«فتيات السوشيال ميديا»... مذنبات أم ضحايا؟

محاولات للكسب السريع وتحقيق الشهرة
* التوظيف السلبي لمنصات التواصل الاجتماعي لتحقيق الكسب المالي السريع وكسب المتابعين والشهرة
* الفن الهابط يمثل نموذجاً سيئاً للمراهقين ويدفع في اتجاه التقليد السيئ
* أستاذ قانون جنائي: التشريعات كافية بشرط تطبيق القانون، والتجاوزات فردية وموجودة في كل المجتمعات
* أستاذ علم اجتماع سلوكي: الإعلام تأثيره كبير على المجتمع من خلال رسائله سواء الإيجابية أو السلبية
* توفير فرص عمل للتأهيل والانخراط في المجتمع ضمن وسائل الحل
* يجب وضع معايير موحدة للظهور على وسائل التواصل الاجتماعي لا تفرق بين المراهقين أو البشر على أساس النوع وذلك لتحديد نوعية التجاوز.
* دور الأسرة مهم في الرقابة وتوجيه الأطفال والمراهقين، وكذلك المدارس والجامعات والأندية، وتفعيل برامج للتوعية بالمخاطر.
* أخطاء الفتيات يتم التركيز عليها أكثر بسبب النظرة المجتمعية للفتاة

القاهرة: شهدت الساحة المصرية مؤخراً حالة من الجدل والتدافع بسبب ما أطلق عليه إعلاميا «فتيات السوشيال ميديا»والتي بدأت عند قيام إحدى الفتيات وهي طالبة جامعية اشتهرت بـ«فتاة التيك توك»طلبت من فتيات عبر الإنترنت العمل معها في وكالة قامت بتأسيسها على أحد التطبيقات الإلكترونية، بالظهور في بث حي مقابل أموال يحصلن عليها، وهو ما دفع الأجهزة الأمنية للقبض عليها.
واستمرت بعد ذلك القضية من خلال عدد آخر من الفتيات انتهجوا أسلوبا مشابها على السوشيال ميديا، لتحقيق الربح السريع مما دعا قوات الأمن للقبض عليهن أيضاً، وأعقب ذلك قضية ثالثة لفتاة تعرضت للتنمر والاغتصاب من بعض أصدقائها مما أثار المزيد من السخط في المجتمع المصري لظهور مثل هذه النماذج.
حالة التدافع الكبير استمرت داخل الرأي العام المصري، وثارت تساؤلات مختلفة عن السبب في ظهور هذه النماذج، خاصة مع ارتباط الأحداث بالوضع الاقتصادي في مصر والذي زاد من تبعاته السلبية جائحة كورونا التي سببت المزيد من المعاناة الاقتصادية والاجتماعية لدى الكثيرين، وهو ما دفع الدولة المصرية إلى التدخل لمساعدة الآلاف من الأسر من خلال دعم مادي لأصحاب العمالة اليومية ممن تأثرت أشغالهم بالحظر المفروض بسبب كورونا.

نماذج إعلامية سيئة
وعن مسؤولية النماذج السيئة في المجتمع سواء إعلامية أو أعمال فنية عن هذا السلوك، قالت أستاذة علم النفس السلوكي الدكتورة رحاب العوضي: «للأسف هناك العديد من النماذج السيئة في المجتمع من بعض الفنانين مسؤولة عن جزء كبير مما يتعرض له المجتمع- ومن بينها هذه القضية- حيث تعلم هؤلاء أن الكسب السريع دون بذل مجهود هو هدف في حد ذاته بصرف النظر عما تقوم به من تصرفات وسلوكيات، وهو ما كان له بالغ الأثر على ما يحدث على وسائل التواصل الاجتماعي من تجاوزات ومحاولات لتجميع الأموال بطرق غير سليمة، وبالتالي فالخلل في الأساس من الإعلام وإفراز نماذج سيئة على الساحة، وأضرب هنا مثلا بمسلسل (لن أعيش في جلباب أبي)، للممثل نور الشريف، عندما قام بدور العامل المكافح عبد الغفور البرعي الذي انطلق لمجال التجارة من الصفر حتى أصبح من الأثرياء في المجتمع بجهده وعرقه، فعندما عرض هذا المسلسل تم اتخاذ هذا الشخص نموذجا ملهما للنجاح، وأصبح لدى الكثيرين طاقة إيجابية للجهد والعمل والمثابرة، ومحاولة إثبات الذات، والبدء من الصفر، وقام كثيرون بفعل ذلك، وكان عملا ملهما للكثيرين أثر فيهم بشكل إيجابي، وكانت هناك أيضا في المقابل نماذج سيئة في الأفلام من تجار المخدرات أو فتيات الليل، وتم تقليدهم أيضا من قبل الكثيرين في المجتمع، إذن فالإعلام والأعمال الفنية عليها دور كبير، وكذلك التعليم والثقافة».
وحول دور المدرسة والجامعة في التوجيه والتنشئة مع دور الأسرة، قالت: «المدرسة والجامعة دورهما أساسي، إذا قامتا بوظيفتيهما في التربية والتعليم وهو شيء مفقود للأسف منذ فترة طويلة، وبالتالي فالمنتج الذي ظهر لنا واضح، ويسعي لفعل أي شيء مقابل المال».


 
العنصر النسائي
التركيز على العنصر النسائي في قضية تجاوزات السوشيال ميديا كان من بين الأمور السلبية في تناول القضية حيث تم إغفال تجاوزات بعض المراهقين الذكور على وسائل التواصل الاجتماعي في حين كان التركيز واللوم بشكل أكبر على سلوك الفتيات على نفس المنصات.
ويرتبط الحديث عن فتيات السوشيال ميديا وهل هن ضحايا أم مذنبات بعدد من المستجدات التي لا يجب إغفالها، ومن بينها التوظيف السلبي لمنصات التواصل الاجتماعي وبرامجه، وذلك لتحقيق عدة أغراض منها الكسب المالي السريع والسهل مع كسب المتابعين، وكذلك تحقيق الشهرة، ولفت الأنظار بصرف النظر عن المحتوى الذي قد يكون غير لائق.
وفي هذا السياق حرصت «المجلة»على محاولة الغوص في تفاصيل القضية لكشف بعض أبعادها من خلال الحديث مع عدد من الأكاديميين والمتخصصين في علم الاجتماع السلوكي والسياسي وكذلك القانون الجنائي 
 
محاولات للثراء
أستاذة علم النفس السلوكي الدكتورة رحاب العوضي قالت لـ«المجلة»: «ما تم عرضه إعلاميا من قضايا ترتبط بنماذج السوشيال ميديا بصرف النظر عن قضية الفتيات المثارة على الساحة في مصر أو من المراهقين من الذكور والإناث بشكل عام تعد إساءة من هؤلاء للقيم المجتمعية، حيث سعى هؤلاء للمادة، وتغلب اهتمامهم بالمال على قيم المجتمع، وسعوا لمحاولات الثراء السريع وجمع الأموال بصرف النظر عن أي شيء، وهذا ما رأيناه وتابعناه، ولا نعرف حقيقة الأمر وراء ما حدث، حيث رأينا أن بعضهن عليها قضايا أخرى، ونلاحظ أن ما يحدث هو بدايات إخلال بقيم الأسرة المصرية، وعندما تتحسن ظروفهن المادية بشكل ملحوظ للآخرين سيقوم مراهقون جدد بتقليدهن، وللأسف لدينا خلال سنوات طويلة ماضية ثوابت كثيرة تمت زعزعتها، وسيصبح الأمر أكثر سوءا إذا ما تركناهم دون عقوبات».
وأضافت: «أرى أنه في حالة عدم إثبات جريمة معينة على المتهمات، سيصبح تطبيق عقوبة معينة عليهن مشكلة كبيرة في حال اقتصر الأمر فقط على ظهورهن بشكل معين على السوشيال ميديا، فإذا كانت هناك مخالفة فليحددها القانون وليس السوشيال ميديا، ولا شك أن ما يحدث هو تفريط من الأسرة وإساءة للمجتمع، وتقليد للغرب، وعدم احترام للقيم المجتمعية والدينية».
وعما تحتاجه الفتيات قالت العوضي: «يجب أن تتم إعادة تأهيلهن من خلال المؤسسات المعنية بذلك في المجتمع، ومن خلال برامج وكورسات توضح سلبية ما قمن به، وكيفية تأثير النماذج السيئة على المجتمع بشكل عام، وكذلك يجب دراسة وضعهن بشكل جيد، وتوفير فرص عمل مناسبة لهن للانخراط بشكل جيد وطبيعي في المجتمع، وتعليمهن أن إتقان العمل هو السبيل الوحيد لتحقيق الذات وليس الظهور بشكل غير ملائم على وسائل التواصل الاجتماعي».

مجتمع ذكوري
وعن توجيه الاتهامات على الفتيات فقط دون الفتيان من المراهقين من الذكور في التجاوزات الأخلاقية على السوشيال ميديا، أضافت:«هذا أمر عجيب بالفعل، وتسأل في ذلك الجهات المختصة، وكذلك يتم سؤال بعض الرجال الذين تظهر سيداتهم وأبناؤهم في وسائل التواصل الاجتماعي بشكل غير لائق، وخاصة على (يوتيوب) و(إنستغرام)، وكذلك ما هي معايير القبض على الفتيات، وهل هناك قضايا أخرى ضدهن، وكان هذا سبب في ملاحقتهن أم فقط بسبب السوشيال ميديا...
وأيضاً- والحديث ما زال للدكتورة رحاب العوضي- هناك تساؤلات متعددة في معايير القبض عليهن، وهل يستأهلن الحبس أم كان من الممكن من خلال بعض جلسات تعديل السلوك تحسين سلوكياتهن وثقافتهن، وتعليم غيرهن، خاصة أن السجن في السن الصغيرة من الممكن أن تكون له عواقب وخيمة على شخصيات من تعرضن لذلك في حال لم تكن تمت إدانتهن بجريمة أخرى، وكذلك أيضا بعض الشباب من الذكور يقمن بأفعال غير لائقة على السوشيال ميديا، ويظهرون بأشكال مقززة، وعبر ترويج الهيافات استطاعوا تحقيق أموال ضخمة، فهم أيضا قدوة سيئة للمجتمع، فهل ذلك استكمال لسياسة المجتمع الذكوري للتمييز بين الذكر والأنثى؟ فسمات المجتمع الذكوري التفرقة بين الاثنين؛ فالفتاة أخطأت ولكن الشاب أيضاً أخطأ، فما هي المعايير التي تم سجن الفتيات على أساسها، وهل نفس المعايير تطبق على الجميع سواء ذكر أو أنثى؟ وهل ستصبح المعايير واحدة بعد ذلك؟ كلها أسئلة تحتاج إجابات من المسؤولين، ويجب وضع معايير موحدة للحديث على وسائل التواصل الاجتماعى التي تخاطب الملايين، وذلك لتوضيح الخطأ والصواب حتى لا يقع آخرون في نفس الأخطاء... وفي هذا الإطار أيضاً في الوقت الذي يوجد فيه شباب يتم استشهادهم في سبيل أوطانهم في الحروب ومقاومة الإرهاب والدفاع عن الدولة، ويقومون أيضا ببناء المشروعات الكبرى الوطنية، وهناك أيضاً من يقوم بأعمال كبيرة في الوطن من الشباب في كل المجالات فالنماذج الجيدة أيضا موجودة على الساحة وهم كثيرون، وكذلك يمثلون الإغلبية».

مسؤولية مجتمعية مشتركة
وأضافت الدكتورة رحاب العوضي: «المسؤولية مجتمعية مشتركة، وأرى أن المجتمعات العربية متخمة بالمشاكل ما بين صراعات داخلية، ومجتمعية وهجمات غربية، وعدم الاهتمام بالأجيال الجديدة والنشء»، حيث تم الترويج أن الفتيات كان لديهن شبكات دعارة، فمن الممكن أن يظهر آخرون بنفس الأسلوب بحجة أنهم لا يملكون شبكات بغاء، لذلك لا بد من وضع معايير صارمة حتي يمكن تحديد المخطئ من خلالها، وكذلك تتم محاسبته، وسيصبح هذا جهدا مشكورا من الجهات الأمنية وإن كان يفضل دخول الجزء السلوكي فيها وليس العقابي».
وبخصوص مساهمة تخصص علم النفس السلوكي في حل هذه الإشكاليات، قالت: «علم النفس السلوكي تخصص مهم جدا بالفعل، يساهم في حل مشاكل كثيرة سواء سلوكية أو بيئية ومجتمعية وعلمية، ولكن للأسف تخصصنا لم يفعل على أرض الواقع، ولم يلجأ إليه المسؤولون عن التعليم سواء في المدرسة أو الجامعة، والدول المتقدمة لم تصل إلى هذا التقدم إلا بفضل علم النفس السلوكي المأخوذ من الديانات السماوية جميعا بالإضافة إلى العلم الحديث والتجارب العلمية والمعملية والسريرية وغيره من العلوم».

تشريعات كافية بشرط تطبيق القانون
القوانين والتشريعات من أساليب مواجهة التجاوزات بشكل عام في المجتمع، فهل هي كافية للتعامل مع حالات التجاوز في وسائل التواصل الاجتماعي؟ 
هذا ما طرحته «المجلة» على الدكتور محمد حمودة، أستاذ القانون الجنائي، الذي قال: «التشريعات القانونية كافية بلا شك ولكن إذا طبق القانون، فالنيابة العامة في مصر تقوم بدورها، ولا تترك أي مخالفة دون تطبيق القانون عليها، والنائب العام المصري كلف شخصيا مجموعة عمل من النيابة العامة لمتابعة ما يجري على وسائل التواصل الاجتماعي، وشبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) بشكل عام، ورصد كل التجاوزات الموجودة والتعامل معها بما فيها القضايا التي أثيرت مؤخرا على الساحة».
وحول وجود تمييز ضد الفتيات فيما يتعلق بالقضايا التي تم طرحها رغم تجاوز بعض المراهقين من الشباب دون التعرض لإجراءات قانونية مشابهة بحقهم، قال: «النيابة العامة في مصر لا تفرق بين فتيات وفتيان، وأي تجاوز يتم التحقيق فيه دون أي تفرقة، وتتم متابعته من اللجنة المشكلة من النائب العام ويتم تطبيق القانون علي أي تجاوز».
وأشار الدكتور محمد حمودة إلى عدم اقتصار مثل هذه التجاوزات والتي تم ظهورها مؤخرا فيما يسمى فتيات السوشيال على دولة بعينها، ولكنها ظواهر وأشياء موجودة في العالم كله، وأن كل مجتمع يحدث به مثل هذه الأشياء والأخطاء من الشباب المراهقين والمراهقات موجودة في كل مكان وهذه أمور طبيعية.

غياب الضوابط
الدكتور عبد الحميد زيد، أستاذ الاجتماع السياسي بجامعة الفيوم، قال لـ«المجلة»: «ما تم تداوله من قضايا فتيات السوشيال ميديا مؤخرا يعد حالة من الظواهر التي طفت إلى السطح منذ ثورة تكنولوجيا الاتصال، ونوعا من أنواع الانحراف عن القيم المحورية التي يعتد بها وتحدد سلوك غالبية المجتمع المصري، وناتجا عن غياب الضوابط الرسمية وغير الرسمية، وأصبحت فرصة للفتيات والشباب ليلتقوا عبر الواقع الافتراضي من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، يضاف إليه غياب الوازع الديني والقيمي الذي يؤدي إلى هذا الطريق».
وعن تسهيل الأجواء الموجودة في المجتمع في مثل هذه التجاوزات، قال: «لا شك أن ثورات الاتصال والسوشيال ميديا، وعدم قدرة الدولة والأسرة على الرقابة والتحكم في المجال الافتراضي جعلت من يريد فعل شيء يقوم بعمله مباشرة إذا لم يكن لديه رقيب أو لم يمتلك ضميرا».
أما عن الحل، فقد قال الدكتور عبد الحميد: «الحل أن تقوم كل مؤسسات الدولة بدورها، وأن تكون هناك تشريعات تمنع المواقع الإباحية، وتطبق جزاءات رادعة على أي تجاوز أخلاقي أو قيمي، وكذلك يجب أن تقوم الأسرة بدورها في الرقابة وتوجيه النشء والأطفال والمراهقين، والأمر نفسه بالنسبة للمدارس والجامعات والأندية، وتفعيل برامج توعية للمخاطر التي يمكن أن يقع فيها الشباب».
 
جدل كبير
وقد شهدت قصة فتيات السوشيال ميديا في مصر مؤخراً جدلا كبيراً، وكان محورها ثلاثا من القضايا، أولها قضية فتاة «التيك توك»والتي دعت عددا من الفتيات للظهور وتصوير أنفسهن من خلال تطبيق إلكتروني في مقابل مبالغ مالية، والقضية الثانية لفتيات عرضوا أموالا مالية على أخريات في مقابل مكالمات جنسية، والقضية الثالثة التي شغلت الرأي العام كانت لفتاة قاصر تعرضت للاغتصاب والضرب من قبل أصدقائها، وتم حبسها قبل أن يتم استبدال الحبس من قبل النيابة العامة في مصر بإيداعها أحد مراكز مشروع وزارة التضامن الاجتماعي الخاصة باستضافة وحماية «المرأة المعنفة»،وذلك بعد إثبات تعرض الفتاة لضغوط نفسية كبيرة منذ صغرها، والغدر والتغرير بها.
ويعاقب قانون مكافحة جرائم الإنترنت في مصر من خلال المادة رقم 25 المحتوى المعلوماتي غير المشروع، والاعتداء أو انتهاك حرمة الحياة الخاصة أو المبادئ والقيم الأسرية في المجتمع أو نشر معلومات أو أخبار أو صور تنتهك الخصوصية، سواء كانت صحيحية أم غير صحيحة، بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر، وبغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه، ولا تتجاوز 100 ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين.
وتنص المادة 26 أيضاً على الحبس فترة لا تقل عن عامين ولا تتجاوز 5 سنوات وغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه ولا تجاوز 300 ألف جنيه أو بإحدى العقوبتين كل من يتعمد استخدام أي من البرامج الإلكترونية أو التقنية في التأثير على محتويات شخصية للغير أو ربطها بمحتوى مناف للآداب أو إظهارها بحيث تؤثر بشكل أو بآخر على شخص ما وتمس بقيمته أو شرفه واعتباره.