اعتداء إيران على أرامكو: قراءة في التقرير الأممي

الأمم المتحدة تؤكد ضلوع طهران في استهداف المنشآت النفطية السعودية

* الهجمات الإرهابية التي شنتها طهران على المنشآت النفطية السعودية في سبتمبر الماضي استمرت نحو 17 دقيقة، واستخدمت فيها 25 طائرة دون طيار و3 صواريخ منخفضة الارتفاع

* لم يمض وقت طويل على الهجوم الإيراني الإرهابي على المنشآت النفطية السعودية إلا وتمكنت السلطات السعودية من التوصل إلى مرتكبي الجريمة، ووجهت المملكة اتهاماتها إلى طهران

* رد الفعل الدولي على الانتهاكات الإيرانية المستمرة يمثل البداية الحقيقية لمنع طهران من الاستمرار في تجاوزاتها وانتهاكاتها ، بل ويلزمها بالانصياع إلى الشرعية الدولية

* إلى متى تستمر طهران في ارتكاب جرائمها دون معاقبة أو رادع يلجم طموحاتها وأحلامها بل وأوهامها في بناء إمبراطورية فارسية تمكنها من الهيمنة والسيطرة على مقدرات المنطقة وثرواتها؟

باكو: لم تكن المرة الأولى التي تسجل فيها تقارير أممية إدانة صريحة بحق طهران وتجاوزاتها المستمرة، ليس فقط في علاقاتها بالجوار الجغرافي وتدخلها المستمر في شؤون دوله، بل وفي ارتكابها لجرائم اعتداء مباشر على المنشآت وتخريبها، فقد كشف التقرير الأخير الذي قدمه الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في الحادي عشر من يونيو (حزيران) الحالي (2020) والوارد في 14 صفحة عن التحقيقات التي أجريت بشأن الهجمات الإرهابية التي شنتها طهران على المنشآت النفطية السعودية في الرابع عشر من سبتمبر (أيلول) 2019 والتى استمرت نحو 17 دقيقة، واستخدمت فيها 25 طائرة دون طيار، و3 صواريخ منخفضة الارتفاع، إذ تضمن التقرير الأممي اتهاماً مباشراً لطهران بضلوعها في تلك الجريمة الإرهابية، فقد أشار إلى أن: «صواريخ كروز التي هوجمت بها منشأتان نفطيتان ومطار دولي في السعودية، العام الماضي، أصلها إيراني... وأن طائرات الدرون المستخدمة في هجمات مايو (أيار) وسبتمبر (أيلول) كانت إيرانية الأصل... وأن عدة قطع ضمن أسلحة ومواد متعلقة بها كانت الولايات المتحدة ضبطتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 وفبراير (شباط) 2020 من أصل إيراني»، وذلك في إشارة إلى مصادرة البحرية الأميركية 150 صاروخا غير شرعي على متن سفينة ببحر العرب إيراني التصميم. كما تضمن التقرير الأممي كذلك إدانة مباشرة لطهران حينما أشار إلى أن: «هذه القطع ربما نُقلت بطريقة لا تتسق مع قرار مجلس الأمن رقم 2231 لعام 2015 المنصوص فيه على الاتفاق بين طهران والقوى العالمية لمنعها من تطوير أسلحة نووية».

وغني عن القول إن ما توصلت إليه لجنة التحقيق الدولية التي شارك فيها خبراء من الأمم المتحدة أكدت في تقريرها على الاتهامات التي سبق أن وجهتها السعودية حينذاك حول مسؤولية طهران عن هذه الهجمات، تلك الاتهامات التي عضدتها التحقيقات الأميركية، وهو ما يستعرضه التقرير من خلال محورين على النحو الآتي:

 

أولا: التقرير الأممى وصحة الاتهامات السعودية

لم يمض وقت طويل على الهجوم الإيراني الإرهابي على المنشآت النفطية السعودية إلا وتمكنت السلطات السعودية من التوصل إلى مرتكبي الجريمة، حيث وجهت المملكة اتهاماتها إلى طهران، كما جاء على لسان تركي المالكي المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية، بقوله: «إن الهجوم على منشأتين لشركة أرامكو لم ينطلق من اليمن، لدينا أدلة على تورط إيران في أعمال تخريب في المنطقة عبر وكلائها... وإن هجوم أرامكو لم يستهدف السعودية فقط بل أيضا المجتمع الدولي وأمن الطاقة»، وقد صاحب هذه الاتهامات صور لبقايا الصواريخ التي استهدفت معملي أرامكو في البقيق وهجرة خريص، لتقدمها المملكة أدلة وبراهين على الجريمة التي ارتكبتها طهران، إذ كشفت هذه البقايا كما أشار المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية عما يأتي:

  • استخدام صواريخ كروز دقيقة من طراز «يا علي» في الهجوم على معملي أرامكو.

  • أن الطائرات المسيرة (عددها 25 طائرة) التي هاجمت المنشأتين استخدمت نظام تموضع متقدماً، وهو ما كان قد أعلن الحرس الثوري الإيراني في فبراير (شباط) 2019 عن امتلاكه طرازا متقدما من هذه الصواريخ والطائرات.

وجدير بالذكر أن السعودية لم تكن الوحيدة التي وجهت الاتهامات إلى طهران بضلوعها في هذا الهجوم، ونفيها بأن تكون جماعة الحوثيين اليمنية وراءه كما أشار إلى ذلك المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية تركي المالكي، حيث أكد على أن التحقيقات الأولية في الهجوم تشير إلى أن الأسلحة المستخدمة إيرانية، وأن مصدر إطلاق الطائرات المسيرة لم يكن اليمن، وهو ما يتفق مع ما ذهبت إلى الادارة الأميركية في اتهامها بضلوع طهران في الجريمة كما أشار إلى ذلك وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو فور وصوله إلى جدة عقب الهجوم، إذ ذكر أن: «الهجوم الذي استهدف منشأتين نفطيتين في السعودية هجوم إيراني لم يكن مصدره الحوثيين وأنه عمل حربي وأن بصمات آيات الله واضحة على الهجوم. وأنه لا إثبات على أن مصدره العراق».

ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل عزز من صحة الاتهامات السعودية آنذاك التقرير الذي نشرته واحدة من أبرز وكالات الأنباء العالمية «رويترز» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، حيث أفاد التقرير بأن الهجوم الذي استهدف شركة أرامكو السعودية نفذ بأوامر من المرشد الإيراني علي خامنئي. وفى السياق ذاته، يذكر أن التقرير كان قد كشف في حينه أنه قبل أربعة أشهر من الهجوم على المنشآت النفطية في السعودية، وتحديدا في مايو (أيار) 2019، كان قد تجمع مسؤولون أمنيون إيرانيون في مجمع شديد التحصين في طهران، وكان بين الحاضرين قيادات عليا في الحرس الثوري، وكان الموضوع الرئيسي كيفية معاقبة الولايات المتحدة على انسحابها من الاتفاق النووي وعودتها إلى فرض عقوبات اقتصادية على إيران، وهما الخطوتان اللتان سددتا ضربة شديدة للجمهورية الإيرانية، وسجل التقرير أن الاجتماع خلص حينذاك إلى أن الاقتراح الأنسب هو استهداف منشآت نفطية في السعودية، وقد عقدت أربعة اجتماعات تالية على الأقل لمناقشة كيفية تنفيذ هذا الاقتراح.

كما نشرت الوكالة ذاتها في يناير (كانون الثاني) 2020 ملخصا للتحقيق الذي أجرته الولايات المتحدة عن الهجمات والذى توصل إلى أنه من خلال العثور على حطام طائرة دون طيار سقطت قبل أن تصل إلى هدفها على بعد 200 كم شمال غربي موقع الهجوم وبالاقتران مع المدى الأقصى المقدر بنحو 900 كيلومتر للطائرة دون طيار من نوع UAV بأن الهجوم قد جاء من شمال بقيق طبقا لتقديرات ومعلومات أجهزة الاستخبارات التي حددت من خلال منظومات الأسلحة المستخدمة في تلك الهجمات مصدر الهجوم بمنتهى الدقة، حيث أشار التقرير إلى أن: «موقع الإطلاق للهجوم كان قاعدة الأحواز الجوية جنوب غربي إيران، على بعد 650 كيلومترا شمال بقيق». هذا فضلا عما أورده التقرير من أدلة أخرى عززت من صدقية الاتهامات، منها:

  • ظهور ملصق ضمن الأسلاك الخاصة بحطام الطائرات دون طيار يحمل اسم شركة سدرة وهي من الشركات المرتبطة بإيران.

  • محرك الطائرة المحطمة يشبه إلى حد كبير أو مطابق تقريبا للطائرات الإيرانية الجديدة.

  • وجود صور للوحة دوائر البوصلة، التي تم انتشالها من الهجوم، وتظهر فيه علامة تشير على الأرجح إلى تاريخ تصنيع محتمل، كتب بالتقويم الفارسي.



الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش

 

ثانياً: التقرير الأممي والسفسطة الإيرانية

لم تكن مفاجأة أن يأتي الرد الإيراني على التقرير الأممي بالنفي، فقد أصدرت البعثة الإيرانية في الأمم المتحدة، بيانا حاولت فيه أن ترد على الأدلة والبراهين المقدمة سواء في التقرير الأممي أو في التقارير السابق الإشارة إليها والتي تؤكد ضلوع طهران في هذه الهجمات، حيث وصف البيان الإيراني التقرير بأنه يتسم بـعدم الدقة، ويحتوي تناقضات جادة، وأنه جاء بموجب ضغوط ما سمته إيران «البترو دولار»، وأن دوافع سياسية تقف وراءه.

والحقيقة أن ما ورد في بيان البعثة الإيرانية ردا على هذا التقرير يكشف أمرين مهمين:

الأول إنه يؤكد على النهج الإيراني في ارتكابها لجميع الجرائم ثم إصدار بيانات تنفي مسؤوليتها، فهذا البيان جاء مكملا للبيان الذي كانت قد أصدرته الخارجية الإيرانية عقب الهجوم لتنفي مسؤوليتها عن الحادث. وإذا كان النفي سياسة إيرانية تنتهجها في كافة تحركاتها الخارجية عقب ارتكابها لأية جريمة، إلا أن الأمر لم يعد مقبولا أو منطقيا. فلا يكفي أن تصدر الدولة بيانا تنفي فيه مسؤوليتها عن جريمة ارتكبتها رغم توافر الأدلة والبراهين، وإنما المطلوب أن تفند طهران هذه الأدلة والبراهين المقدمة في التقارير الدولية من خلال أدلة داحضة أو نافية لما ورد في تقارير الإدانة، وذلك إذا كان لدى طهران ما تستطيع أن تقدمه دحضا لأدلة الاتهام الثابتة بحقها.

ولا يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل إن ما تضمنه التقرير الأممي يمثل إدانة مباشرة كذلك لطهران في انتهاكها الصريح لقرار مجلس الأمن 2231 لسنة 2015، وهو ما يرتب مسؤولية دولية في كنف الدولة الإيرانية، بتأكيد خروقاتها المستمرة للقرارات الدولية، وأن هذه الانتهاكات تمثل ردًا عمليًا وواضحًا على استمرار أكاذيبها فيما ادعته بأن هذا التقرير الأممي جاء بضغوط وتوجيهات أميركية، في حين أن هذا التقرير لم يخرج عن اختصاص الأمين العام المكلف بتقديم تقرير حول تنفيذ القرار 2231 الصادر عن مجلس الأمن الدولي كل 6 أشهر، وأن يكون هذا التقرير شاملا لمضمون الاتفاق وملحقاته. ومن ثم، فالادعاء بأن التقرير جاء خارج سلطة الأمين العام في تقريره الدوري بشأن القرار 2231، ادعاء باطل إذ إن التقرير اعتبر ضلوع إيران في هذه الجريمة يمثل انتهاكا صريحا للقرار وملحقاته.

أما الأمر الثاني، فيتعلق بما يترتب على ما ورد في التقرير الأممي الذي يثبت ارتكاب طهران لجريمتها الإرهابية بالاعتداء على السعودية، إذ إنه من الضروري أن تكون هناك جزاءات رادعة لطهران وأذرعها المنتشرة في المنطقة، وذلك حتى لا تقدم على ارتكاب مثل هذه الجرائم، دون أن تخل هذه الجزاءات بما طالب به الأمين العام للأمم المتحدة الجميع، بضرورة: «تجنب الأقوال والأفعال الاستفزازية التي قد يكون لها أثر سلبي على الاستقرار الإقليمي»، وذلك في إشارة واضحة إلى ما ستحاول طهران وأذنابها إثارته سواء على مستوى التصريحات أو ردود الفعل على هذا التقرير الكاشف عن الانتهاكات المستمرة سواء من جانبها أو من جانب أذرعها في المنطقة، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار ما كانت قد أعلنته جماعة الحوثيين من مسؤوليتها عن هذا الهجوم آنذاك، وذلك كمحاولة منها إلى إبعاد المسؤولية عن طهران، وسعيا إلى إدخال الجريمة في إطار الخلاف الحوثي مع التحالف الدولي الذي تقوده المملكة لاستعادة الشرعية في اليمن، إلا أن هذا التقرير وغيره من التقارير المحلية والدولية كشفت عن أن إيران هي المسؤول الأول عن ارتكاب هذه الجريمة، بدءًا من توفير الأدوات المستخدمة (إيرانية الصنع) وصولا إلى مكان إطلاق الصواريخ والطائرات المهاجمة للأراضي السعودية.

وإلى جانب هذه الجزاءات الدولية، يجب أن لا يمر الموضوع دون تحميل طهران دفع تعويضات عن الخسائر الاقتصادية التي تحملتها السعودية جراء هذا الهجوم، سواء تعلقت هذه الخسائر بالإنشاءات واعادة بنائها، أو بالخسائر المالية الناجمة عن خفض إنتاج المملكة من النفط الخام والذي قدر آنذاك بـ 5.7 مليون برميل في اليوم، أي ما يعادل نصف إنتاج الدولة من النفط تقريبا. صحيح أن المملكة أسرعت بتعويض عملاء أرامكو عن جزء من انخفاض الإنتاج من خلال مخزونات الشركة إلا أن هذا لا يعفي طهران من تحمل المسؤولية المالية عن كل هذه الخسائر.

نهاية القول، إن الهجوم الإيراني الإرهابي على منشآت النفط السعودية لم يكن هجوماً على المملكة فحسب، وإنما كان هجوماً على المجتمع الدولي ومصالحه، كما أشار سابقا المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية، وهو ما استوجب أن يكون هناك رد من المجتمع الدولي للتعامل مع ممارسات طهران المهددة لأمن المنطقة ولأمن الطاقة العالمي.

ولذا فقد جاء التقرير الذي أعلنه الأمين العام للأمم المتحدة عقب التحقيق الذي أجرته المنظمة كخطوة رئيسية تفرض أهمية معاقبة طهران على جرائمها المتعددة، خشية أن تستمرئ طهران التخاذل الدولي مع جرائمها فيعطيها دافعا للاستمرار في ارتكابها، ليس فقط في المناطق التي تسيطر عليها عبر وكلائها، وإنما في مناطق أخرى من العالم، وليست هذه الجريمة على المنشآت السعودية إلا واحدة من الجرائم المتعددة التي ترتكبها إيران سواء بشكل مباشر عبر أجهزتها العسكرية والاستخبارية أو بشكل غير مباشر عبر وكلائها الموجودين في مختلف المناطق.

وعليه، فإن رد الفعل الدولي على الانتهاكات الإيرانية المستمرة سواء لالتزاماتها الدولية أو لقواعد القانون الدولي والعلاقات الدولية التي تفرض احترام الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وتهديد أمنها واستقرارها، يمثل هذا الرد البداية الحقيقية لمنع طهران من الاستمرار في تجاوزاتها وانتهاكاتها المستمرة، بل ويلزمها بالانصياع إلى الشرعية الدولية، وإلا لم يعد من الممكن تحجيمها وإجبارها على احترام جوارها الجغرافي وعلاقاتها الدولية، بل ستستمر في جنونها وبلطجتها كما أشار المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية بأن هذه الجريمة هي امتداد لهجمات سابقة تقف خلفها إيران. فإلى متى تستمر طهران في ارتكاب جرائمها دون معاقبة أو رادع يلجم طموحاتها وأحلامها بل وأوهامها في بناء إمبراطورية فارسية تمكنها من الهيمنة والسيطرة على مقدرات المنطقة وثرواتها؟