سلاح حزب الله

* هناك أسئلة بحاجة إلى أن يطرحها اللبنانيون بصراحة ليعرفوا ما هي الأسباب التي جعلت حزبا يستبيح سيادة واستقلال البلد؟ لماذا وكيف أصبح حزب الله بهذه القوة؟ كيف استوعب البلد وسيطر عليه؟ كيف تخلت الدولة عن دورها لصالح حزب مسلح؟ أية قوانين أوصلت الدولة إلى أن تكون ملحقة بحزب؟

فجاءة لا أحد من «أخصام»حزب الله، من الذين استفاضوا على مدى عقد ونيف بشرح مدى خطورة السلاح الميليشياوي وتعارضه مع السيادة والاستقلال، أي منذ عام اغتيال الرئيس الحريري وحتى يوم التسوية التاريخية التي أفضت بانتخاب عون رئيسا، يتناول مسألة سلاحه اليوم، لا بل العكس تماما، يقولون إن التوقيت غير مناسب لطرح هذا «الشعار»- يعتبرونه شعارا طبعا- وهو، يضيفون، قد يحذف الأنظار عن الأهم: الأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية الضاغطة.
كل فريق سياسي لديه حساباته وأسبابه الخاصة في دعوة المتظاهرين لعدم تناول سلاح حزب الله أهمها معرفته المسبقة بأن طموحه في توليه أي منصب متقدم في الدولة لن يتحقق إن لم ينل رضا مرشد الجمهورية اللبنانية حسن نصر الله. ثم هناك اعتقاد عند البعض بأن حل مشكلة سلاح حزب الله سيأتي من الخارج يوماً ما، إما من خلال حرب إسرائيلية تنهي تلك المسألة على غرار اجتياح 1982 واقتلاع منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، التي بالمناسبة كانت قد عادت إليها لولا فيتو حافظ الأسد يومها، وإما من خلال العقوبات الأميركية التي من شأنها أن تضعف حزب الله وتنهي سطوته على البلد، فينفرط عقده.
يرون ويهللون لما يجري في العراق أو في إيران من تضحيات بالدم من قبل من يعترض أو يسعى إلى تغيير النظام في بلاده، يدعمون «الثورة»في سوريا ولكنهم يرفضون الأخذ بهذا المنحى في لبنان. 
لماذا؟
لأن لبنان «فريد»في تكوينه ولا يشبه أي بلد آخر وأن العنف لن ينفع إلا في تدمير هذا «النموذج».
يكتفي هؤلاء بالتزمر فقط، أي بالترجمة العملية للنهج المتبع من قبل «أخصام»حزب الله، ما يريدونه هو مشاركته في الحكم.
 
وعندما يُسأل هؤلاء: كيف تشاركون حزباً أصبح مصنفاً إرهابياً من قبل الغرب والخليج رئتي لبنان الاقتصاديتين؟ يقولون مشكلة حزب الله عالمية ولا قدرة لنا على معالجتها، فليفرض الأميركيون مزيداً من العقوبات، أو لينقض الإسرائيليون على أعدائهم من بوابة الجنوب، لكن من دون أن يعرض لا هذا ولا ذاك لبنان «الدولة»إلى مخاطر، ساعتئذ يزول «التعايش»وتضيع «الصيغة»،وينتهي «النموذج»اللبناني؛ هبة الله للإنسانية جمعاء.
 
لبنان«النموذج»يعيش أزمات سياسية وأمنية خطيرة وعسكرية واقتصادية ومالية متتالية منذ أن دخل السلاح الحياة السياسية اللبنانية، لبنان في عزلة عالمية بسبب هذا السلاح المتنقل في المنطقة. أما في الداخل فهو سبب احتقان طائفي يدفع البلد إلى نوع من عنف مناطقي قد ينزلق يوما إلى حرب أهلية. وللتاريخ هذه ليست أولى الأزمات الخطيرة التي تمر على البلد منذ مائة عام على تأسيسه.
لذا موضوع السلاح هو أول وأهم موضوع يجب أن يطرح، ليس فقط كشعار لمظاهرة ما، إنما كإحدى المشاكل الأساسية التي تعترض قيام دولة أياً كان شكلها، وتمنع تطبيق القانون مهما كان نوعه، وتشجع على الفساد والزبائنية كنهج للحياة. نقد النظام وسيئاته أساسي اليوم، ليس لأن سلاح حزب الله هو سبب الأزمة الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي نعيش، إنما لأنه نتيجة لهذا النظام الطائفي الفاشل.
هناك أسئلة بحاجة إلى أن يطرحها اللبنانيون بصراحة ليعرفوا ما هي الأسباب التي جعلت حزبا يستبيح سيادة واستقلال البلد؟ لماذا وكيف أصبح حزب الله بهذه القوة؟ كيف استوعب البلد وسيطر عليه؟ كيف تخلت الدولة عن دورها لصالح حزب مسلح؟ أية قوانين أوصلت الدولة إلى أن تكون ملحقة بحزب؟ هذه وغيرها من الأسئلة التي بحاجة لأجوبة إن كان هناك نية لإعادة بناء الدولة.
هذا هو المدخل الأساسي لأي نقاش سياسي في البلد. أي شيء آخر هو مجرد مضيعة للوقت بانتظار نشوء مجموعة أخرى بنفس مواصفات حزب الله، تعيد معه التاريخ الأسود الذي نعيش.