انفصام الممانعة الأخلاقي... داء لا دواء له

* خامنئي فقط يستنكر إن كان القاتل شرطيا أميركيا، عدا ذلك لا مشكلة لديه إطلاقا مع جريمة القتل بل هو من أبرز المؤيدين لها

وفقا لمنظمة الصحة العالمية، فإن انفصام الشخصية هو «اضطراب نفسي شديد يؤثر على أكثر من 21 مليون شخص في أنحاء العالم»، بينما تعرف مايو كلينك الانفصام بأنه «اضطراب عقلي شديد يفسر فيه الأشخاص الواقع بشكل غير طبيعي. وقد ينتج عن الإصابة بالانفصام في الشخصية مجموعة من الهلوسات والأوهام».
ولكن اللافت أنه  لا يوجد تعريف طبي واحد ولو بسيط للانفصام الأخلاقي، أو حتى تفسير علمي عن سبب الانفصام الأخلاقي الذي يصيب البعض، علماً أننا نصادف عشرات الأمثلة اليومية عن حالات الانفصام الأخلاقي الذي يصيب قوى الممانعة ومن لف لفها، وهنا للتوضيح المقصود بالممانعة كل من يدور في فلك إيران.
كذلك لم أجد شرحا لما تقصده قوى الممانعة من كلمة «استنكر»، فوفقاً لمعجم المعاني الجامع، استنكر الأمر أي اعترض عليه بشدة، أي اعترض على الفعل، بينما في حالة قوى الممانعة يكون الاعتراض دوماً أو الاستنكار مبنياً حسب من هو الفاعل وليس رفضا او اعتراضا على الفعل.
صحيفة«الأخبار»المقربة جدا من حزب الله مثلا، عنونت قبل أيام من دخول قانون قيصر حيز التنفيذ: «قانون قيصر: الجوع للسوريين»، وهي نفسها الصحيفة التي كتبت عن حصار مضايا قبل أعوام قليلة: «في مضايا جوع أمراء الحرب».
ومضايا هي بلدة سورية في ريف دمشق، حاصرتها قوات النظام السوري وحزب الله لأكثر من عامين، وقضى العشرات من المدنيين فيها بينهم أطفال بسبب الجوع ونقص الغذاء أو انعدام الدواء، وحتى عندما انتشرت صور أجساد الأطفال الهزيلة وضحايا الجوع من المدنيين على صفحات التواصل الاجتماعي، كانت قوى الممانعة وجمهورها تنشر صور الولائم ساخرة من جوع السوريين.
اليوم هم أنفسهم فاضت قريحتهم بالإنسانية، وباتوا يعيشون حالة خوف على السوريين وحياتهم، علماً أن المشرّعين في قانون قيصر لاحظوا الوضع الإنساني وأضافوا بنوداً تستثني المساعدات الإنسانية من العقوبات، وذلك عبر إعطاء الرئيس الأميركي صلاحية عدم فرض العقوبات على المنظمات غير الحكومية التي توفر المساعدات الإنسانية للسوريين.
النائب في البرلمان اللبناني عن حزب الله، إبراهيم الموسوي، اعتبر أن قانون قيصر هو «وجه من وجوه الحرب الأميركية على سوريا ولبنان»، وشدد على أن «قانون قيصر سيفشله أبناء من اقتلع باب خيبر».
لم يخبرنا سعادة النائب: ما علاقة خيبر بالأمر؟ ولكن يبدو أن ذكر أي شيء يتعلق باليهود هو جزء أساسي من «ديكور»تصاريح الممانعة، وطبعاً لا داعي لسؤال الموسوي عن الفارق الزمني بين مشاركة الحزب الذي ينتمي إليه في قتل السوريين، وبين صدور قانون قيصر، فهنا أيضاً الإدانة ليست للفعل بل للفاعل، مع الفرق الشاسع بين جريمة القتل وقانون معاقبة القاتل.
فقانون قيصر سمي بهذا الاسم، لأن آلاف السوريين الذين وثق قيصر مقتلهم، استشهدوا في سجون الأسد بسبب الجوع والتعذيب.
صحيفة«الأخبار»نفسها أيضاً كتبت: «ترامب يستغل الكنيسة لاستعراض انتخابي»، طبعا في حالة ترامب هم علمانيون وضد استغلال الدين في السياسة، ولكن أن يشبه أمين عام حزب الله، حسن نصرالله، المرشد خامنئي بالحسين عليه السلام في معرض دفاعه عن سياسة إيران، فهذا وفقًا لمنطق الممانعة أمر مباح، بل وواجب، ولا يحمل أي شبهة استغلال.
أما في موضوع حرية الصحافة، فصحيح أن منظمة مرسلون بلا حدود كشفت في تقرير لها مؤشر حرية الصحافة لعام 2020، تراجع إيران إلى المرتبة 173 عالمياً، ولكن هذا لم يمنع الخارجية الإيرانية من القول على حسابها في «تويتر»: «إن الكيان الأميركي يسعى وراء تكميم أفواه الصحافيين الذين يغطون الاحتجاجات على قتل جورج فلويد، وإرعابهم»... نعم مسموح باعتقال الصحافيين بل وقتلهم في إيران، وفِي أي مكان تصل إليه يد إيران، إن كان هؤلاء الصحافيون معارضين لخط الحكومة الإيرانية السياسي، ولكن عدا ذلك فالحكومة الإيرانية تريد أن تقنعنا بأنها في خط الدفاع الأول عن الكلمة والحرية في العالم.
أما المرشد الأعلى خامنئي، فقال: «ما قامت به الشرطة الأميركية تجاه الشاب الذي قتلته (جورج فلويد) تقوم به أميركا تجاه الشعوب في سوريا وغيرها»، طبعاً خامنئي لم يسمع أن الشرطي تحول للمحاكمة (مع كل المآخذ على المحاكمة) على عكس عاطف نجيب، ابن خالة رئيس النظام السوري بشار الأسد، الذي اعتقل وعذب الأطفال في درعا، وخامنئي لا يعارض قتل أكثر من نصف مليون سوري على يد النظام السوري، لا بل إنه أرسل له مرتزقة وميليشيات من إيران ولبنان والعراق وغيرها ليشاركوه في القتل، خامنئي فقط يستنكر إن كان القاتل شرطيا أميركيا، عدا ذلك لا مشكلة لديه إطلاقا مع جريمة القتل بل هو من أبرز المؤيدين لها.
إن كان مرض انفصام الشخصية يؤثر على 21 مليون إنسان، فإن الجهود مستمرة لإيجاد علاج له، إلا أن حالة الانفصام الأخلاقي عند «الممانعة»تؤثر على حياة مئات الملايين، مع غياب تام لأي محاولات جدية لإيجاد علاج لهذا المرض.