق بالحريات داخل المدينة ثم يواجه معارضة قوية تتراجع أمامها بكين. وإن كان هذا السيناريو هو الأقرب للتحقق في المدى المنظور إلا أنه يحمل مخاطر عدة سواء على مستوى المدينة وتراجعها اقتصاديًا عبر استنزافها بين الحين والاخر، أو على مستوى الصين اقتصاديا، حيث تمثل المدينة مركزا حيويا للشركات الصينية التي تسعى للوصول إلى العملات الأجنبية والبنوك الدولية. وكذلك سياسيا، حيث يمثل التراجع الصينى في كل مرة تآكلا في هيبة الدولة.  
الثاني:القمع، ويعنى أن تقدم الصين على تنفيذ تهديداتها التي تطلقها مع كل حركة احتجاجات تشهدها المدينة اعتراضا على سياستها التدخلية في شؤون المدينة، الأمر الذي يعني فشلا في إدارة الملف كلية من جانب الصين ويدخلها في واقع صراعي مع شعب هونغ كونغ الذي يرفض غالبيته السياسات الصينية، كما يزيد من وتيرة الخلافات الصينية الغربية وتحديدا مع الولايات المتحدة، خاصة مع امتلاك الأخيرة لكثير من الأدوات الاقتصادية والحقوقية التي قد تؤثر سلبا على ما حققته الصين من تقدم على مدار العقدين الماضيين، ومن ذلك وضع هونغ كونغ وملف تايوان وأقلية الإيغور، إضافة إلى ملف حرمان الصين من الحصول على التقنية الحديثة المتوفرة اليوم في الغرب، وبالذات في الولايات المتحدة. وإن امتلكت الصين بدورها أدوات اقتصادية أخرى في مواجهة السياسات التي يمكن أن تقدم عليها الولايات المتحدة بما قد يفاقم الأوضاع الاقتصادية في البلدين وبالتبعية سيأتي بنتائج كارثية على العالم بأكمله. 
الثالث: الانفتاح، ويعني أن تلتزم الصين بما تم الاتفاق عليه بشأن وضع هذه المدينة مع المحافظة على مستويات الحرية الممنوحة لشعبها سياسيا واقتصاديا. وإن كان هذا السيناريو هو الأفضل بالنسبة للجانبين في ظل الأوضاع الراهنة إلا أنه الأبعد عن التطبيق في ظل السياسة الصينية الرافضة لوجود مثل هذه النماذج داخل إطار الدولة الموحدة، لأن تطبيقه يحتاج إلى تغيير في بنية الفكر الصينية وهو أمر غير مطروح في الوقت الراهن. 
خلاصة القول إن إقدام الصين على خطوة إقرار قانون الأمن القومي المتعلق بالمنطقة الإدارية الخاصة (هونغ كونغ) في هذا التوقيت تحديدا يأتي كمحاولة صينية للفت الانتباه بعيدا عن الأزمة الراهنة التي تحاول الولايات المتحدة فرضها على الصين بتوجيه الاتهامات لها بالمسؤولية عن تفشي أزمة فيروس كورونا المستجد، حيث يرى البعض أن الخطوة الصينية هي قفزة للأمام ولكنها طبقاً لردود الفعل المتوقعة من شعب هونغ كونغ وكذلك من الدول الأوروبية، تعد خطوة تحمل في طياتها بعض المخاطر في ظل الأزمة الراهنة التي تركت تداعياتها السلبية على الاقتصاد العالمي واقتصاديات كافة الدول في توجهها نحو الانكماش بما قد يضاعف من التأثير إذا ما صاحب ذلك استمرار الاحتجاجات الشعبية في هونغ كونغ من ناحية، وتنفيذ الولايات المتحدة والدول الأوروبية تهديداتها بشأن إلغاء المزايا الممنوحة للمدينة لتدخل الأزمة في نفق أكثر غموضا من ناحية أخرى.