«فرق تسد»... سياسة شب عليها الأسد وشاب

* هل يكون انشغال النظام ومعه الروسي والإيراني بتبعات تطبيق «قانون قيصر»، عائقا أمام اتباعه مجدداً سياسة فرق تسد، أم أنه حتى الآن ما زال قادراً على خلق الفتن والانقسامات التي يعتاش عليها منذ خمسين عاما؟

«فرق تسد»، مصطلح سياسي عسكري اقتصادي يعني تفريق قوة العدو أو الخصم وتشتيتها مما يسهل التعامل معه، ولطالما قرأنا عن استراتيجية «فرق تسد»التي استخدمها الاستعمار ليحقق أطماعه في منطقة ما، كالبريطانيين في الهند، والفرنسيين في أفريقيا، وإسرائيل في فلسطين والدول العربية، لا بل هذا الشعار ارتبط أكثر بذاكرتنا نحن السوريين على أنه الاستراتيجية التي اتبعتها القوى «الإمبريالية والرجعية»للسيطرة على بلادنا.
وقد يكون الأمر صحيحا، فلكل أطماعه ومصالحه، ولكلٍ استراتيجيته في التعامل مع الدول الأفقر والأضعف، ولكن أكثر من طبّق هذه الاستراتيجية في سوريا كان نظام الأسد الأب والولد لتثبيت دعائم حكمهما.
منذ اندلاع الثورة السورية، لم يتوقف النظام يوما عن اتباع سياسة فرق تسد بين السوريين، فبينما كان السوريون يهتفون «الشعب السوري واحد»، كان النظام في كل يوم يبتكر أسلوبا وطريقة جديدة لخلق فتنة بين المناطق السورية وبين أبناء المنطقة الواحدة من مذاهب متنوعة. وقد نجح في أكثر الأوقات، بسبب العنف غير المسبوق المستخدم تحديدا ضد أبناء الطائفة السنية، كما ساعده لاحقا ظهور مجموعات متطرفة تبنت خطابا طائفيا لم يخدم إلا النظام نفسه واستراتيجيته التفريقية.
من أكثر المتضررين من سياسة فرق تسد كانت محافظتا درعا والسويداء، فخلال السنوات التسع الماضية لم يترك النظام فرصة لإحداث شرخ بين المحافظتين إلا واستغلها، لا بل إنه عمل على خلقها في أكثر الأوقات. وهذه السياسة بين المنطقتين ليست جديدة، بل تعود لسنوات سبقت انطلاق الثورة، حتى إن الحوادث التي جرت في بادية السويداء في العام 2000 أطلق عليها النظام «حوادث البدو»لخلق فتنة دائمة يُمسك هو بخيوطها.
منذ بداية الثورة التي انطلقت من درعا، وانضمت إليها مدن وبلدات المحافظة، استغل النظام البعد الطائفي والديني، ليخلق شرخا بين درعا ذات الأغلبية السنية والسويداء ذات الأغلبية الدرزية، فوضع حواجز وثكنات عسكرية في بعض مناطق السويداء واتخذها منطلقاً للهجمات العسكرية ضد درعا، وعندما كان يتبع ذلك رد على مصدر النيران من قبل الجيش الحر، كان النظام يستغل الأمر ليحرض طائفيا ومناطقيا بين أبناء المحافظتين.
شاركت السويداء في الثورة في بداياتها، وانطلقت فيها عدة مظاهرات، واشتهر نشاط المحامين الأحرار في السويداء الداعم للثورة، كما شارك أهلها بتقديم الدعم الإغاثي للنازحين من بطش الأسد من محافظة درعا، إلا أنه ومع دخول الثورة مرحلة العسكرة، لم يعد من حراك يُذكر في السويداء، ولكن التزام الحياد هو الطابع الذي غلب على المحافظة وأهلها، وقُدر عدد الرافضين والمتخلفين عن الانضمام للخدمة العسكرية وقوات النظام في المحافظة بأكثر من خمسين ألف شاب.
عندما لم يستطع النظام اختراق بنية المحافظة بشكل كبير استعان ببعض أزلامه من لبنان الذين حاولوا تأسيس ميليشيات طائفية تحت اسم «قوات سلمان الفارسي وقوات أبو إبراهيم »،إلا أن شباب المحافظة لفظوا هذه التشكيلات بل وطردوا من استعان به بشار الأسد من جرمانا ومن السويداء عندما حاول أن يتحدث بسوء عن الثورة السورية.
في العام 2014 بدأ اسم الشيخ وحيد البلعوس، أحد مشايخ الدروز في السويداء بالظهور، أسس حركة عُرفت بـ«رجال الكرامة»، كان سقف مطالبها بأغلبه الإصلاح ومحاربة الفساد، وعدم الزج بشباب الطائفة الدرزية بالمعارك الحاصلة بين النظام والمعارضة خارج نطاق المحافظة.
وانتشر اسم البلعوس بعد محاولة جبهة النصرة الدخول إلى القرى الدرزية، خلال معركة الداما آنذاك (الداما قرية تابعة للسويداء) بين جبهة النصرة وقوات النظام، والتي شارك فيها الشيخ البلعوس وشباب من السويداء إلى جانب النظام، ليخرج البلعوس بعدها متهماً قوات النظام بالانسحاب تاركا شباب السويداء يقاتلون وحدهم.
توالت بعدها اعتراضات البلعوس ومعارضته للنظام، وإعلانه مرارا رفضه الزج بشباب الموحدين الدروز للقتال إلى جانب النظام والميليشيات الإيرانية، وبدأ البلعوس ينتقل بخطابه من المحلي المذهبي إلى الوطني، فاغتاله النظام في سبتمبر (أيلول) 2015.
مؤخراً، صدرت دراسة عن «المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونيّة»، و«مركز دراسات الجمهوريّة الديمقراطيّة»، بعنوان: «التوظيف في الصراعات الضدّيّة: سلطة الأسد»، و«تنظيم داعش في محافظة السويداء»، وخلصت هذه الدراسة إلى أن نظام الأسد «وظف وجود داعش في محافظة السويداء عبر إخافة مجتمع السويداء بإفلات توحّش داعش، ومن ثم استثمار وجوده لإخماد حركات الاحتجاج في المجتمع واستنزاف قوة الفصائل الأهليّة فيه بهجمات التنظيم»، كما تحدثت عن التنسيق بين السلطة والتنظيم من خلال إمداد سلطة الأسد لداعش بالسلاح عبر ميليشياتها والمهرّبين المرتبطين بها.
في شهر يوليو (تموز) 2018، ارتكبت داعش سلسلة تفجيرات إرهابية في مناطق عدة في محافظة السويداء راح ضحيتها نحو 250 مدنيا، وخلال هجمات داعش لم يرسل نظام الأسد أي قوات لردع التنظيم ووقف هجماته، بل اكتفى طيرانه بقصف خطوط الاشتباك دون أي تأثير يُذكر على سير الهجوم.
قبل هذا الهجوم الإرهابي بنحو شهرين، وبموجب اتفاق بين داعش من جهة وممثلين عن نظام الأسد وإيرانيين وتنظيمات فلسطينية محلية في مخيم اليرموك، وبرعاية روسية، انتقل نحو 1600 مقاتل من داعش، من جنوبي دمشق إلى شرقي السويداء لينضموا إلى بضع مئات من مقاتلي التنظيم كانوا موزعين في شرق السويداء. 
مؤخراً أيضاً، تخطت محافظتا درعا والسويداء فتنة مذهبية، ارتفعت وتيرتها بسبب عصابات الخطف التي نشطت خلال الثورة، وهي عصابات تربطها علاقات مع النظام وتعمل تحت أعينه دون أي محاولة لوضع حد لها.
وعلى الرغم من أن روسيا حاولت الإيحاء دوما بأنها تلعب دور الوسيط للتهدئة كلما وقع خلاف بين أبناء السويداء من جهة والنظام أو فصائل موالية لروسيا من جهة، إلا أنها في الواقع كانت تحاول دوما أن تمسك خيوط الفتنة لتحركها عندما تقتضي هي ذلك. 
اليوم تستعيد الثورة نبضها الأول انطلاقا من السويداء، يخرج شبابها مطالبين بإسقاط النظام ومطلقين هتافات تحيي الثوار في كل أنحاء سوريا، لترد لها درعا وإدلب وغيرهما من المناطق السورية التحية، وليخرج السوريون رافعين شعارات مؤيدة لمطالب أهالي السويداء، وليرفع مجددا شعار الشعب السوري واحد. فهل تعلّم جيل جديد من الثوار من الأخطاء التي ارتكبت بحق الثورة سابقا؟ وهل يكون انشغال النظام ومعه الروسي والإيراني بتبعات تطبيق «قانون قيصر»، عائقا أمام اتباعه مجدداً سياسة فرق تسد، أم أنه حتى الآن ما زال قادراً على خلق الفتن والانقسامات التي يعتاش عليها منذ خمسين عاما؟
 
على السوريين الحذر، فمن شب على شيء شاب عليه، والأسد الابن شاب على ما شب عليه أباه.