الجميل لـ«المجلة»: لم أعين ميشال عون بل عينت المجلس العسكري

أول حديث خاص وشامل مع الرئيس اللبناني منذ تركه الحكم

* لا علاقة لتسليح الجيش بالأزمة الاقتصادية وسبب انهيار الليرة خروج المقاومة من لبنان 

* دفعت ثمناً غالياً مقابل ذهابي لدمشق في اليوم الأخير من ولايتي

* الرئيس الأسد كان يرغب في إيجاد حل للأزمة، لكن العوامل الخارجية كانت أكبر منا ومن سوريا

* أرفض الزعامة الوراثية لحزب الكتائب

باريس: قبل سنتين، كان الرئيس اللبناني السابق أمين الجميل لا يزال في قصر الرئاسة في بعبدا. وكان لبنان يعيش حمى التحضير لانتخابات رئاسية، وكان السؤال على كل شفاة: هل ينتهي العهد من دون رئيس، أم ينتهي من دون جمهورية؟ 

وانتهى العهد من دون رئيس. وبقيت الجمهورية. وكانت سابقة في تاريخ لبنان المستقل. لكنها لم تكن السابقة الوحيدة في عهد الرئيس الجميل الحافل بالسوابق: أول رئيس حزبي يحكم لبنان، أصغر رئيس يدخل القصر الجمهوري (كان آنذاك في الأربعين)، أول رئيس تجري في عهده مفاوضات رسمية بين لبنان وإسرائيل وتنتهي برفضه إبرامها رغم موافقة المجلس النيابي عليها، أول رئيس يعقد في عهده عدد قياسي من لقاءات القمة (بلغ عددها 12) مع الرئيس السوري حافظ الأسد الذي قال عنه في إحدى المناسبات: إنه أفضل رئيس للجمهورية عرفه لبنان... إلى آخر ما هنالك من سوابق. 

وخرج الرئيس الجميل من بعبدا، وخرج من المنطقة الشرقية. وأمضى فترة تتجاوز السنة في الجامعات الأميركية يرتاح من عناء الهم السياسي، في هدوء البحث الجامعي. وعاد قبل فترة إلى باريس ليتابع منها اتصالاته السياسية، ويحضر، كما يقول، مشروعاً سياسياً يصلح قاعدة للتلاقي بين اللبنانيين عندما يتعب المتقاتلون ويلقون السلاح. 

وطوال هذه الفترة، تناول الكثيرون عهد الرئيس الجميل، كل من موقعه المؤيد أو المعارض، وتعرض للاتهامات الشخصية والسياسية، فيما انبرى سياسيون ومحازبون إلى الدفاع عنه، والرد على الحملات التي شنت عليه. وانصرف المستشارون إلى رواية مذكراتهم حول الأحداث التي قالوا إنهم شاركوا في صنعها إلى جانبه. كل ذلك، والرئيس الجميل حريص على الابتعاد عن الأحاديث الصحافية، باستثناء تصريحات قليلة وعدد من المقالات التي نشرها في صحف أجنبية، آخرها مقال عن الأزمة اللبنانية، كتبه في صحيفة «الموند»الفرنسية.

وهذا الحديث الذي خص به «المجلة»هو الأول الشامل الذي يتناول فيه المحطات التاريخية البارزة من ولايته: من علاقاته مع سوريا واتصالاته مع الرئيس الأسد، إلى اتفاق 17 مايو (أيار) وظروف توقيعه وعدم إبرامه، إلى الدور الأميركي في لبنان في عهده، وعلاقاته التي توصف بالمتميزة مع المقاومة الفلسطينية، فالوضع الاقتصادي وأسباب انهيار الليرة اللبنانية، فضلاً عن موقفه من سياسة حزب الكتائب في ظل قيادته الحاضرة، ومن التأثير الذي تمارسه «القوات اللبنانية»على قرارات هذه القيادة. على أن الموضوع الوحيد الذي فضل الرئيس الجميل عدم الخوض فيه هو الحرب الدائرة في المنطقة الشرقية بين رئيس الحكومة العسكرية العماد ميشال عون وبين قائد «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع. معتبراً إياها حرباً عبثية لا معنى لها، غير أنه كان لا بد أن يبدأ الحديث معه من حيث انتهت ولايته، أي من المرسوم الأخير الذي وقعه وقضى بتعيين عون رئيساً للحكومة العسكرية. 

وفيما يلي الحوار مع الجميل تنشره «المجلة»على حلقتين؛ هنا الأولى منهما.

 



الجميل والعماد عون في عرض عسكري

 

* يرى البعض في قرارك الأخير في نهاية الولاية بتعيين العماد عون على رأس الحكومة العسكرية لملء الفراغ الدستوري مقدمة للأزمات والحروب التي انفجرت في لبنان بعد ذلك، ما هي الأسباب التي حملتك على اتخاذ هذا القرار؟ وهل كان القرار الوحيد المتاح في ذلك الوقت؟

- من الخطأ اعتبار كوني عينت العماد ميشال عون رئيساً للحكومة، فأنا عينت المجلس العسكري كحكومة متضامنة من أجل تأمين انتخاب رئيس جديد، وإدارة شؤون البلاد ريثما يتم هذا الانتخاب، منعاً لأي فراغ. وعملاً بالدستور اللبناني، فإن الحكومة الانتقالية، لدى فراغ سدة الرئاسة، تعمل بصورة متكافلة متضامنة. ولا حقوق أو صلاحيات مميزة لأحد أعضاء هذه الحكومة على حساب الأعضاء الآخرين، بمن في ذلك الرئيس، الذي تقتصر مهمته على الدعوة إلى الاجتماعات وترؤس هذه الاجتماعات، بينما القرارات يجب أن تؤخذ بالتوافق، لقد كان الهدف إذن تأمين المرحلة الانتقالية من خلال حكومة متضامنة، وليس من خلال رئيس للحكومة. ولا بد هنا من أن نتذكر الظروف التي تم تأليف هذه الحكومة فيها، والتي كانت دقيقة جداً، فقد استحال انتخاب رئيس جديد للجمهورية رغم كل المحاولات، ومنها محاولة مع الرئيس الأسبق شارل حلو من أجل تأليف الحكومة الانتقالية، وحاولنا بعد ذلك مع الوزيرالسابق والنائب بيار حلو الذي يتميز بعلاقته الوثيقة مع كل القيادات والأطراف اللبنانية، والذي لم يتمكن أيضاً من تأليف حكومة. وفي الوقت ذاته كان هناك مسعى مهم مع الرئيس سليم الحص لكي تستمر حكومته في تحمل مسؤولياتها، إنما طلبنا من الرئيس الحص تعديل هذه الحكومة التي كانت قد فقدت التوازن بعد افتقاد الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل، وكان لا بد من تصحيح عدم التوازن قبل تكليفها تأمين المرحلة الانتقالية، بحيث يتم تصحيح التمثيل المسيحي في مقابل وجود الوزيرين وليد جنبلاط، ونبيه بري فيها، كي لا يؤدي التكليف إلى رفض تام من جانب القيادات غير الممثلة في الحكومة. 

لكن الرئيس الحص رفض الطلب لأسباب أجهلها، ولم يتفهم هذا الموضوع وأصر على الاستمرار في حكومة كانت ستؤدي لو تم تكليفها إلى تقسيم البلاد، لسبب رفض فئة كبيرة من الناس التعاون معها، لأنهم يعتبرون أنها لا تمثلهم. بعد كل هذه المحاولات، وجدنا أنفسنا أمام مأزق وبدأت التفكير في الطريقة التي يمكن اعتمادها لتأمين المرحلة الانتقالية. فواجبي الوطني ومسؤولياتي الدستورية كانت تفرض علي تشكيل حكومة. وأنا بطبيعتي رجل مؤسسات، وعملت دائماً من خلال المؤسسات الدستورية، وضد الحلول العشوائية وحلول الأمر الواقع. وكان من الطبيعي أن يكون توجهي نحو مؤسسات وطنية ودستورية تجمع كل الفئات. وكانت هناك مؤسسات كثيرة لها هذه الصفة، لكن كان ضرورياً أن تختار مؤسسة تستطيع حماية نفسها في مواجهة الميليشيات وقوى الأمر الواقع. ووقع الخيار على المجلس العسكري، وهو مؤسسة وطنية وكان قد تشكل من قبل حكومة الرئيس رشيد كرامي وبموافقة الرئيس الحص، وكان هذا المجلس يحظى بثقة كل الفئات على الساحة اللبنانية وكان مكوناً من 6 ضباط في الجيش، يمثلون كل الأطراف اللبنانية ولهم علاقات مع كل الفئات. وهذا ما حمى الجيش لفترة طويلة من الصراعات الدائرة على الساحة اللبنانية. وكان ذلك سبب تكليف المجلس العسكري بشكل متضامن. وصلاحية الأعضاء هي من ضمن إطار الحكومة المتضامنة، ولا صلاحية لأحد الوزراء العسكريين على حساب الآخر، ولا امتياز لأي منهم- بمن فيهم الرئيس- على حساب الوزراء الآخرين، وهذا من ضمن القوانين المرعية في لبنان. وكان هذا الحل في نظري هو الأفضل من أجل الحفاظ على وحدة البلد وعلى وحدة المؤسسات وعقد الحوار مع الجميع من أجل تأمين انتخاب سريع لرئيس جمهورية جديد وعودة المؤسسات الدستورية والشرعية. وقبل الإقدام على هذه الخطوة اتصلت شخصياً بأعضاء المجلس العسكري وأبلغت إليهم رغبتي في أن يصبح المجلس العسكري هو الحكومة الانتقالية. ولم يعترض أحد منهم، فاعتبرت على ضوء ذلك أن هذا هو الحل الأنسب، خصوصاً أن لهم علاقات طبيعية مع الإخوان السوريين، وكان بالإمكان أن يستمروا في الحوار مع سوريا التي كانت تلعب دوراً أساسياً في تلك المرحلة لكن ما حصل أنه بعد تكليف المجلس العسكري إدارة البلاد، كحكومة انتقالية متضامنة في اليوم الأخير من ولايتي، سمعت عبر الإذاعة في اليوم التالي أن الوزراء المسلمين الثلاثة اعتذروا. وكانت هذه الاستقالة في رأيي عملاً غير مسؤول دفع البلاد إلى شفير الهاوية، خاصة أن هذا الحل هو الوحيد والأمثل الذي يؤمن مصلحة الجميع ومصلحة لبنان. كما أن هذه الاستقالة كانت السبب في تحول الحكومة إلى وزارة فئوية تتصرف قسراً بطريقة شبه ديكتاتورية على الساحة اللبنانية بسبب فقدان التوازن.

 

* هل كان يمكن أن يشكل بقاء الوزراء المسلمين الثلاثة في الحكومة ضمانة- في رأيك- ضد ما حصل، سواء ما سمى «حرب التحرير»أو في المعارك التي دارت بعد ذلك في المنطقة الشرقية؟

- بمعزل عن الأشخاص، فإن حكم الشورى هو دائماً الأفضل. والقرارات التي تتخذ داخل مجلس يمثل كل الأطراف ويدلي كل منهم بوجهة نظره، تأتي عادة نتيجة شورى في القرار، خصوصاً عندما لا يستطيع أحد أن ينفرد بهذا القرار. كما تعكس هذه القرارات نوعاً من التوازن هو أساس الحكم في لبنان. ولسوء الحظ، لدى غياب الوزراء المسلمين افتقد التوازن، والشورى، ودفعت البلاد باتجاه المغامرة.

 



الرئيس الجميل يتحدث إلى الزميل إلياس حرفوش

 

 

الحكومة الانتقالية 

* هل كان لا بد من أن يكون رئيس الحكومة الانتقالية مارونيا. مع أن التقليد يقضي بأن يكون رئيس الحكومة عادة من الطائفة السنية؟

- هناك سابقة وقعت سنة 1953، عندما كلف الرئيس فؤاد شهاب، الذي كان آنذاك قائداً للجيش، من قبل الرئيس المستقيل بشارة الخوري بترؤس حكومة انتقالية لتأمين انتخابات رئاسية جيدة. وفي ذلك الوقت وافقت كل الأطراف اللبنانية واعترفت بتعيين الرئيس شهاب، وأقرت بهذه السابقة. ورغم ذلك حاولنا مع الرئيس الحص كما قلت ولم نفلح، ولم يعد أمامي سوى تعيين المجلس العسكري. وكما ذكرت سابقا فإنني لم أعين أشخاصا ولا صلاحية لرئيس الحكومة سواء كان مسلما أو مسيحيا، فقد كلفنا المجلس العسكري ككل وبشكل متكافل ومتضامن وشاءت الصدف أن يكون رئيس المجلس العسكري مسيحيا، لكن هذا الخيار كان الوحيد المتاح أمامي.

 

* ينظر البعض في المنطقة الشرقية وخارجها إلى دورك في حزب الكتائب على أنه خاص باعتبارك ابن مؤسس الحزب والوريث الشرعي الوحيد لزعامة العائلة، وتدخل هذه النظرة في إطار المفهوم التقليدي للزعامة اللبنانية، وهناك معترضون على هذا الدور، كما أن هناك مطالبين به، هل توافق على أن لك دورا خاصا في زعامة حزب الكتائب وفي الزعامة المارونية؟ وكيف تحدد هذا الدور؟

- أعترض على طرح السؤال بهذا الشكل، فمن الهرطقة السياسية بعد كل هذه السنوات من الحرب، الحديث عن زعامة وراثية أو تقليدية على الساحة اللبنانية، لأن الحرب قلبت كل المقاييس، وأفرزت نمطا جديدا من العمل السياسي، وطروحات جديدة وقيادات جديدة، وفي رأيي أن تقويم القائد السياسي يجب أن يتم على أساس أعماله ونهجه وبرنامجه، أكثر من الكلام على زعامة تقليدية.

 

* هل يمكن أن نفهم من ذلك أنك لا ترى دورا خاصا في إعادة النظر في سياسة الحزب وفي مسيرته في الظروف الحاضرة؟

- من الصعب فصل أمين الجميل عن مسيرة حزب الكتائب، لكنني بطبيعتي أرفض منطق السلاح والدم، وقد رفضت دائما أن أسقط في لعبة الدم في لبنان، لذلك عندما اتخذت اللعبة هذا المنحى الخطير والمدمر والانتحاري فضلت أن أبقى بعيدا وأن لا أنغمس فيها، إنما لا يعني ذلك أنني كنت متفرجا من دون أن أقوم بأي مسعى، فقد حافظت على الاتصال بالقيادات التاريخية في الحزب في الداخل، وكنت في الخارج أعمل دائما من خلال محاضرات وكتابات واتصالات مع الجاليات اللبنانية، ونسعى لبلورة مشاريع من الخارج تساعد على حلول في الداخل، لأن أي عمل من الداخل بات صعبا في الظروف الحاضرة بسبب تعطل لغة المنطق، ولأن الداخل أصبح أسيرا للعبة الدم.

 

حزب الكتائب

* ما رأيك في سياسة القيادة الحالية لحزب الكتائب؟ وهل صحيح أنك على خلاف مع هذه القيادة؟

- من نتائج الحرب اللبنانية أنها أفرزت نهجا جديدا على الساحة اللبنانية، هو نهج لم نتعود عليه في لبنان، ولا يعكس التقاليد اللبنانية بالشكل الذي نريده، فقد أفرزت هذه الحرب منطق البندقية وشريعة الغاب، وانقلبت كل المقاييس في اللعبة السياسية، وتسللت من خلال ذلك المصالح الأجنبية إلى لبنان، وهكذا فإن البندقية التي انطلقت في البداية من أجل الدفاع عن النفس انقلبت على أصحابها وأصبحت وسيلة بيد بعض المصالح الأجنبية، وقد أثر منطق البندقية على كل المؤسسات الوطنية والحزبية، ومنها حزب الكتائب الذي كان إحدى ضحايا الحرب اللبنانية، فالمؤسف أن حزب الكتائب «تعسكر»، وبعد أن «تعسكر»، فقد مصداقيته، وتعطلت الديمقراطية فيه، وبات مطية وأسيرا للبندقية. أما الآن وبالرغم من أن البعض لا يوافقني على ذلك، فلا أزال أرى أن لحزب الكتائب دورا أساسيا في جمع الشمل في لبنان، وقد لعب دورا بارزا في عدة مراحل من تاريخ لبنان من أجل هذا الهدف، وفي سبيل توطيد الوحدة الوطنية. وكان الحزب مثلا بعد أحداث 1958 العنصر الأساسي الذي ساهم في مصالحة اللبنانيين وفي إعادة جمع الشمل وفي ترميم العلاقات اللبنانية-العربية، كما كان له دور رئيسي في الحوار بين المقاومة الفلسطينية وفئة كبيرة من اللبنانيين وكذلك بين لبنان وسوريا. وفي الوقت الحاضر، فإن دور الكتائب معطل بسبب الجو السائد في البلاد. 

ومن هذا المنطلق يجب إعادة النظر في نهج هذا الحزب، فالمطلوب وقفة تأمل ونقد ومراجعة ذاتية، ومن الضروري مشاركة القيادات التاريخية في الحزب في هذه المراجعة، وهي موجودة وقادرة على إجراء هذه المراجعة، وعلى إعادة تنظيم الحزب، على أساس الديمقراطية والحرية، ولعل منطق البندقية لا يزال الآن هو المسيطر، إنما لا بد أن تنتهي هذه المرحلة وأن يعود الحزب إلى الدور الذي لعبه على مدى أربعة عقود، في سبيل توطيد الوحدة الوطنية وترسيخ العلاقات مع الأسرة العربية.

 

* ألا ترى أن قيام «القوات اللبنانية»يؤدي في النهاية إلى ما أدى إليه، وهو سيطرتها بصورة كاملة على المؤسسات التاريخية للحزب؟

- بكل صراحة، أقول إن الذين يعرفون حزب الكتائب على مدى تاريخة الطويل يعتبرون أن الحاصل على الأرض الآن لا علاقة له بحزب الكتائب، فهناك قيادات في حزب الكتائب وفي «القوات»لا تزال لديها روحية الحزب، ولكنها إما مغلوبة على أمرها أو إنها فقدت الميزان الذي كان يميز حزب الكتائب، وهكذا فإن المؤسسات الموجودة الآن على الأرض ليست هي المؤسسات التي يعرف الناس حزب الكتائب من خلالها، أو تعرّف عنها من خلال حزب الكتائب، لكن لا بد لهذه القيادات التاريخية أن تعي مسؤوليتها الوطنية والحزبية، وأنا على قناعة أنه رغم كل ما أصاب حزب الكتائب فهو لا يزال المؤسسة القادرة على جمع شمل اللبنانيين، لأن أي مؤسسة مسيحية لم تستطع أن تحل محل هذا الحزب وهذا أحد مسببات الكارثة الحاصلة على الساحة المسيحية، فدور المهدئ الذي كان يلعبه الحزب أصبح مفقودا.

 

التحدي الإسرائيلي

* ما هي الأسباب التي حالت دون دفع قيادات كتائبية و«قواتية»إلى الواجهة تلتقي مع هذا التصور وعلى حساب القيادات الأخرى، وذلك خلال فترة ولايتك؟

- عندما تسلمت الرئاسة كانت أمامي تحديات كثيرة، كان هناك التحدي الإسرائيلي والتحدي الإيراني، والإشكالات مع إخواننا الفلسطينيين والحوار- الصراع بيننا وبين الإخوان السوريين، وكانت هذه التحديات هاجسي طيلة مدة الرئاسة، وكان من واجبي أن أخصص وقتي لهذه الشؤون الوطنية على حساب الشؤون الحزبية. وكما لاحظت في نهاية العهد فإن هذا الاهتمام بشؤون الدولة، كان على حساب المؤسسة الحزبية التي دفعت في النهاية الثمن بالشكل الذي نعرفه.

 

* على ماذا تتوقف ظروف عودتك إلى بيروت؟

- تركت بيروت لأنني أرفض الخضوع لشريعة الغاب وأرفض التعاطي مع السياسة اللبنانية انطلاقا من هذه الصراعات الداخلية العبثية، لذلك اعتبرت أنني يمكن أن أفيد لبنان من الخارج أكثر مما لو كنت في الداخل، فأي عمل سياسي في ظل البندقية سيكون من دون جدوى، وأعتقد أن بلورة أفكار برنامج جديد لحل مشكلة لبنان هي الأهم في الوقت الحاضر، لذلك قررت أن أغيب لفترة عن الساحة، وأن أحضّر برنامجا سياسيا متكاملا انطلاقا من خبرتي ومعاناتي، ومن التجربة التي مرت بها البلاد طيلة السنوات الست التي قضيتها في الحكم وهذا العمل ليس شخصيا أو فرديا، بل عمدت إلى مشاورة العديد من القيادات الموجودة في الخارج من كل الطوائف كي يأتي هذا المشروع وطنيا، وليس شخصيا أو فئويا، لأنه بعد أن يتعب المتقاتلون فلا بد من أن يكون هناك مشروع قابل للتنفيذ يشكل قاعدة للتلاقي بين اللبنانيين؟

 

حملات سياسية

* ما هو ردك على الاتهامات القائلة إن هناك فرصا ضاعت خلال الولاية وكان يمكن الاستفادة منها بطريقة أفضل للمساهمة في حل الأزمة؟

- من الصعب أن يقيم إنسان سياسته وأن يقول إن هناك فرصا ضاعت، أو إن هناك فرصا كان يمكن الاستفادة منها بصورة أفضل، غير أن هناك مثلا يقول: إن الحرب بالنظارات سهلة. فأنا تركت الرئاسة، والفرص لا تزال هي ذاتها. وهناك فرص تعيد نفسها. فهل تبين مثلا بعدما تركت الرئاسة أن أحدا غيري استفاد من هذه الفرص؟ وهل تبين أنه كان هناك خطأ من قبل أمين الجميل في التعاطي مع الأزمة وجاء غيره وقام بما هو أفضل؟ 

ومن جهة ثانية، تم بذل جهد استثنائي منقطع النظير من خلال اتفاق الطائف وساهمت فيه المساعي الخيرة التي قام بها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز الذي أحب لبنان من كل قلبه، وكان لي العون الأساسي طيلة فترة ولايتي واستمر في هذه العاطفة وبالفعالية نفسها لمحاولة حل الأزمة اللبنانية، وكانت جهودا جبارة وإمكانيات طائلة وظفت في محاولة إيجاد مخرج لهذه الأزمة وأظهرت هذه الجهود التعقيدات والصعوبات في الوضع اللبناني.

 

* هناك من يقول إن الانهيار الكبير الذي حصل في عهدك في قيمة الليرة اللبنانية يعود إلى صفقة السلاح التي عقدتها مع الولايات المتحدة لتسليح الجيش اللبناني، لماذا لم تتخذ في ذلك الوقت الوسائل المناسبة لحماية النقد اللبناني والمحافظة على سلامة الوضع الاقتصادي؟

- من السخف ربط الانهيار الاقتصادي بقضية تسلح الجيش اللبناني لأن هذا التسلح كان على أقساط طويلة الأجل لم تكن قد استحقت بعد عندما انهارت الليرة اللبنانية، لا بل كنا في أول فترة الحكم نسدد سندات العهد السابق عهد الرئيس إلياس سركيس لكن تدهور الليرة حصل بسبب الخسائر الجسيمة التي حلت بالاقتصاد اللبناني على إثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان واحتلال بيروت، وهي خسائر قدرت بالمليارات، وهناك دراسات قام بها عدد من المؤسسات المالية والاقتصادية العربية تؤكد حجم الأضرار التي لحقت بلبنان في تلك الفترة وبالإضافة إلى ذلك هناك انسحاب المقاومة الفلسطينية من لبنان وتعلمون تماما الإمكانيات المالية التي كانت لدى المقاومة في المصارف اللبنانية ومصالحها الضخمة التي تهجرت إلى الخارج خلال أسبوع واحد، مما شكل ضربة كبرى للاقتصاد اللبناني ولا يعقل بالطيع أن يربط لبنان اقتصاده بوجود المقاومة الفلسطينية ونحن الذين كنا دائما نعترض على إنشائها بنية فلسطينية تحتية في لبنان، إنما أن يحصل هذا الانتقال المفاجئ والسريع من دون تمكين الدولة اللبنانية من اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتأمين مرحلة انتقالية أو بسد هذا الفراغ فهذا أدى إلى زعزعة الاقتصاد اللبناني.

 

* في المقال الأخير الذي نشرته في صحيفة «الموند»ركزت على البعد الخارجي من الأزمة اللبنانية، وكأنك تعطيه الأولوية على الخلاف الداخلي بين اللبنانيين، هل تعتقد من خلال تجربتك في الحكم أنه يمكن معالجة البعد الخارجي للأزمة من دون معالجة الخلاف الداخلي بالدرجة الأولى، خصوصا أن هذا الخلاف صار يغذي الأدوار الخارجية في لبنان؟

- لا أحد ينكر وجود جيوش أجنبية على أرض لبنان، والتداخل بين العاملين الداخلي والخارجي أصبح متشابكا ومعقدا، كما أصبحت الإرادة اللبنانية الحرة فريسة القوى المتسلطة على المجتمع وألعوبة في يد بعض القوى الإقليمية، لذلك يجب مساعدة لبنان على رفع احتلال القوات غير اللبنانية عن أراضيه، وإعادة بناء وطن حر مستقل، وهو الدور الذي يمكن أن يلعبه خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز بما لديه من هالة ومن نفوذ، ولما يتمتع به من تقدير من قبل قوى عديدة عربية ودولية، ومن خلال ذلك يمكن أن يساعد على تطبيق الاتفاقات الدولية في الجنوب اللبناني وأن يعود إلى لعب دور فعال في الحوار اللبناني-السوري من أجل ترتيب العلاقات وتسهيل الحلحلة الأمنية على الساحة اللبنانية. لأنه طالما أن الوضع على ما هو عليه فكيف يمكن لأبناء الجنوب أن يتحرروا وأن يشاركوا في حوار بناء؟ والجنوب قسم عزيز ومهم من المجتمع اللبناني. وكيف يمكن لأبناء الضاحية الجنوبية أن يعبروا عن آرائهم بحرية بينما هم يرزحون تحت وطأة الواقع الذي تعيشه الضاحية ومناطق أخرى في بيروت؟ وكذلك الأمر في بعلبك وطرابلس ومناطق أخرى. إن من الصعب على الشعب اللبناني أن يستعيد لحمته وهو أسير صراعات ومصالح ودعوات ليس له علاقة بها. إنما هو أداة لها رغما عنه. 

لكل هذه الأسباب، لا يمكن الفصل بين البعدين الداخلي والخارجي للأزمة اللبنانية، إنما هذا لا يمنع أن هناك واجبا على الشعب اللبناني والقيادات اللبنانية. وهو أن تتوصل إلى حد أدنى من التوافق ومن البرنامج الإصلاحي على الساحة اللبنانية. لأنه من دون ذلك تصعب معالجة الشأن الخارجي. وهناك قيادات تاريخية في لبنان ذات حس وطني كبير، ولا يمكن أن تتنصل من هذه المسؤولية. 

 



الرئيسان الجميل والأسد في أحد لقاءاتهما

 

 

العلاقات مع سوريا

* في إحدى المناسبات تحدث عنك الرئيس السوري حافظ الأسد قائلا إنك أفضل رئيس جمهورية عرفه لبنان. وعقد بينكما عدد من اللقاءات واجتماعات القمة يعتبر استثنائيا بالمقارنة مع أي حاكمين آخرين في لبنان وفي سوريا. ومع ذلك استمرت أزمة العلاقات اللبنانية- السورية على حالها. ما هي الأسباب في رأيك؟ وما هو تقييمك للموقف السوري من الأزمة اللبنانية خلال ولايتك؟

- إنني أقدر عاطفة الرئيس الأسد تجاهي وأبادله الشعور نفسه. وكنت أدرك دائما أن الرئيس الأسد يرغب في إيجاد حل للأزمة اللبنانية. وأذكر أننا في فبراير (شباط) 1987، كدنا نصل تقريبا إلى حل نهائي للأزمة بالتعاون مع سوريا. إنما لسوء الحظ كانت تظهر دائما عوامل خارجية، خارجة عن رغبة سوريا وعن رغبتنا، وتعيد العلاقات إلى نقطة الصفر، وكان هناك عاملان أثارا جدلا على مسار العلاقات اللبنانية-السورية؛ العامل الأول هو العامل الإيراني، والمرتبط بالحرب العراقية- الإيرانية واعتبار سوريا أن من الضروري أخذ هذا العامل في الاعتبار. ومن هنا لم يكن بمقدور سوريا أن تؤثر بشكل مباشر على مقاتلي ومسلحي حزب الله الذين كانوا يسرحون ويمرحون على الساحة اللبنانية. وإحدى ظواهر هذا الانتشار الإيراني تتمثل في قضية الرهائن الأجانب التي لم تحل حتى الآن. 

أما العامل الآخر فقد كان صراع سوريا مع منظمة التحرير، ومع السيد ياسر عرفات بالذات، إضافة إلى الصراع الدموي بين المخيمات وأطراف لبنانية وبصورة خاصة حركة أمل. وقد أثر هذا الصراع أيضا على مسار العلاقات اللبنانية- السورية، دون أن ننسى بالطبع الجانب المتعلق بالنزاع الإقليمي الذي كان يشغل سوريا، والتمثيل بصراعها مع إسرائيل، وأعطي مثلا هنا للتدليل على أثر هذه العوامل على حل الأزمة اللبنانية. فقد توصلنا في لبنان وبين أطراف لبنانيين إلى صياغة وثيقة سياسية كانت لبنانية مائة بالمائة. وهى البيان الوزاري لحكومة الرئيس رشيد كرامي سنة 1984. واجتمعنا في الحكومة وتألفت لجنة من الرئيس سليم الحص والرئيس كميل شمعون، وأتى كل منهما بفريق عمل، وانعزلوا في غرفة مغلقة وأقروا هذا البيان. وكان وثيقة تفي الغرض، ولا أزال أعتبرها إلى الآن جديرة بأن تؤخذ في الاعتبار، لأنها تفتح مجالا لتحقيق طموحات كل الأطراف، وتراعي العلاقة اللبنانية-السورية وطريقة معالجة الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب. وبدأنا تطبيق هذا البيان وتوصلنا إلى تنفيذ سبعين بالمائة منه من خلال تعديل قوانين اشتراعية وسن قوانين جديدة. وأمن ذلك استقرارا على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، واستقرارا مماثلا في العلاقات اللبنانية- السورية. وإذا عدتم إلى الوقائع بعد هذا التاريخ تلاحظون أن الذي عطل تطبيق هذا الاتفاق لم يكن الخلاف بين اللبنانيين، إنما كان حرب المخيمات التي عطلت مسيرة السلام. وأذكر أن الرئيس الأسد دعا في ذلك الوقت إلى اجتماع ضم القيادات الإسلامية الدينية والسياسية لمعالجة موضوع المخيمات. وكان المخرج لهذه الحرب هو الكلام مجددا عن الإصلاحات السياسية. أي إن وثيقة الرئيس رشيد كرامي ذهبت ضحية حرب المخيمات. ونظرا لصعوبة حل هذه المشكلة حصل تمييع لها عن طريق طرح مشكلة بديلة، هي الغوص مجددا في وثيقة الوفاق الوطني المعتمدة في البيان الوزاري لحكومة الرئيس رشيد كرامي سنة 1984.

 

* لكن خصومك في ذلك الوقت كانوا يقولون إنهم انسحبوا من الحكومة وقاطعوها بسبب عدم الالتزام الجدي بتنفيذ الإصلاحات السياسية التي كان منصوصا عليها في البيان الوزاري؟ 

- كما قلت سابقا، عندما انفجرت حرب المخيمات وعشية المؤتمر الذي أشرت إليه والذي عقد في دمشق، كانت الحكومة بصدد تنفيذ الاتفاق وتطبيق بنود البيان الوزاري وآخر اجتماع عقدناه في بكفيا بحضور نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام، اتخذ فيه قرار بإلغاء بعض المراسيم الاشتراعية، وكان خطوة من خطوات تطبيق البيان الوزاري. ولم يكن قد حصل أي خلاف داخل الحكومة قبل حرب المخيمات. غير أنه كان لا بد من كبش محرقة لهذه الحرب، وكان أمين الجميل هو كبش المحرقة المفضل. وعلى كل حال، لعل تفسير الأمور يمكن أن يكون خاطئا غير أنه لا يمكن الاختلاف حول الوقائع والتواريخ وهي جازمة من هذا القبيل، وتوضح كيف ومتى تعطل تطبيق البيان الوزاري لسنة 1984. 

 

* المعروف أنك في السنة الأخيرة من الولاية، ساهمت في إعادة أميركا إلى الواجهة من خلال دعوتها إلى المساعدة على حل مأزق انتخابات الرئاسة بالتعاون مع سوريا. لكن هذه المحاولة لم تنجح وانتهت إلى تعقيد الأزمة بعد فرض أميركا لمرشح واحد للتفاهم مع سوريا. ما هي خلفية المسعى الأميركي في تلك المرحلة؟ 

- خلاصة الكلام فيما يتعلق بالانتخابات الرئاسية هي أن سوريا كانت في ذلك الوقت قد وضعت مبدءاً وتمسكت به، و هو أنه إما أن يأتي رئيس متفق مع سوريا سلفا على التفاصيل أو أن الفراغ هو البديل. وأيا كانت المساعي والطروحات حول موضوع رئاسة الجمهورية وبصرف النظر عن كل الجدل الخارج عن الواقع والحقيقة، فإن المرحلة أثبتت أن سوريا تمسكت بهذا المبدأ. وكان من الصعب في المرحلة الضيقة التي مررنا بها أن يتبلور هذا التفاهم الكامل بين المرشح وسوريا دون أن يخلق هذا الأمر حساسيات عند أطراف عديدة لبنانية وإقليمية. وأميركا كانت من الدول التي لم توافق سوريا في مرحلة من المراحل على هذا التوجه. 

 

* في ظل هذه القناعة، ماذا كان مبررالزيارة الأخيرة التي قمت بها إلى دمشق في اليوم الأخير من ولايتك؟

- كنت أدرك تماما أن أي حل سنجده لملء الفراغ الرئاسي، خارج انتخاب رئيس جديد، سيكون كارثة على البلاد. وكان هاجسي أن لا أترك الرئاسة دون إجراء انتخابات رئاسية. كما كان من واجبي أن أسعى حتى آخر لحظة تجاه ضميري، وتجاه التاريخ لإيجاد حل لمعضلة الانتخابات. وبقيت اتصالاتي قائمة مع الجميع بما فيهم سوريا. ولمست في الآونة الأخيرة أنه ربما إذا عقدنا اجتماعا مع الرئيس الأسد، يمكن أن نبلور حلا وننتخب رئيسا جديدا في اللحظة الأخيرة من الفترة المتبقية. ولعب الرئيس حسين الحسيني دورا في هذه الاتصالات. وذهبت إلى دمشق ضمن هذا التوجه، وتبين فيما بعد أنه كان من المستحيل الوصول إلى حل خاصة أنه مع قرب نهاية الولاية تصاعدت المصالح، وحصلت عوامل عديدة في ذلك النهار، أثناء اجتماعي مع الرئيس الأسد، عقدت الحل، ولم نفلح. لكنني سعيت إلى آخر لحظة وضحيت ودفعت ثمنا مهما وغاليا لذهابي إلى دمشق في اليوم الأخير، لكنني مقتنع بما فعلت. ولو فرض علي هذا الخيار مرة أخرى، فإنني سأتصرف بالطريقة ذاتها دون أخذ مزايدات الشارع في الاعتبار. لأن مصلحة لبنان هي فوق كل مصلحة.

في العدد المقبل:

الرئيس الجميل يتحدث عن: 

* اتفاق 17 مايو (أيار)

* العلاقات مع المقاومة ووثائق السفر الفلسطينية

* الدور الأميركي في الأزمة اللبنانية