إعصار سياسي على ضفاف «النهر الخالد»

مخاوف مصرية وسودانية من سيطرة إثيوبية على أمن المنطقة

* رويداً رويداً تتحول قضية سد النهضة الفنية إلى توترات سياسية عالية بين البلدان الثلاثة، مما يدفع أحياناً ببعض المراقبين لرسم سيناريو قاتم

* خبير مائي: البعض يظن أن مصر هي المتضررة من إنشاء وتشغيل سد النهضة، بينما تؤكد الدراسات أن السودان سيكون الأكثر ضرراً

* من المرجح أن تؤجل أديس أبابا بدء ملء السد بحلول موسم الأمطار، ويعتقد أن الزيارة التي قام بها نائب رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق محمد حمدان دقلو إلى أديس أبابا ناقشت هذا الأمر

الخرطوم: تتفاوض دول إثيوبيا والسودان ومصر، حول قضية سد النهضة منذ سنوات، دون الوصول إلى اتفاق يحسم بشكل نهائي خلافات معقدة بين الدول الثلاث، ما يثير قلقا إقليميا ودوليا من مواجهة محتملة، خصوصا بعد إعلان دولة إثيوبيا أنها تخطط لبدء ملء السد بحلول موسم الأمطار في يوليو (تموز) المقبل، وهي الخطوة التي ترفضها الخرطوم والقاهرة وتصران على مسائل «فنية»، وأخرى «قانونية ملزمة» تتضمن انشغالات البلدين.

ورويداً رويداً تتحول قضية سد النهضة الفنية إلى توترات سياسية عالية بين البلدان الثلاثة، مما يدفع أحياناً ببعض المراقبين لرسم سيناريو قاتم لمستقبل العلاقة بين الدول المشتركة في الانتفاع بالمياه العذبة لأطول نهر في العالم، وذهب محللون إلى احتمالية الصدام المباشر في حال فشلت عمليات التفاوض بين أكبر ثلاث دول أفريقية الأمر الذي يضع أفريقيا المنهكة بالنزاعات في صراع جديد أطلق عليهم اسم «حرب المياه».

 

النهر الخالد

يعد نهر النيل أطول نهر في العالم، بما يتجاوز 6.650 كيلومتراً، وتطل عليه تنزانيا وبوروندي ورواندا والكونغو وكينيا وأوغندا وجنوب السودان وإثيوبيا، ويلتقي النيل الأبيض مع الأزرق قبل الخرطوم، ثم يصل إلى مصر ويصب في البحر الأبيض المتوسط.

ويستمد نهر النيل مياهه من الهطول الغزير للأمطار في منابعه وأولها هضاب المرتفعات الإثيوبية وهي الأقرب إلى مصر، حيث يسري الماء عبر رافد النيل الأكبر وهو النيل الأزرق الذي ينبع من بحيرة تانا. 

ومنذ قديم الزمان، ظل النهر الذي يتجه من الجنوب إلى الشمال، مصدرا رئيسيا لحياة الشعوب على منابعه وضفافه، وابتكر الناس القناطر والسدود من أجل استخدامات المياه في الري الزراعي قديما، وتوليد الكهرباء حديثا، فضلا عن إنشاء السدود لمواجهة تقلبات المناخ وفترات الجفاف القاسية.

 

تقاسم المياه

ساهمت هذه الأهمية الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة لنهر النيل، في صياغة العديد من الاتفاقيات الدولية لتنظيم استخدامه من قِبل الدول ‏المطلة عليه، مثل اتفاقية 1902م بين بريطانيا والإمبراطورية الإثيوبية التي تنص على تنظيم استغلال مياه النيل الأزرق وبحيرة تانا مع ضرورة الإخطار المسبق قبل الشروع في أي مشروعات من قبل إثيوبيا من شأنها أن تؤثر على انسياب المياه، واتفاقية مياه النيل عام 1929، التي أبرمتها الحكومة البريطانية نيابة عن أوغندا وتنزانيا وكينيا مع الحكومة المصرية لتنظيم العديد من الأمور، وتحديد حصص الدول في المياه، واتفاقية مياه النيل لعام 1959 بين مصر والسودان، وهي معنية بتقاسم المياه بين البلدين.

يشار إلى أن إثيوبيا كانت قد أعلنت عام 1957 أنها تعتزم اتخاذ إجراءات لتنمية حوض النيل بطريقة أحادية ومستقلة، على أساس أن كل ما تم وضعه من مواثيق واتفاقيات حول استخدام النهر في الماضي كان قد تم الاتفاق عليه قبل حصولها على الاستقلال، ومن ثمّ فهي غير ملزمة به.

‏وفي عام 2011 شرعت في بناء ما يسمى سد النهضة الإثيوبي الكبير، المخطط أن تكون له قوة استيعاب ضخمة تصل إلى 74 مليون متر مكعب، ‏ويقوم بتخزين المياه على مساحة تصل إلى 1800 كيلو متر، مما يتسبب في خسارة كبيرة من تبخر المياه، تؤثر في كمية المياه المتدفقة إلى السودان ومصر.

وتأسس سد النهضة على النيل الأزرق بمدينة قوبا بإقليم (بني شنقول- جمز) على الحدود الإثيوبية- السودانية، على بعد أكثر من 980 كيلومترًا من العاصمة أديس أبابا.



الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، في قمة ثلاثية بمشاركة السودان بشأن سد النهضة. أديس أبابا، إثيوبيا، 10 فبراير 2019 (غيتي

 

تفاوض معقد

منذ إعلان إثيوبيا بناء سد النهضة، ازدادت حدة الخلافات بينها وبين دول حوض النيل وبصورة أشد مع مصر، وانخرطت الأطراف في عديد من جولات التفاوض دون حسم نهائي للخلاف الذي بدأ برفض مبدأ بناء السد من ناحية فنية وسياسية، وفي مارس (آذار) 2015، وقع السودان ومصر وإثيوبيا وثيقة إعلان مبادئ سد النهضة في العاصمة الخرطوم، تعني ضمنيا الموافقة على استكمال إجراءات بناء السد، مع إجراء دراسات فنية لحماية الحصص المائية من نهر النيل للدول الثلاث التي يمر بها.

واتفق ممثلو الدول الثلاث على التعاون مع المكتب الاستشاري والتأكيد على المسار الفني من خلال مقترحات جديدة فضلا عن بناء الثقة وتعزيزها بين الأطراف الموقعة على الوثيقة.

وبموجب الوثيقة، جرى الاتفاق على وقف العدائيات والعمل على تعزيز التنمية في الدول الثلاث.

ويهدف مشروع سد النهضة إلى أن يصبح أكبر محطة للطاقة الكهرومائية في أفريقيا بعد اكتمال أعمال البناء، وسوف يزود إثيوبيا وبعض الدول المجاورة بكميات كبيرة من الكهرباء.

وتخشى مصر من أن يمثل المشروع «تهديداً أمنياً» لها منذ أن بدأت أعمال البناء في المشروع عام 2011، إذ تعتمد مصر على نهر النيل للحصول على قرابة 90 في المائة من احتياجاتها من المياه. وتخشى القاهرة من أن يؤدي المشروع إلى تراجع حصتها من مياه النهر، بينما يخشى السودان من تعرض أراضيه للإغراق، وشح المياه، فضلا عن تأثيرات السد البيئية على المنطقة الزراعية الواسعة والخصبة المجاورة للسد الذي لا يبعد أكثر من 15 كيلومتراً من الحدود السودانية.

وثمة مخاوف من أن يؤدي بناء السد إلى سيطرة إثيوبية على أطول نهر في أفريقيا، مما يعني سيطرة سياسية على أمن المنطقة، لكن إثيوبيا تقول إنها لا تستهدف الإضرار بأي طرف، وإن الهدف من بناء السد هو توليد الكهرباء بالأساس.

وتدخلت الولايات المتحدة للمساعدة في المفاوضات عام 2019، واستضافت وفود الدول الثلاث، لتقييم نتائج الاجتماعات الأربعة السابقة، وخرجت المفاوضات بتوافق مبدئي على إعداد خارطة طريق، تتضمن 6 بنود أهمها تنظيم ملء السد خلال فترات الجفاف والجفاف الممتد.

 

تطورات جديدة

في الأسبوع الماضي، أعلنت الخرطوم فشل الجولة الأخيرة للفنيين المختصين من البلدان الثلاثة في التوصل إلى مسودة اتفاق بشأن تشغيل سد النهضة الإثيوبي، وكشف مسؤولون سودانيون أن الخلافات تركزت حول بعض النقاط الفنية المتعلقة بضرورة التنسيق بين إثيوبيا والسودان عند ملء سد النهضة بالمياه، وذلك ضمن اتفاق قانوني ملزم لجميع الأطراف، وأن تتعلق الوثيقة القانونية بالجوانب الفنية فقط للسد، وأن لا تتعرض لأي اتفاقيات أخرى متعلقة بتقسيم حصص المياه، وأن تشمل الوثائق القانونية آلية فض النزاع في حال حدوثه، بينما تراجعت إثيوبيا وقدمت مقترحا آخر في هذا الصدد.

ورغم التقدم المعتبر الذي تم تحقيقه في الجوانب الفنية المتعلقة بملء وتشغيل سد النهضة، إلا أن الخلافات في الجوانب القانونية كشفت عن خلافات مفاهيمية حقيقية بين الأطراف الثلاث حول عدد من القضايا على رأسها مدى إلزامية الاتفاق وآلية حل النزاعات وعدم ربط الاتفاق بأي اتفاقيات أخرى باعتبار أن الاتفاق الحالي يفترض أن يتعلق بملء وتشغيل السد وليس بتقاسم حصص المياه بين الدول الثلاث حسب تصريحات المسؤولين السودانيين.

وعلى ضوء هذه التطورات، دعا وزير الري السوداني ياسر عباس إلى إحالة الملفات الخلافية لرؤساء الوزراء في الدول الثلاث للوصول لتوافق سياسي بشأنها بما يوفر الإرادة السياسية التي تسمح باستئناف المفاوضات في أسرع وقت بعد التشاور بين وزراء الري في الدول الثلاث.



وزير الري السوداني ياسر عباس دعا إلى إحالة الملفات الخلافية لرؤساء الوزراء في الدول الثلاث للوصول لتوافق سياسي بشأنها (وكالة الصحافة الفرنسية)

 

الموقف الآن

بالنسبة لإثيوبيا فإن مشروع سد النهضة قضية قومية حشدت لها شعبيا وقامت بتسويقها اقتصاديا عالميا، وصار السد واقعا واكتملت عملية إنشائه وتخطط إثيوبيا لتشغيله مطلع الشهر القادم، وتتهم إثيوبيا، دولة مصر «بعرقلة المفاوضات الثلاثية بشأن سد النهضة»، معتبرا أن «العناد المصري أصبح العقبة في المفاوضات»، مطالبا المجتمع الدولي بالاعتراف بهذه الحقيقة والضغط على القاهرة.

وحسب تصريحات وزير الخارجية الإثيوبي غيدو أندارغاشو، فإن بلاده لن تشارك في المفاوضات إذا قاطعتها مصر، مضيفاً أنها ترفض الاستخدام العادل للنيل، وأن إصرارها على استخدام المياه بمفردها أمر غير مقبول، وأضاف أندارغاشو أن مصر تتعامل بأسلوبين، حيث تشارك في المفاوضات وتلجأ إلى مجلس الأمن الدولي في الوقت نفسه.

 على صعيد السودان، فإن الخرطوم لا ترفض من حيث المبدأ قيام سد النهضة الإثيوبي، ولكنها تشترط عدم الإضرار بالسودان، وترفض أن يشمل التفاوض حول المسائل الفنية لسد النهضة أي اتفاقيات أخرى، وأن لا تتخذ أديس أبابا أي موقف منفرد حول هذا الخصوص.

ويطرح السودان مبادرة لتقريب وجهات النظر توقف الحملات الإعلامية المتبادلة، وأن تحال الخلافات إلى القيادات السياسية العليا في البلدان الثلاث، وأن يتضمن الاتفاق آلية لفض النزاعات حاسمة وفعَالة حتى لا تتحول الخلافات في تفسير الاتفاقية الى «خميرة عكننة» لاحقا.

ويؤسس السودان موقفه طبقا لمصلحته في استخدام مياه النيل، ويقول خبير المياه والبيئة السوداني البروفسور عاصم المغربي، إن الموافقة على إنشاء السد الإثيوبي كان خطأ من حيث المبدأ بالنسبة للسودان، وإن إثيوبيا لم تشرك أي طرف في هذا المشروع عند وضع الدراسات المبدئية.

ويقول المغربي لـ«المجلة» إن البعض يظن أن مصر هي المتضررة من إنشاء وتشغيل سد النهضة، بينما تؤكد الدراسات أن السودان سيكون الأكثر ضررا إذا لم يكن شريكا أصيلا في إدارة السد.

ويشير إلى أن الأضرار كبيرة على السودان دون تبادل دقيق للمعلومات واطمئنان على سلامة السد، مشيرا إلى أضرار بيئية خطيرة يسببها السد على السودان فيما يخص كمية المياه، والتأثيرات البيئية على ضفاف النهر المأهولة بالسكان، والاقتصاديات المرتبطة بالنهر مثل الصيد وتوليد الكهرباء.

في القاهرة، تعد قضية مياه النيل وإنشاء سد النهضة موضوعا استراتيجيا من الدرجة الأولى، وعلى هذا النسق يأتي رد الفعل المصري على المشروع الإثيوبي، إذ انخرطت مصر في المفاوضات التي جرت الأسبوع الماضي باعتبارها فرصة أخيرة للسير في طريق الحوار، فبعد تجربتها في مسار واشنطن على مدى ثلاثة أشهر منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وحتى فبراير (شباط) الماضي، خرج مجلس الأمن القومي المصري ببيان قبل ساعات من انطلاق الاجتماعات الأخيرة أكد فيه ضرورة وضع سقف زمني للتفاوض حتى لا يكون مفتوحا ينتهي بمماطلة إثيوبية كما هو متبع في السابق، كما أكدت مصر أنها تدخل التفاوض لإثبات حسن نيتها ولكنها ضد أي مماطلة، ومع انخراط الأطراف الثلاثة في التفاوض.

وتقول الصحافية المصرية المتابعة لهذا الملف، صباح موسى، إنه بعد حديث الخرطوم بأن هناك تقدماً كبيرا في الملف الفني، على القاهرة بحث خيارات مختلفة، ففي حال تعثر المفاوضات على مصر مثلا اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي كوسيلة لتصعيد الضغط على إثيوبيا لوقف الملء الأول للسد مطلع الشهر القادم.

وتضيف في حديث مع «المجلة» أن لجوء مصر لمجلس الأمن سيكون أكثر قوة ونفوذا إذا توحد الموقف المصري السوداني.



من المرجح أن تؤجل أديس أبابا بدء ملء السد بحلول موسم الأمطار الشهر القادم (وكالة الصحافة الفرنسية

 

سيناريوهات محتملة

على الرغم من توقعات بعض المحللين باحتمالية تطور النزاع حول سد النهضة إلى مواجهات ساخنة، فمن المستبعد نشوء صراع مسلح بين الأطراف في منطقة ذات خصوصية استراتيجية وتقاطع مصالح إقليمية ودولية، وأن الصراع الحاد في المنطقة يمكن أن يمتد إلى أن يشمل القارة الأفريقية برمتها وينتقل إلى مناطق أخرى.

وفي هذا الخصوص تقول الصحافية المصرية صباح موسى، إن سيناريو الحرب مستبعد، وإن على الأطراف أن تتروى في أي تصعيد عسكري لما له من مآلات خطيرة على المنطقة برمتها، في وقت يطالب فيه الداخل المصري بضرورة التصعيد والضغط على إثيوبيا بشتى الطرق بعد كل هذه المفاوضات الماراثونية التي لم ولن تفضي إلى شيء في أمر يمس حياة المصريين ويمثل أمنا قوميا من الدرجة الأولى.

ومن المرجح أن تؤجل أديس أبابا بدء ملء السد بحلول موسم الأمطار الشهر القادم، ويعتقد أن الزيارة التي قام بها نائب رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق محمد حمدان دقلو إلى أديس أبابا ناقشت هذا الأمر لنزع فتيل الأزمة، ويتوقع مراقبون في الخرطوم أن تفلح جهود السودان في هذا الصدد والعودة إلى طاولة المفاوضات.  

ويقول وزير الري السوداني ياسر عباس إنه متفائل من توفر الإرادة السياسية لدى القيادة العليا في البلدان الثلاثة لتجاوز الخلافات والاتفاق على وثيقة قانونية ملزمة تنهي الجدل الدائر الآن وتوقف التصعيد الذي لا يحقق أي مصلحة لكافة الأطراف.

لكن المحلل السياسي السوداني الدكتور محمد خليفة يتوقع في حديث مع «المجلة» أن تتأزم الأوضاع إلى حد بعيد، وأن إثيوبيا لن تعبأ لاعتراضات أي دولة، وأن موقفها يبدو مبالغا فيه، ويقود إلى التصعيد في الإطار السياسي والقانوني، ويرى أن التفاوض نفسه استنفد أغراضه، مما يؤشر إلى احتمالية شبه مؤكدة للتحرك نحو القوانين الدولية.