مخيمات الفلسطينيين في لبنان

بين حصار حزب الله وعودة الأمن بعد سنوات من الاقتتال
أرسلت السفارة الإيرانية حافلة مساعدات لأبناء المخيم، فقام عدد من الشباب لا ينتمون إلى أي تنظيم، وبشكل عفوي، باعتراض الحافلة وطردها من المخيم ورفض تسلم المساعدات
مع بداية الحرب السورية والتحولات في القضايا الإقليمية لم يستطع ابن المخيم الفلسطيني أن يغض النظر عن الجرائم التي ارتكبتها إيران والنظام السوري وحزب الله بالشعب السوري
الشارع الفلسطيني كما الشارع اللبناني منقسم بين مؤيد للنظام السوري وإيران تاريخياً، ومعارض للتدخلات الإيرانية ودور حزب الله العسكري في المنطقة
* بكير: لا مبرر لوجود مسلحين تابعين للحزب داخل مخيماتنا، والسؤال هنا: هل يخطط الحزب للاستفادة منهم في المستقبل؟ 
* النفور كبير من قبل الفلسطينيين لحزب الله منذ تدخله في الحرب السورية، خصوصاً بعد تضييقه على الفلسطينيين داخل المخيمات

بيروت: بين حق العودة وتصفية الحسابات، عاش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان عقودا من الصراعات مع محيطهم اللبناني أحيانا وبين الفلسطينيين أنفسهم الذين ينتمون لتنظيمات مختلفة عقائديا وآيديولوجيا أحيانا أخرى. من دورهم الرئيسي في الحرب الأهلية اللبنانية في سبعينات القرن وما تبعها من حرب المخيمات والمجازر التي ارتكبت بحق اللاجئين من قبل عدة أطراف لبنانية وسورية وإسرائيلية، إلى الصراع داخل المخيمات وأبرزها معركة مخيم نهر البارد شمالي لبنان بين الجيش اللبناني، وتنظيم «فتح الإسلام» عام 2007، والذي أدّى إلى تدمير المخيم بشكل كامل واشتباكات دامية راح ضحيتها العديد من اللاجئين الذين يقطنون المخيم. 
 
وفي مخيم عين الحلوة في مدينة صيدا، جنوبي لبنان، أكبر المخيمات الفلسطينية في لبنان، عاش أبناء المخيم جولات عنف واشتباكات دامية لعدّة سنوات، بين تنظيمات مسلحة بعضها مدعوم من تنظيمات إسلامية متشددة كتنظيم القاعدة وداعش وجبهة النصرة، أو محاور إقليمية كالنظام السوري وإيران، وبعضها مدعوم من الفلسطينيين أنفسهم. 
هذا الواقع المرير الذي دفع ثمنه اللاجئون الفلسطينيون من تصفية حسابات داخلية وحسابات لا ناقة لهم فيها ولا جمل وكلّها تحت راية «القضية الفلسطينية» جعلت من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين التي تمتد من شمال لبنان إلى جنوبه مرورا بالبقاع وبيروت، بؤرا للفقر والحرمان وملجأ آمنا للخارجين عن القانون والمطلوبين للدولة اللبنانية من لبنانيين وفلسطينيين، إضافة إلى انتشار المخدرات بين شباب المخيم للهروب من الواقع المرير والبطالة المتفشية والتفلت الأمني والسلاح المنتشر.
 
البؤس والحرمان والانتظار القاتل لعودة بعيدة المنال، والحقوق الضائعة بين الصراعات والصفقات هو واقع المخيمات في لبنان التي تعيش هدوءا منذ أشهر لم تشهد مثيله منذ سنوات، ولكن ما السبب وراء هذا الهدوء الذي يمكن أن ينفجر في أي لحظة بإطلاق قنبلة من هنا أو تنفيذ عملية اغتيال ضدّ أحد القيادات لتعود الأمور إلى نقطة الصفر ويعود الحديث عن تحريك الخلايا النائمة وتصفية الحسابات؟

 




الباحث الفلسطيني الدكتور هشام دبسي


 
الهموم الاقتصادية دعّمت الاستقرار الأمني
مدير مركز «تطوير»للدراسات الاستراتيجية والتنمية البشرية، والباحث الفلسطيني الدكتور هشام دبسي، يرى في حديث لـ«المجلة» أنّ «ترميم العلاقات بين السلطة الفلسطينية في رام الله والنظام السوري بعد طول خلاف وانقطاع انعكست على المخيمات الفلسطينية في لبنان وتحديدا بين الأطراف المتصارعة التي أصبح لعلاقتها نمط جديد وفاقي بعيدا عن التناحر، ومعادلة الوفاق الراهنة أنتجت وفاقا أمنيا ووضعت حدا لصراع المحاور وللمجموعات المنتمية لها بكل أشكالها».
وأضاف دبسي: «تعيش المخيمات اليوم في هدوء داخلي بسبب اختلاف المعادلة السياسية، فمثلا في مخيم عين الحلوة ومخيم المية ومية، وعلى الرغم من أنّ المجموعات التي كانت تتقاتل سابقا والتيارات الإسلامية المتشددة لا زالت موجودة وقادتها لا يزالون داخل المخيمات إلاّ أننا لم نشهد أي معركة منذ زمن، وهذا دليل على أن التطورات السياسية التي حصلت من مصالحة بين النظام السوري ومنظمة التحرير انعكست استقرارا داخل المخيمات، على الرغم من التشدد من قبل السلطة اللبنانية في إغلاق المخيمات على الصعيد الأمني إلاّ أننا لم نشهد أي ردة فعل من قبل الفصائل التي كانت تتحرك سابقا ضدّ أي تشدّد أمني على المخيمات».

 




مسؤول الحركة الإسلامية المجاهدة وأمين سرّ القوة الإسلامية في عين الحلوة الشيخ جمال خطاب


من جهة أخرى، رأى مسؤول الحركة الإسلامية المجاهدة وأمين سرّ القوة الإسلامية في عين الحلوة الشيخ جمال خطاب في حديث لـ«المجلة» أنّ «أبناء المخيمات أصبح لديهم المزيد من الوعي والتفاهم بين العناصر التي كانت تتقاتل سابقا، خصوصا بعد تسليم عدد من الذين كانوا يفتعلون المعارك للدولة وتفكيك بعض المجموعات من قبل قيادة عمل مشتركة داخل المخيم، والدافع الإضافي لهذا الهدوء هو الواقع الاقتصادي الذي يعيشه لبنان وأزمة كورونا أيضا».
وأضاف: «أيضاً بعض المجموعات التي كانت تذهب للقتال في سوريا خفت دورهم، فحزب الله مثلا لم يعد يحتاج إلى العناصر الفلسطينية التي كان يجندها لمساندته في الحرب السورية، وتعيش المخيمات اليوم علاقة إيجابية مع المحيط اللبناني، وهناك تأثيرات إيجابية لبعض الأحزاب اللبنانية التي لها علاقات تاريخية مع الفلسطينيين على الوضع داخل المخيمات». 
 
وعن الشارع الفلسطيني وانتماءاته قال خطاب: «الشارع الفلسطيني كما الشارع اللبناني منقسم بين مؤيد للنظام السوري وإيران تاريخيا، وبين معارض للتدخلات الإيرانية ودور حزب الله العسكري في المنطقة. ولكن يبقى القرار واضحا أن أي شخص يخلّ بالأمن داخل المخيمات سيتم تسليمه إلى السلطات الأمنية».  

 




عناصر منظمة التحرير في مخيم عين الحلوة

 


 
بين حزب الله والفلسطينيين من التأييد الكامل إلى النفور 
الاختلاف في الانتماءات بين أبناء المخيمات الفلسطينية تعود أسبابه لعدّة عناصر، فبعض المخيمات التي تقع في مناطق جغرافية داخل المربعات الأمنية لحزب الله مثل مخيم برج البراجنة في الضاحية الجنوبية لبيروت ومخيم الرشيدية في مدينة صور الجنوبية، يعيش أبناؤها خصوصية تختلف عن أبناء المخيمات في الشمال أو في مدينتي بيروت وصيدا. فالحرب السورية بالطبع كان لها تأثير كبير على المزاج الشعبي الفلسطيني، فبعد حرب يوليو (تموز) والتأييد المطلق لحزب الله، انقسم الفلسطينيون على وقع الحرب السورية بين مؤيد للحزب ومعارض له، أمّا أبناء المخيمات التي تقع في نطاق يسيطر عليه حزب الله فهم الذين يعيشون منذ سنوات في تلاحم مع بيئة حزب الله، وبنوا العلاقات العائلية والاقتصادية والتجارية مع محيطهم، يعيشون اليوم خناقا وتضييقا من قبل حزب الله، فمع بداية الحرب السورية وبحسب مصدر رفض ذكر اسمه من داخل مخيم برج البراجنة روى لـ«المجلة» كيف منع حزب الله خطيب جامع من إكمال خطبة الجمعة، التي كان يتحدث فيها بالسياسية، ونصرة الشعب السوري، وأثناء خطبة الشيخ وصل أمر منحزب الله منعه من إكمال خطبته. على اعتبار أنّ ما يقوله لا يوافق عليه الحزب. وهذا جزء من المضايقات اليومية التي تعرّض لها أبناء المخيم منذ بدايات الحرب السورية.
حمل حزب الله راية «المقاومة» منذ نشأته، وعمل على إقصاء كل حركات المقاومة التي أنشئت في لبنان إبان الاحتلال الإسرائيلي، كـ«جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» التي أسسها «الحزب الشيوعي اللبناني»، وبات للحزب السيطرة الكاملة على الشريط الحدودي مع فلسطين المحتلة. وبعد تحرير لبنان باتت القضية الفلسطينية المحور الأساسي في خطابات الحزب وباتت الوعود تتكرر على مرّ السنوات بتحرير فلسطين واقتراب العودة، وآخر تلك الوعود كانت في مناسبة يوم القدس العالمي في مايو (أيار) الماضي، حيث قال أمين عام حزب الله، حسن نصر الله: «سنصلي في القدس ونحن اليوم أقرب ما نكون إلى تحريرها»، هذه الوعود عندما كانت تقع سابقا على مسامع فلسطينيي لبنان كانت ترتفع معها صيحات النصر، والأمل باقتراب الفرج، ولكن بعدما خاض حزب الله كل حروبه في المنطقة من سوريا إلى اليمن والعراق، وكذلك اجتياح بيروت يوم 7 مايو 2008، باسم فلسطين والقدس، وأعلن صراحة أنّ طريق القدس تمرّ بسوريا، وربط مساندة القضية الفلسطينية بموالاة إيران التي خاضت وحزب الله حرب تجويع وقتل وتنكيل وتهجير الشعب السوري، باتت وعود نصر الله تتحول إلى نكات على منصات التواصل الاجتماعي بين الفلسطينيين واللبنانيين كما حصل مؤخرا.


إذن خسر حزب الله على مرّ السنوات التعاطف والتأييد الكامل الذي كان يحظى به في المخيمات الفلسطينية، فانتزعت صور نصر الله من على جدران المخيمات، وأسدلت رايات النصر التي كانت ترفرف على أسطح المباني البائسة، وباتت النقمة والنفور لقتل شعب أعزل باسم قضية سامية تسيطر على مزاج الشارع الفلسطيني.
ولكن كما فعل حزب الله في لبنان وسوريا والعراق واليمن، فعل في المخيمات الفلسطينية، جنّد الشباب الفلسطيني، باسم القضية وبدعم المال والسلاح والحماية، دعم تنظيمات مسلحة، مثل «أنصار الله»، وحركة «حماس»، ليعزز التشرذم بين أبناء المخيمات، وعندما تدعو الحاجة تتحرك تلك الجماعات لإحداث معركة من هنا، أو اغتيال قيادي من هناك... وكل هذه الممارسات تقابلها برامج متلفزة وخطابات ومطولات في حبّ فلسطين والولاء لقضيتها، والعمل على تحريرها، ونشرات أخبار تبث مقاطع مصورة لتوزيع المساعدات العينية على أبناء المخيمات!
وفي هذا السياق، أكد مصدر آخر لـ«المجلة» أنّ «منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح نأت بنفسها عن الصراعات الإقليمية والصراعات الداخلية في لبنان واتخذت موقفا حازما بغطاء من السلطات اللبنانية وعدّة أطراف لم تكن تسمح سابقا باتخاذ إجراءات حاسمة لوقف المعارك، لإعادة الاستقرار الأمني إلى داخل المخيمات بعدما شهدت عدّة مخيمات فلسطينية في لبنان معارك متتالية من قبل تنظيمات متطرفة وتنظيمات مدعومة من المحور الإيراني السوري. فالضربة الكبرى التي تلقتها الجماعات المتطرفة في سوريا والعراق، أنهم كانوا يأخذون أوامرهم من قياداتهم في سوريا والعراق لتنفيذ أجنداتهم وتصفية حساباتهم داخل المخيمات فتراجعت قدرات هذه المجموعات في المخيمات.
أيضا هناك أطراف أخرى تأتمر من إيران والنظام السوري كجماعة أنصار الله، ومجموعات يتمّ تمويلها من الداخل الفلسطيني وتحديدا من حركة حماس، فهناك مجموعات كانت تتلقى السلاح والعتاد المتطور والغذاء وكل أنواع الدعم من حركة حماس، والهدف هو إضعاف منظمة التحرير.

 




حاجز الجيش اللبناني عند مدخل مخيم عين الحلوة
 

 


وفي مخيم المية ومية، شرقي مدينة صيدا، افتعل أنصار الله إشكالات، مما أثار الخلاف بين حزب الله ومنظمة التحرير، وحصلت لقاءات رسمية بين الطرفين، وخرج حزب الله من هذه المعركة مهزوما وحاول حفظ ماء وجهه».
وتابع المصدر وهو مسؤول في منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، فضل عدم ذكر اسمه، أنه «لا شكّ أنّ الهدوء الأمني الذي تعيشه المخيمات الفلسطينية يعود إلى الوعي في المجتمع الفلسطيني وعند لجان الأحياء داخل المخيمات وهم لعبوا دوراً أساسياً في استمرار الاستقرار الأمني الذي نعيشه، كذلك كان للأزمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان وقع قاس على اللاجئين في المخيمات وأيضا جائحة كورونا فبات الشغل الشاغل لأهالي المخيمات هو تأمين قوتهم اليومي وحماية أنفسهم من المستقبل المجهول الذي ينتظرهم، وكثر ممن كانوا منخرطين سابقا في المجموعات التي كانت تشارك في المعارك يحاولون تنظيف ملفاتهم في الدولة اللبنانية ليفتحوا صفحة جديدة ويبدأوا مسيرتهم العملية للانخراط مجددا في المجتمع».
وعن استغلال حزب الله للوجود الفلسطيني في لبنان وقضية فلسطين، تساءل المصدر: «لماذا لم تتخذ الدولة اللبنانية أي موقف تجاه السلاح داخل المخيمات الفلسطينية، خصوصا أنّ الرئيس محمود عباس صرّح خلال زيارته الأخيرة إلى لبنان في عام 2017، أنّه يرفض وجود السلاح بيد الفلسطينيين في المخيّمات وخارجها، معتبرا أن «من حق الحكومة اللبنانيّة أن تسحب كل السلاح الفلسطيني على أراضيها من منطلق أن الفلسطينيين في لبنان في حماية ​الجيش اللبناني​ والحكومة». إلا أنّ هذا الموقف اللافت لم يدفع الدولة اللبنانية للقيام بأيّ خطوة باتجاه سحب السلاح، بل بقيت في موقع المتفرّج على انفجار الوضع الأمني في المخيّمات عند كل محطّة واستحقاق».
وأضاف: «هناك أحزاب وأطراف سياسية خارج وداخل لبنان ترفض البحث في سحب سلاح، وتحديدا حزب الله، والمحور الإيراني السوري الذي يعلم أن سحب السلاح من داخل المخيمات الفلسطينية هو مقدمة لسحب سلاح الحزب. وأيضاً المخيمات الفلسطينية بالنسبة للحزب والنظامين الإيراني والسوري، هم ورقة ضغط يمكن استخدامها لتحسين نقاطهم في عدد من الجبهات.
حتى إنّ تنظيم هذا السلاح لم تبحث به الدولة اللبنانية بالشكل المطلوب، إلاّ أنّ منظمة التحرير تؤكد دائما أنّ المخيمات يجب أن تكون تحت سيادة الدولة اللبنانية وبالتالي عملت على تنظيم هذا السلاح، ويمكننا التأكيد بأنّ 70 في المائة من السلاح داخل المخيمات بات منظماً». 
وعن الانقسام داخل المخيمات الفلسطينية قال المصدر: «الشارع الفلسطيني في لبنان عاش تقلبات مزاجية كما باقي أبناء العالم العربي، ففي حرب تموز 2006 ناصر الشارع الفلسطيني حزب الله المقاوم في وجه إسرائيل، ولكن مع بداية الحرب السورية والتحولات في القضايا الإقليمية لم يستطع ابن المخيم الفلسطيني أن يغض النظر عن الجرائم التي ارتكبتها إيران والنظام السوري وحزب الله بالشعب السوري، خصوصا مع ارتفاع منسوب الطائفية والمذهبية في المنطقة، وأحداث مخيم اليرموك في سوريا، والمجازر التي ارتكبت بحق الفلسطينيين في المخيمات السورية... هذه الوقائع دفعت بجزء كبير من الشارع الفلسطيني برفع نقمته بوجه حزب الله، وتبديل نظرته بالحزب الذي بات بالنسبة لكثير من فلسطينيي لبنان حزبا ميليشياويا ينفذ أجندة إيران وقاتل الشعب السوري... حتى إنّ هناك حادثة وقعت في مخيم عين الحلوة، عندما أرسلت السفارة الإيرانية حافلة مساعدات لأبناء المخيم، فقام عدد من الشباب وهم لا ينتمون إلى أي تنظيم، وبشكل عفوي باعتراض الحافلة وطردها من المخيم ورفض تسلم المساعدات، ومنذ دلك الوقت أصبح حزب الله أو السفارة الإيرانية إذا أرادوا إرسال مساعدات يرسلونها عبر مجموعات تابعة لهم أو عبر حركة حماس لتوزيعها على المقربين منهم. وبالمناسبة نسبة المساعدات تراجعت كثيرا عن السابق وباتت المساعدات قليلة جدا وليس كما يحاول هذا المحور الترويج دائما».

 




احدى المقاهي المحيطة بمخيم برج البراجنة والتي يملكها احد عناصر حزب الله


 
حزب الله «المدافع الشرس» عن القضية الفلسطينية يخنق فلسطينيي المخيمات
الجميع يعلم أنّ لحزب الله «دويلة» داخل الدولة اللبنانية، ومربعات أمنية تحت سلطة كاملة من حزب الله يمنع اختراقها حتى من قبل أجهزة الدولة اللبنانية، وحده مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين «السنّة» يخرق المربع الأمني لحزب الله فهو يقع بين الضاحية الجنوبية لبيروت ومنطقة الأوزاعي التي تقع أيضا تحت سيطرة الحزب وتربط بيروت بجنوب لبنان. كذلك فإن فالمخيم يمكن أن يكون بيئة حاضنة للجماعات المتطرفة التي تعادي حزب الله، على اعتبار أن هذه الجماعات لديها قدرة على استقطاب المهمشين والفقراء، كذلك فإن المخيم الذي يقطنه فلسطينيون «سنّة» لم يخفوا تعاطفهم مع الشعب السوري، والشعوب العربية ضدّ الأهداف الإيرانية التي ينفذها حزب الله.
إذن كل هذه المؤشرات دفعت بالحزب إلى تشديد الخناق على مخيم برج البراجنة الذي يعتبر بحسب مصدر مطلع أنّ «المخيم بالنسبة للحزب هو عائق أمني أمام ربط الضاحية الجنوبية بمنطقة الأوزاعي وهي المنطقة التي تربط بيروت بالساحل الجنوبي، لذلك عمل حزب الله على محاصرة المخيم من ثلاثة مواقع:
البوابة الأولى: تمتد من حارة حريك إلى أسفل الجسر في طريق المطار وهذا الموقع الجغرافي تحوّل إلى منطقة أمنية جميع الاستثمارات والمحال التي توجد فيه هي لأشخاص تابعين لحزب الله، دورهم مراقبة التحركات، والداخلين والخارجين، والتحرك عند اللزوم.
البوابة الثانية: عند طريق المطار ومن أعلى الجسر، وهناك يقع أضخم حاجز للجيش اللبناني في المنطقة. 
والبوابة الثالثة من الجهة الجنوبية للمخيم عند مستشفى الرسول الأعظم وهي حاجز كبير لحزب الله. 
كذلك ينشر حزب الله حوالي المخيم نقاط «إكسبرس» لبيع القهوة يملكها مخبرون من الجنسيتين الفلسطينية واللبنانية ودورهم المراقبة لأي تحركات تحصل على مداخل المخيم، ومع بداية الحرب السورية عمل حزب الله على تسيير دوريات سريّة منظمة داخل المخيم، بحجة رصد خلايا نائمة لتنظيم داعش».
ويضيف المصدر: «ليس لدى حزب الله السيطرة الفعلية داخل المخيم لأنّه لا يستطيع تجنيد ما يحتاج من الفلسطينيين ليبسط سيطرته، لذلك يستخدم حركة حماس ويضع المخبرين ليراقب كل ما يدور داخل المخيم. ويتعامل مع حماس كأنها (العين والأذن) داخل المخيم والباب لدخول المخيم متى يشاء.
كذلك لدى حزب الله إحصاءات أجراها في بداية الحرب السورية بالتعاون مع حركة حماس، لعدد سكان المخيم وولاءاتهم السياسية».

 




احدى الحواجز التي يضعها حزب الله على مدخل مخيم برج البراجنة ويدقق بالداخلين والخارجين منه


ولفت المصدر إلى أنّ «النفور كبير من قبل الفلسطينيين لحزب الله منذ تدخله في الحرب السورية، خصوصا بعد تضييقه على الفلسطينيين داخل المخيمات بعد التفجيرات التي حصلت في قلب الضاحية الجنوبية وتوجيه الاتهام إلى فلسطينيين من داخل مخيم برج البراجنة بتنفيذها، هذا التضييق دفع بعشرات العائلات المقيمين داخل المخيم بالنزوح إلى مخيمات أخرى أو الهجرة من لبنان.
وفي هذا السياق أكد مسؤول إعلام حركة فتح في منطقة بيروت، حسن بكير لـ«المجلة» أنّه «منذ زمن استطاع حزب الله تشكيل مجموعات تحت اسم (سرايا المقاومة) داخل المخيمات الفلسطينية في بيروت كمخيم شاتيلا وهم بالعشرات، وفي مخيم برج البراجنة العدد مضاعف نسبة لعدد سكان المخيم، ويبرر حزب الله تجنيد وتسليح شباب فلسطينيين داخل المخيمات هو للحفاظ على الأمن، لأن أي تعكير في أمن المخيم ينعكس مباشرة على المربع الأمني لحزب الله في الضاحية الجنوبية، ولكن بالنسبة لنا لا مبرر لوجود مسلحين تابعين للحزب داخل مخيماتنا، والسؤال هنا: هل يخطط الحزب للاستفادة منهم في المستقبل؟ كذلك وجود تنظيم أنصار الله في مخيمات بيروت ومدّهم بالمال والسلاح والدعم، وهو تنظيم توجهه غير فلسطيني وأهدافه تنفيذ الأجندة الإيرانية داخل المخيمات، يطرح حوله الكثير من علامات الاستفهام».
وأضاف بكير: «بالطبع بين حركة فتح وحزب الله خلاف متجذر، يعود لدعم حزب الله لحركة حماس التي أفشلت المشروع الوطني الفلسطيني وقيام دولة فلسطين وعملت على فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية وتحويلها إلي إمارة إسلامية، على الرغم من اختلاف المذهب الديني بين الحزب وحماس التي تتبع الإخوان المسلمين، وهنا يكمن النفور الدائم بين فتح والحزب الذي ينفذ الأجندة الإيرانية من خلال دعم الشرخ بين الفلسطينيين».
وشرح بكير: «على الصعيد الشعبي ذاق أبناء مخيم برج البراجنة تحديدا استفزازات وحصارا لمخيمهم على خلفية تعاطفهم مع الثورة السورية، إضافة إلى التضييق والتحريض الذي مورس عليهم أثناء التفجيرات التي وقعت في الضاحية الجنوبية عامي 2013 و2014، وهذا ما أوقع العديد من الإشكالات بين قاطني المخيم وجيرانهم ودائما عملنا على تهدئة الأوضاع لعدم الانجرار إلى فتنة أكبر.
وفي الوضع الراهن وعلى الرغم من حدوث إشكالات يومية بين الشباب الفلسطيني واللبنانيين إلاّ أن حزب الله يعمل بشكل فوري على منع أي توتر بين الجهتين لأن مصلحته لا تقتضي تفجير الوضع بين بيئته والمخيمات، ولكن نعلم في المستقبل حين تقضي مصلحته افتعال حوادث أمنية داخل المخيمات أنّه سيحرك خلاياه والتنظيمات التي يدعمها.
كذلك الأمر بالنسبة لتسليم السلاح الفلسطيني حين رفض هذا الأمر عندما طرحه الرئيس محمود عباس في زيارته إلى لبنان، ولكن عندما تصب مصلحة حزب الله بتسليم هذا السلاح سيكون أول المطالبين بتسليمه». 
إذن على الرغم من اتخاذ القرار بتحييد المخيمات عن النزاعات الدائرة في المنطقة، فإنه وبالتأكيد لا يمكن فصل الفلسطينيين الذين يقطنون المخيمات في لبنان عن الواقع والتغيرات الإقليمية، والتخوف الدائم بأن تعود المخيمات ساحات لتصفية الحسابات، خصوصا من قبل إيران وحزب الله اللذين اعتادا الرقص على جثث شعوب المنطقة لتنفيذ أهدافهما التقسيمية والاستعمارية.