«المجلة» تواصل حوارها مع وليم بولك رجل المهمات الخاصة بين أميركا ومصر

قلت لعبد الناصر: أميركا تنفق بلايين الدولارات سنوياً لجمع المعلومات عن الآخرين
* ما قصة الاقتراح الإسرائيلي السري الذي نقلته إلى عبد الناصر قبل قليل من وفاته؟

ننشر فيما يأتي الحلقة الثالثة والأخيرة من المقابلة الخاصة والشاملة التي أدلى بها إلى «المجلة»الدكتور وليم بولك رجل المهمات الخاصة والاتصالات السرية بين الولايات المتحدة ومصر.
وقد كشف بولك في الحلقة الثانية من هذه المقابلة المنشورة في العدد الماضي، ما جرى بينه وبين الرئيس (الراحل) جمال عبد الناصر حول تورط مصر في الحروب والمغامرات الخارجية. 
ويكشف بولك في هذه الحلقة، معلومات جديدة ومهمة عن مصر وحرب اليمن وعن عرض إسرائيلي- تكشف تفاصيله للمرة الأولى- إلى عبد الناصر لوقف إطلاق النار على قناة السويس عام 1970، وفيما يأتي الحلقة الثالثة والأخيرة:
 
* ماذا كانت، في النهاية، نتائج محادثاتك مع عبد الناصر حول حرب اليمن؟
- سمعت في اليوم السابق للقائي مع عبد الناصر، أن طائرة هليكوبتر مصرية أسقطت في اليمن. وفي أثناء المقابلة قال لي عبد الناصر: «إنني أعرف كيفية استحدام هذه الأشياء، إنني أعرف أسلوب استخدام طائرات الهليكوبتر في الجبال». فقلت له حسناً، لكنك فقدت طائرة هليكوبتر أمس، فسألني بدهشة: كيف عرفت ذلك؟ أجبت قائلاً يا سيادة الرئيس إننا في الولايات المتحدة ننفق في العام الواحد مبلغاً يتراوح بين أربعة وخمسة بلايين (مليارات) دولار من أجل جمع المعلومات والمكلفون بهذه العمليات يتقنون أساليب معرفة مثل هذه الأشياء.
وتحدثنا لفترة طويلة، قال بعدها عبد الناصر: إنكم في واشنطن لا تعرفون حقيقة ما يجري في اليمن، ويجب عليكم الذهاب إلى هناك ومشاهدة ما يحدث بأنفسكم. فوقفت من دون تفكير وقلت له: شكراً يا سيادة الرئيس سأتوجه إلى اليمن.


 
* ماذا كان رد فعل عبد الناصر إزاء ذلك؟ 
- نظر إلي وأنا واقف أمامه. وكان وقوفي بكل تأكيد عملاً غير مؤدب من شخص أجنبي تجاه رئيس دولة. وبدا على عبد الناصر الغضب لأنني استدرجته إلى السماح لي بزيارة اليمن لكنه كتم غضبه ولم يقل شيئاً فقطعت الصمت وقلت له: أنت تعرف يا سيادة الرئيس بالطبع أنني لن أتمكن من رؤية أي شيء، إلا إذا سمحت لي برؤية ما أرغب في مشاهدته. وإنني لا أستطيع حتى الذهاب إلى هناك من دون ترخيص منك. 
ورد عبد الناصر: حسناً، سأضع طائرة في تصرفك، وتستطيع أن تذهب حيث تشاء وتتحدث إلى من تشاء. 
وأستأذنت في الانصراف بأقصى سرعة تسمح بها حدود الأدب، ثم توجهت إلى السفارة الأميركية لإرسال برقية إلى الرئيس كينيدي أطلب فيها إذنه بالتوجه إلى اليمن، وقبل الانتهاء من تشفير الجزء الثاني من البرقية وإرساله جاء الرد من كينيدي: «اذهب!».وهكذا توجهت إلى اليمن في اليوم التالي وقابلت عدداً من كبار المسؤولين. وبعد جولة في قرى منطقة القتال الشمالية عدت إلى صنعاء حيث قابلت المشير عبد الحكيم عامر الذي كان يشرف على قيادة القوات المصرية. وقال لي عبد الحكيم عامر: «لقد سمعت بما فعلته مع عبد الناصر». وكان سعيداً إلى أقصى حد بذلك.
كان معنا عدة أشخاص في الغرفة، وبينهم أنورالسادات الذي لم يشارك في الحديث، وبدا كأنه على هامش الأمور، وتحدثنا مطولاً، عامر وأنا، حول الوضع في اليمن وحول الجيش المصري وأمور أخرى، وأطلعني المشير عامر على «خططه العسكرية». وبعد لقاء آخر مع بعض المسؤولين اليمنيين عدت إلى القاهرة. وأبلغت عبد الناصر بوصولي عن طريق صلاح دسوقي– الذي كان محافظاً للقاهرة آنذاك– كما أبلغت السفير الأميركي جون بادو، وبعد فترة قصيرة، قمت بزيارة أخرى لليمن– بعلم من عبد الناصر– حيث اجتمعت بقوات كانت تعارض التدخل المصري. وجلست مع هذه القوات حول نار مكشوفة ورددنا الكثير من الشعر العربي القديم والحديث، وهو شيء أتمتع به إلى أقصى حد، ثم تحدثنا طويلاً عن احتمالات وقف القتال وعما تعنيه الحرب بالنسبة إليهم، وعن تصورهم للمستقبل. وفي حوالي الساعة الرابعة من صباح اليوم التالي استيقظت من نومي على زئير لم أسمع أفظع منه في حياتي، وشاهدت قاذفة سوفياتية الصنع ذات أربعة محركات من طراز توبيلوف-16 تطير فوقنا. وعلى مدى 30-40 دقيقة أسقطت حولنا خمس من هذه الطائرات 19 قنبلة زنة كل منها 500 رطل... وانتابني قلق من أحتمال إصابة الطائرة العسكرية الأميركية التي أقلتنا إلى هناك. ولكن الطائرة لم تصب، وغادرت اليمن. وقمت فوراً بكتابة رسالتين الأولى إلى السفير الأميركي في القاهرة، والثانية إلى عبد الناصر، وقلت في رسالتي إلى عبد الناصر: «سيادة الرئيس، إنني ممتن لكل ما فعلته للعناية بي والترويح عني أثناء وجودي في مصر، ولكنني لا أعتقد في الحقيقة أنه كانت هناك أي ضرورة للترويح عني بعد أن غادرت مصر». وبعد أيام تلقيت رسالة من السفير الأميركي جون بادو يقول فيها: «لماذا لم تكتف بشكر الرئيس عبد الناصر وتسكت؟».
الواقع أن سبب توجيهي رسالة إلى عبد الناصر هو أنني شعرت بأن الرئيس المصري «طلب»من الطائرات السوفياتية التحليق فوق المكان الذي كنت فيه... وإلقاء القنابل. 
 
عبد الناصر وجيمس بوند 
 
* ماذا جرى بعد ذلك بينك وبين عبد الناصر حول هذا الموضوع؟ 
- عندما قابلته مرة أخرى بعد ستة أشهر، سألني إذا كنت أعتقد أن الطائرات التي هاجمتنا طائرات إسرائيلية، فانفجرت ضاحكاً، وقلت: كنت أعتقد أنك ستوجه إلي سؤالاً من هذا القبيل، ولذلك أحضرت معي صورة لإحدى الطائرات المهاجمة. (وكنت وقفت وسط الطريق أثناء الغارة والتقطت صورة لإحدى الطائرات). واعترف عبد الناصر بأن الطائرة في الصورة لا تبدو كطائرة إسرائيلية. وكان عامل اللاسلكي الأميركي استمع إلى حديث بين الطائرات المهاجمة باللغة الروسية، كما أننا اكتشفنا بعد ذلك أن أطقم هذه الطائرات كانت من السوفيات. وبعد ذلك سألني عبد الناصر بالتفصيل عن تصوري عن تأثير هذه الحرب، وعن موقف الولايات المتحدة وعن احتمالات المستقبل بالنسبة إلى العلاقات المصرية – الأميركية في ضوء ذلك. فأخذت أحدثه عن حرب فيتنام وكيف أثرت على الولايات المتحدة، وكيف صرفتنا هذه الحرب عما كنا نأمل في عمله لوقف التدهور في العالم الثالث بصورة خاصة. ولزيادة قدرة الدول النامية على مواجهة الفقر والجوع والتخلف والجهل ومشكلة الانفجار السكاني. وعقدت مقارنة بين حرب اليمن، بالنسبة إلى مصر، وحرب فيتنام بالنسبة إلى أميركا. وقلت لعبد الناصر إذا استنفذت مصر طاقتها في حرب خارجية، فإنها ستظل دولة ضعيفة وفقيرة. 
 
* ماذا قال عبد الناصر وهل أيد وجهة نظرك؟
- كلا، ولقد أدركت في ذلك الوقت أن هناك شيئا يميزه هو وبعض الزعماء الآخرين فى العالم الثالث وقد أثار هذا الشيء فضولي منذ ذلك الحين إنهم شاهدوا أفلام جيمس بوند وهم مقتنعون بأن هذه الأفلام تصور حقيقة الدول الكبرى وحقيقة العلاقات الدولية، وهو يعتقدون أيضا أن الحديث عن التنمية والموضوعات المشابهة مجرد أشياء مملة لا نستطيع أن نفعل شيئا حيالها. وأعتقد أن صورة جيمس بوند في الغرب في الستينيات كانت تشابه صورة لورانس «أو لورانس العرب»فى العشرينيات، وكان بعض زعماء العالم الثالث الذين يتمتعون بشعبية- ومنهم عبد الناصر- مقتنعين بأن كتاب روايات التجسس من أمثال أيان فليمنغ، وفردريك فورسايث، يكتبون عن عالم حقيقي مثير يعرفون شيئا عنه. وكان هؤلاء الزعماء يريدون أن يشاركوا في هذا العالم بكل ما فيه من مجد وإثارة. وتحدثت مع عبد الناصر لمدة ساعتين وبعد ذلك اصطحبني إلى سيارتي وفتح بابها لي وهي بادرة غير معتادة منه أدهشت حراسه وتصافحنا، ثم سألني: «بيل، أين ستذهب الآن؟».فرددت: «لن أقول لك وجهتي هذه المرة يا سيادة الرئيس!».وضحك عبد الناصر طويلا. 

 




عبد الناصر وأيزنهاور خلال لقائهما في نيويورك 

 


 
أميركا تجنبت معالجة المشكلة الفلسطينية 
 
* استمرت الاتصالات واللقاءات بينك وبين عبد الناصر بعد ذلك وما نود أن نعرفه هو: كيف أثرت مغامرته على جهود تحقيق السلام بين العرب وإسرائيل في أثناء فترة حكم كينيدي وجونسون؟
- كان الإسرائيليون يعرفون بالطبع أن معظم القوة المقاتلة للجيش المصري كانت متورطة في اليمن قبل حرب 1967. وعنما اندلعت حرب 1967 كان الجيش المصري منشطرا إلى نصفين وكانت أفضل وحداته من ناحية التدريب والخبرة القتالية موجودة في اليمن وهذا الوضع كان «مفيدا جدا»لإسرائيل من ناحية استراتيجيتها العسكرية.
 
* ماذا فعلت الإدارات الأميركية المختلفة حسب معلوماتك لتحقيق السلام في الشرق الأوسط؟
- إذا عدنا إلى عهد الرئيس الأميركي (الراحل) أيزنهاور. نكتشف أن هناك مجموعة من الدراسات والخطط، معظمها أحيطت بالسرية- بهدف تحقيق السلام في المنطقة- لكن المشكلة الحقيقية أن الإدارات الأميركية السابقة لم تكن تريد مواجهة جوهر النزاع أي الجوانب السياسية للمشكلة الفلسطينية، وحاولت الإدارات الأميركية تجنب فكرة وجود أساس جوهري لمشكلة الشرق الأوسط، ولهذا عمدت إلى التركيز على معالجة الموضوعات الفرعية مثل موضوع التسليح. وموضوع توزيع مياة نهر الأردن وفي عهد جون فوستر دالاس، وزير خارجية أيزنهاور، كانت هناك دراسة معقدة عن إعادة رسم الحدود على أساس أنه ليس هناك «حدود حقيقية»لإسرائيل في الجنوب، وقال دالاس في هذا الشأن:«إن الأمر يتعلق في الحقيقة برغبة العرب في التنقل بين الشرق والغرب وفي رغبة الإسرائيليين في التنقل بين الجنوب والشمال وهكذا فإنه يمكن حل المشكلة عن طريق إنشاء حدود تتألف من مثلثات متقاطعة وسيكون التقاطع النهائي عبارة عن مجرد نقطة على الخريطة ولذلك سيتمكن كل إنسان من التوجه إلى هذا التقاطع والعبور إلى الناحية الأخرى، وكانت هذه وجهة نظر دالاس الشخصية، صدق أو لا تصدق!...
وكلف دالاس مجموعة من الخبراء والرسميين الأميركيين لدرس هذا الموضوع. ويبدو لي أن مثل هذا التقاطع يشبه عملية عد الأغنام أثناء قفزها فوق سياج. إنك تستطيع إحصاء عدد الأغنام السوداء التي تقفز في أحد الاتجاهات وإحصاء عدد الأغنام البيضاء التي تقفز في اتجاه آخر. 
 
عرض إسرائيلي لوقف القتال!
 
* ما هي آخر مهمة قمت بها في عهد عبد الناصر؟
- كان ذلك في يونيو (حزيران) 1970 في عز حرب الاستنزاف التي كانت تسبب الخسائر المصرية والإسرائيلية والكثير من الدمار في المدن المصرية على قناة السويس وكنت أشغل في ذلك الوقت منصب رئيس قسم الشرق الأوسط في جامعة شيكاغو، وكنت أحضر مؤتمرا عن الشرق الأوسط في القرن التاسع عشر بالجامعة العبرية في القدس. وهناك تلقيت رسالة تقول إن موردخاي غازيت مدير مكتب رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدامائير– والذي تعرفت به عندما كان وزيراً مفوضاً لإسرائيل في واشنطن– يرغب في مقابلتي. واجتمعنا في حديقة منزل غولدامائير، ولم تكن هي نفسها موجودة، ولكن مكان الاجتماع كان يشير إلى اهتمام إسرائيلي على أعلى مستوى بالموضوع. وطلب مني غازيت الاتصال بعبد الناصر نيابة عن الحكومة الإسرائيلية من أجل ترتيب وقف لإطلاق النار على خط قناة السويس، فقلت له إنني لا بد أن أناقش هذا الموضوع أولاً مع هنري كيسنجر الذي كان آنذاك رئيساً لمجلس الأمن القومي الأميركي ومستشاراً للرئيس نيكسون. فرد غازيت قائلاً: إذا فعلت ذلك سيتعين علينا أن ننفي أننا تحدثنا إليك. 
ولما سألته عن السبب قال إن سياسة الحكومة الإسرائيلية تنص على ضرورة إطلاع مجلس الوزراء على كل الاتصالات الخاصة بالسياسة الخارجية، وبذلك يحق لكل وزير في مجلس الوزراء مناقشة الموضوع. وإذا سألت كيسنجر في هذا الشأن، سيتصل بإسحق رابين السفير الإسرائيلي في واشنطن (الذي أصبح رئيساً للوزراء فيما بعد)، لسؤاله عن مدى صحة ذلك، وعما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية طلبت ذلك أم لا. وسيتعين على رابين، في هذه الحالة أن يرسل برقية إلى مائير للاستعلام عن ذلك، وعندئذ سيعرف بالأمر مناحيم بيغن (الصبي الشرير) في مجلس الوزراء الإسرائيلي آنذاك. وقال غازيت إنهم يريدون عدم إطلاع بيغن على الأمر، لأن غولدا مائير تريد إجراء تعديل وزاري، وإعادة تشكيل الحكومة بعد إخراج بيغن منها، كدليل على رغبتها الجدية في وقف إطلاق النار مع مصر، وكان الاقتراح الإسرائيلي يقول «إن وقف إطلاق النار ضروري لأنه يكبد الطرفين خسائر فادحة من دون أي أمل في حل أي شيء»

 




غولدا مائير مع الرئيس الأميركي (السابق) فورد وكيسنجر

 


 
* هل كانت هناك أي مبادرة من جانب عبد الناصر أو أميركا لوقف إطلاق النار في ذلك الوقت؟
- كلا، ولكن تم بحث ما يسمى بالجانب «العلني»في ما أطلق عليه اسم «مبادرة روجرز»... واجتمعت في بيروت مع الدكتور حسن صبري الخولي، مدير مكتب عبد الناصر، وأبلغته أن الإسرائيليين مستعدون للتحرك في اتجاه وقف لإطلاق النار وإنهم لا يصرون على إجراء مفاوضات مباشرة مع مصر وهو أمر جدير بالاهتمام لأنهم كانوا يتحدثون علنا باستمرار عن ضرورة المفاوضات وجهاً لوجه وإلى جانب ذلك فإنهم سيظهرون موافقتهم على الأمر عن طريق تعديل وزاري، في حال موافقة عبد الناصر على وقف إطلاق النار. وكان عبد الناصر في موسكو في ذلك الوقت وكانت حالته الصحية تدهورت بالفعل، كان مصاباً بمرض السكري ويعاني من مشكلات صحية كثيرة أخرى. وكان بعض الأطباء يقولون إنه يجب بتر إحدى ساقيه، وقد توفي بعد 3 أشهر من هذه الزيارة، واستمع حسن صبري الخولي في بيروت إلى ما ذكرته وأرسل مبعوثاً إلى عبد الناصر في موسكو يحمل رسالة بهذا المعنى وعاد عبد الناصر إلى القاهرة وألقى خطاباً وافق فيه أساساً على وقف إطلاق النار. ومن الناحية العلنية كانت الموافقة على مبادرة روجرز، ولكنني لا أعتقد حقيقة أن مبادرة روجرز كانت لها علاقة كبيرة بالأمر.
إنني أدركت في اجتماعاتي الكثيرة مع عبد الناصر لبحث النزاع العربي الإسرائيلي أنه مستعد للذهاب إلى مدى أبعد مما يقوله علناً أو ما يدركه الرأي العام. وعلى سبيل المثال كان عبد الناصر راغباً (قبل حرب 1967) في إزالة الوجود المصري من مضيق شرم الشيخ في جنوب سيناء، وكان رد فعله إيجابياً عندما أشرت إلى احتمال توقيعه على معاهدة القسطنطينية التي أبرمت في 1888، والتي تنص على حرية الملاحة في الممرات المائية الدولية، لأن هذا التوقيع سيمنع ظهوره بمظهر الشخص الذي تراجع عن الدفاع عن الأراضي العربية، وهو أمر كان مهماً جدًا بالنسبة إليه.
 
* ذكرت لنا في بداية المقابلة أن عبد الناصر كان مستعداً في العام 1969 للذهاب إلى مدى لم يذهب إليه من قبل وذلك عن طريق الموافقة على مسودة اتفاق سلام مع إسرائيل ولكن هنري كيسنجر اكتشف أنه مشغول بفيتنام إلى حد لا يسمح له ببحث هذا الموضوع. هل تعتقد أن عبد الناصر كان مستعداً لأن يقدم على مبادرة كتلك التي أقدم عليها أنور السادات فيما بعد؟ 
- قال لي عبد الناصر في نهاية 1967 إن القادة العسكريين المصريين خدعوه في حرب 1967. وإنهم أقنعوه بأنهم أقوى وأكثر قدرة مما كانوا عليه في الحقيقة، وفي اعتقادي أن الحكومات المشابهة لحكومة عبد الناصر لم تفهم أبدا المعنى الحقيقي للقوة، إن القوة لا تتمثل في مجرد عدد الدبابات والطائرات التي تملكها الدولة لكنها تتمثل في المجتمع الصناعي الحديث. إن القوة الحقيقية لا تتمثل في مجرد القدرة على استخدام هذه الأسلحة بعد أن تتعلم ذلك على يد المدربين السوفيات، وإنما تتمثل أيضا في القدرة على إصلاح هذه المعدات وصيانتها. وفي فهم الأسلوب الصحيح لاستخدامها، وفي تنفيذ المهام الحقيقية التي تتطلبها عمليات التحديث. وأعتقد أن عبد الناصر كان يفهم بعض هذه الأشياء. ولكنه وقع أسيرا للصورة التي وصل إليها بسبب تجاربه الخاصة ونتيجة للعدد الكبير من العسكريين الأجانب الذين تعامل معهم. لكن بعد حرب 1967، والضربة التي أصيبت بها مصر، بدأ عبد الناصر ينظر إلى بعض الأمور نظرة أخرى. وفي خريف 1967 أرسل عبد الناصر مبعوثا خاصا إلى واشنطن هو حسن صبري الخولي. واجتمع الخولي بوزير الخارجية الأميركي دين راسك، وبمستشار الرئيس جونسون لشؤون الأمن القومي والتر روستو، وقال لهما ما معناه: «انتهت الحرب»وأصبنا بهزيمة. والآن كيف نستطيع تحقيق السلام؟ لكن في هذه المرحلة لم تكن الإدارة الأميركية مهتمة فعلا بتحقيق السلام. واستمر هذا الموقف الأميركي موقف عدم الاهتمام الفعلي، حتى مطلع عهد نيكسون. ولقد رويت لكم ما حدث بيني وبين كيسنجر حين سلمته مسودة اتفاق السلام التي كان عبد الناصر وافق عليها، وكيف لم يظهر كيسنجر اهتماما بها على أساس أنه منهمك في حرب فيتنام. وبعد ذلك تعرفون ما جرى في المنطقة من أحداث وتطورات.