قانون «قيصر» لاقتلاع الأسد... والموقف الروسي يحسم توازن القوى

القانون يسحق الاقتصاد السوري لتطويع النظام
* قانون «قيصر»هل يكون ورقة أميركا الرابحة في سوريا؟
* درغام: قيصر في حال سرّع أم لم يسرّع رحيل الأسد فسوف يؤذي هذا النظام وحلفاءه
* نادر: ما ينتظر النظام السوري كارثة كبرى قد تصل إلى أزمة جوع وانهيار تام

بيروت: بعد سنوات من المكابرة والعناد والترويج لانتصارات وهمية، رفعت الولايات المتحدة الأميركية سيفها المسنون على رقاب النظام السوري وداعميه، متوعدة بحرب من نوع خاص ستؤدي في نهاية المطاف إلى إخضاع المحور السوري - الإيراني وإزاحة رئيس النظام بشار الأسد من المشهد السياسي، بالتقادم، دون إراقة دماء أو الدخول في دوامة العمل العسكري، بعد إعادة حلفاء النظام حساباتهم.
فمع اقتراب دخول قانون «قيصر»الأميركي حيّز التنفيذ في السابع عشر من يونيو (حزيران)، يستعد المحور السوري-الإيراني وحتى روسيا لعقوبات أميركية هي الأقسى على الإطلاق، إذ يفرض «قيصر»عقوبات إضافية على نظام بشار الأسد وداعميه والمتعاملين معه سواء كانوا سوريين أو أجانب، كما يسمح بتجميد أصولهم ومنعهم من الدخول إلى الولايات المتحدة الأميركية.
 
ما هو قانون «قيصر»؟
التشريع الجديد يسعى لتقديم كل المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان إلى العدالة، وهو يسمى بـ«قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين»، وأدرج في موازنة الدفاع الأميركية لعام 2020 لتفادي أي عرقلة جديدة في الكونغرس بعد أكثر من خمس سنوات على كتابته وصياغته.
وأطلق على القانون اسم «قيصر»نسبة إلى مصور عسكري سابق في الشرطة العسكرية السورية يُعرف باسم مستعار هو «قيصر»، استطاع الهرب من سوريا صيف عام 2013 حاملا معه 55 ألف صورة مروعة تظهر جثثا تحمل آثار تعذيب.
وكما ذكر المبعوث الأميركي إلى سوريا، جيمس جيفري، فإن العقوبات ستصبح سارية المفعول في شهر يونيو (حزيران)، لتتمّ من خلالها ملاحقة الأفراد والمجموعات التي تتعامل مع نظام الأسد. وأتى إعلان جيفري ليكون بمثابة طلقة تحذيرية لكل الدول والمجموعات التي تدعم النظام وتموّله، وتحديداً روسيا وإيران ووكلاءهما، وهو ما يميّز هذه العقوبات عن سابقاتها.
 
القانون الأقسى
يستهدف القانون المصانع العسكرية والبنى التحتية والمصرف المركزي في سوريا، كما يسمح القانون بمعاقبة روسيا وإيران في حال استمرارهما في دعم نظام بشار الأسد.
ومن شأن القانون أن يزيد الضغوط على النظام السوري، إذ قد تنسحب شركات روسية متخصصة في الطاقة، وهو ما ستتأثر البلاد من تبعاته، خاصة وأن سوريا تستورد نحو 60 في المائة من احتياجاتها المحلية للغاز. ما يشير إلى أن تداعيات القانون قاسية جداً على النظام السوري، وعلى سوريا ككل. وسيفاقم الأزمة الاقتصادية الاجتماعية. وقد بدأت التداعيات الاجتماعية والمعيشية لقانون قيصر تطل برأسها حتى قبل دخوله حيز التنفيذ وذلك مع عودة التحركات الاحتجاجية في درعا وحتى محافظة السويداء التي خرجت لأول مرة بهتافات تطالب برحيل الأسد وإطلاق شعارات منددة بالوجود الإيراني.
ويأتي القانون في وقت يعاني فيه الأسد ضغوطا من حلفائه الروس، ولا سيما بعد نشر تقارير في صحف مقربة من الكرملين تنتقد طريقة إدارة الأسد للصراع في بلاده.
كما تأتي مرحلة تنفيذ القانون في وقت يعاني فيه الأسد أيضا من صراع داخلي بسبب الأزمة مع ابن خاله رجل الأعمال رامي مخلوف، والتي قد تكون جزءا من عملية تصفية حسابات سياسية مع موسكو بهدف الدخول في تسوية لحل الأزمة. 
 
شركات روسية وصينية
قسوة القانون، لا تقتصر على سوريا، بل تطال كل الدول أو الأشخاص أو الشركات والمؤسسات التي توفر الدعم للنظام السوري. أي كل شركة عاملة في سوريا، أو لديها استثمارات، أو تطمح لإعادة الإعمار... وهذا يعني أنها ستطال شركات دولية في مقدمتها الروسية والصينية.
ومن خلال هذا القانون، تقول الولايات المتحدة إنه لا يمكن الوصول إلى حلّ للأزمة السورية بدونها، ولا يمكن الشروع في مشاريع إعادة الإعمار قبل التوافق معها على المرحلة السياسية.
 
أهداف استراتيجية
يندرج «قيصر»في خانة إخضاع نظام الأسد لإجباره على التنازل، ودفع داعميه إلى التراجع، إذ من الواضح أن وراء هذا القانون أهدافا استراتيجية كبرى تعمل عليها واشنطن، منها تطويع سوريا وإخضاعها لبعض الشروط، إذ تسعى واشنطن إلى تخفيف العقوبات تدريجيا بالتزامن مع فرض تنازلات سياسية على المستوى الداخلي سواء عبر إشراك المعارضة في الحكم مثلا، أو عبر تنازلات إقليمية ينتج عنها إخراج حزب الله وإيران من الساحة السورية، وحتى الإطاحة بالأسد.
 
عرض جيفري... عقوبات «قيصر»أو رحيل الأسد
على الرغم من اللهجة القاسية والحادة لـ«قيصر»، إلا أن أبوابه غير مغلقة للاختراق دبلوماسيا، فهو يسمح للرئيس الأميركي برفع هذه العقوبات في حال لمس جدية في التفاوض من قبل سوريا، بشرط وقف الدعم العسكري الروسي والإيراني.
وكان لافتا في هذا السياق، تقديم الولايات المتحدة عرضاً للأسد، قائلة إنه إذا كان مهتماً بشعبه سيقبل العرض. وقد حدد جيفري الخطوات الأميركية المستقبلية في التعامل مع النظام ورئيسه. موضحاً في لقاء افتراضي مع الجالية السورية في أميركا، أن واشنطن تحاول عزل النظام، وتحرص على أن لا يعامله أحد على أنه نظام طبيعي لأنه ليس كذلك، كما تحاول الضغط على روسيا وإيران لإيقاف دعمه، إضافة إلى تطبيق العقوبات الاقتصادية عليه وعلى داعميه.
وبحسب مصادر مطلعة فإن العرض المقدم لإنهاء المعاناة في سوريا هو موافقة الأسد على مقررات مؤتمر «جنيف-1»وإطلاق العملية السياسية للتغيير وإخراج جميع الميليشيات الإيرانية.
وتابعت المصادر أن عرض جيفري ليس بجديد، وانما هو قديم ومتجدد ويقضي بالذهاب الى الحل السياسي لتطبيق قرار مجلس الأمن رقم 2254 وإنجاز دستور جديد وإجراء انتخابات تحت إشراف أممي بعد تحقيق البيئة الآمنة والمحايدة. 
ولفتت المصادر إلى أن خروج الميليشيات الإيرانية شرط أساسي، ولكن جوهر الحل هو القبول بالقرارات الدولية، والحكومة المنتخبة القادمة هي صاحبة القرار بذلك، فالأميركي لم يضع شرط خروج الميليشيات لبدء العملية السياسية، وبالتالي فإن عرض واشنطن هو التزام الأسد ببيان «جنيف-1»والقرار 2254، الذي يقول إن بقاءه في السلطة غير ممكن، والضغط الأميركي عليه هو من أجل الانتقال السياسي الحقيقي، والعقوبات الاقتصادية وسيلة لأجل ذلك.

 




الصحافية والمحللة السياسية راغدة درغام

 


 
هل يرضخ الأسد للعرض الأميركي؟
في حديث لمجلة «المجلة»مع الصحافية والمحللة السياسية راغدة درغام، أكدت أن «قانون قيصر هو قانون المحاسبة وليس مجرد قانون عابر، إنه يدق في عصب من دعم النظام في دمشق على ما قام به، إن كان في الداخل السوري أو من الخارج، والكلام موجه هنا إلى إيران وحزب الله، ولربما كذلك روسيا التي بدأت تفكر بتداعيات هذا القانون عليها، إلاّ أنهم يعتقدون أنها ستكون أقل من آثار قانون قيصر الكبيرة على النظام وإيران وكذلك لبنان»، مشيرة إلى أن «الأخير  سيتأثر بشكل كبير لعدة أسباب من ناحية حزب الله بحد ذاته، ومن جهة ثانية العلاقة بين الدولة اللبنانية والنظام السوري، وكذلك عمليات التهريب عبر المعابر غير الشرعية، لأنها ستقع تحت المراقبة والمحاسبة».
ورأت درغام أن «ما تحدث عنه الأميركيون عن رغبة في المضي بمعاقبة الأسد وحلفائه، يترافق أيضا مع الحديث عن العملية السياسية التي ولدت مع مؤتمر «جنيف-1»، حيث كان من المفترض أن تكون هناك مغادرة تدريجية للأسد من السلطة وهو ما لم يحدث، ما استتبع قيام مفاوضات«جنيف-2»وصولا إلى «8»وتوجّه عدد من المبعوثين الدوليين لمعالجة الملف السوري والذين وقعوا في معادلة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن وكذلك العلاقة الأميركية-الروسية وغيرها، إذ لم يتصرف المبعوثون بطريقة مستقلة باعتبار أن الدول هي التي ستقرر هذا المصير وليس المبعوث»، مشيرة إلى أنه «في نهاية المطاف حتى روسيا التي حاولت أن تقوم بالعملية السياسية تحت عنوان آستانة، اصطدمت أيضا بعناد بشار الأسد الذي عاندهم بالعملية الدستورية والسياسية وهو يعتقد أنه انتصر ولا حاجة له إلى التنازل السياسي ليكون هناك حتى مشاركة في الحكم، وبالتالي القراءة الدقيقة لما يقوله الأميركيون هو في نهاية المطاف ليس عمليا لأنه لا عودة إلى «جنيف-1»، الا أن الأكيد أنه من افترض انتصار نظام الأسد مخطئ لأن الحرب لن تنتهي حتى ولو اتخذت أشكالا مختلفة».
كما أشارت درغام إلى أن «قيصر في حال سرّع أو لم يسرّع رحيل الأسد لكنّه سوف يؤذي هذا النظام وحلفاءه لأن هذا القانون من الواضح أنه بمثابة محاسبة على ما يرقى لتهمة جرائم الحرب، والولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب وأنها تتخذ العقوبات كأداة حادة لإخضاع النظام، وأمام عناد الأسد فالنتيجة أنه سوف يواجه المحاسبة التي تأتي في نهاية المطاف على يد مواطن سوري عانى حتى ولو جاء بقانون أميركي».
إلى ذلك لفتت درغام إلى أن عرض جيفري ليس بجديد، وهو يقضي إلى الذهاب لحل سياسي لتطبيق قرار مجلس الأمن رقم 2245 وإنجاز دستور جديد وإجراء انتخابات بإشراف أممي، مؤكدة أن «الأسد بالتأكيد لن يخضع، فسيمانع وسيوطد العلاقة مع طهران وحزب الله أكثر وأكثر، لكن بخوف وقلق كبيرين لأن العقوبات الأميركية مؤذية جدا وهي فعلا تُخضع وتكلّف غاليا».
وفي الختام شددت درغام على أنه «لا حل أمام الأسد سوى أن يتحمل نتائج هذه العقوبات الوخيمة أو أن يقبل بالمطالب الأميركية المستحيلة المتعلقة بالعملية السياسية وأن لا يفترض أنه انتصر وله حق الاستفراد بالحكم وكذلك فك الارتباط مع حزب الله وإيران، علما بأن روسيا تريد أيضاً العملية السياسية في سوريا ولخشيتها من أن ترث مستنقعا في سوريا، إضافة لاستيائها من عدم تلبية الأسد مطالبها بالعملية السياسية الخاصة بآستانه وليس بـ(جنيف-1)».

 




مدير معهد الشرق الأوسط للشؤون الاستراتيجية الخبير الاقتصادي الدكتور سامي نادر

 


 
تداعيات «قيصر»على سوريا
كثيرة هي التداعيات المتوقعة من قانون قيصر، ولعل النتائج المباشرة لهذا القانون ستكون بشكل محدد ضرب الاقتصاد السوري وتراجع سعر صرف الليرة مقابل الدولار، إضافة إلى اضطرابات معيشية واهتزازات اجتماعية.
وفي هذا السياق، أكد مدير معهد الشرق الأوسط للشؤون الاستراتيجية الخبير الاقتصادي الدكتور سامي نادر، لـ«المجلة»أن «ما ينتظر سوريا صعب جدا، كالوضع الذي يعيشه الشعب الإيراني وهو يتفاقم اليوم مع العقوبات على قطاع الملاحة».
وأشار نادر إلى أن «قانون قيصر سوف يؤدي إلى قطع التجارة عمليا بين سوريا وسائر دول العالم لأن أنظمة العالم هي أنظمة موجهة. وبالتالي، فإن عقوبات من هذا النوع تعني أنها ستطال شرائح كبيرة من الاقتصاد السوري نظرا لأن العقوبات ستطال كل فرد يتعامل مع النظام أي إن الاقتصاد السوري برمته تقريبا سيكون تحت مرمى العقوبات الأميركية ليشمل قطاعات حيوية حتى إن المصرف المركزي السوري لن يكون بمنأى عنها»، لافتا إلى أن «العقوبات الأميركية بدأت بشكل تدريجي فبدأت بفرض العقوبات على الأفراد ومن ثم توسعت إلى أجهزة معظمها أمني ومن ثم بعض الشركات، أما اليوم فتوسعت لتشمل أركان النظام الاقتصادي، المالي والعسكري».
كما رأى نادر أن «هذه العقوبات سوف تترجم بداية بأزمة دواء في سوريا وأزمة مازوت، إضافة إلى انهيار الليرة السورية التي تجاوزت اليوم 3000 ليرة للدولار الواحد، في وقت كانت قبل الحرب السورية 60 ليرة وارتفعت في عز الحرب إلى 500 ليرة، عدا عن شبه انهيار القطاع الصناعي بسبب تدمير كامل النسيج الصناعي مع تدمير حلب خاصة»، مؤكدا أن «ما ينتظر سوريا كارثة كبيرة قد تصل إلى أزمة جوع، لا سيما وان النظام كان يراهن هذا العام على موسم زراعي إلا أنه لم يكن على قدر التوقعات».
وشدّد نادر على أن «سوريا في وضع من الانهيار تام وإعادة الإعمار لم تبدأ ولا أمل حتى أن تبدأ في المستقبل القريب».
كما رأى نادر أن «الإدارة الأميركية تريد تنحي الأسد عن الانتخابات المقبلة، مشيراً إلى أن روسيا رفعت الغطاء عن الرئيس السوري، لأن الروس أجندتهم مختلفة عن الأجندة الإيرانية وهي بدأت تصطدم في أكثر من مناسبة، لافتا إلى أن الروس يريدون قطف ثمار استثمارهم في سوريا ويريدون نافذة على البحر المتوسط، وأن يكونوا شركاء في مسألة النفط وأن يكون لديهم وجود جيو-اقتصادي. أما الإيرانيون فلديهم أجندة عسكرية مختلفة، إذ يريدون تهديد أمن إسرائيل، إضافة إلى محور الممانعة وغيرها».
وعن تداعيات «قيصر»على لبنان، وصف نادر الأمر بوحدة المسار والمصير، قائلا إن «لبنان مرتبط بشكل عضوي بما يحدث في سوريا، لأن الأزمة واحدة لكنها على اقتصادين وفي بلدين»، مشيرا إلى أنه «عند أزمة شح الدولار في سوريا عمدوا إلى سحب العملة الصعبة من لبنان عبر السوق السوداء، وهو أحد الأسباب التي أدت إلى أزمة الدولار لبنانيا، إضافة إلى سحب الودائع المصرفية السورية من المصارف اللبنانية بضغط من الأسد لتشكيل نوع من الاحتياطي من العملة الصعبة في المصارف السورية، عدا عن التهريب غير الشرعي للبضائع المدعومة من المصرف المركزي اللبناني بالعملة الصعبة، بمعنى أنه يتم تهريب الودائع اللبنانية إلى سوريا، وهو أمر خطير جدا»، مشيرا إلى أن «متابعة السلطات اللبنانية لملف التهريب إلى سوريا وإغلاق بعض المعابر لا ينطلي على الإدارة الأميركية لأنها تدرك جيدا أن التهريب لا يزال قائما وبقوة، وبالتالي الإدارة تترقب النتائج وتنتظر الجوع المحتم للبلدين».