انتهاء فترة الإغلاق التام في المملكة المتحدة مناسب للطيور فقط

منذ الخامس من مايو الماضي أصبحت بريطانيا «الرجل المريض في أوروبا»
* يملك حزب المحافظين والصحف التابعة له موهبة خارقة دفعت العمال من الرجال والنساء في هذه البلاد إلى التصويت ضد مصالحهم
* صرتُ كما الجميع أعتمدُ بشكل متزايد على الطبيعية للحصول على الراحة. توقفت الطائرات والسيارات ولم يبقى إلا الهواء النظيف المفعم بزقزقة العصافير. 
* الثاني عشر من مايو: يحرص رئيس الوزراء على التخلي عن الإقفال التام ويتركُ قدر البلاد للوعي البريطاني، الوعي نفسه الذي مارسه معظم البريطانيين عندما انتخبوا الحكومة في ديسمبر الفائت
* الأكيد أن الإقفال التام لم ينتهِ بعد. الليلة الماضية، استندتُ على النافذة وتأملتُ ضوء القمر الفضي ينير الحديقة الخلفية والمصباح الشمسي، فشعرتُ كما شعر السير والتر عندما قرر الاستسلام أخيرًا والتخلي عن كتابة حكاية العالم
* شعرتُ برضا ملحوظ ولعلي أمر بحالة فريدة من السعادة الناتجة عن التدخين السلبي وإشعال أحدهم لسيجارة في مكان ما. أظن أنني كنتُ لأكون أكثر مرحًا من كريس بيكهام نفسه لو كنت أملك برنامجي الخاص

 
 
 




الإغلاق التام

 
ديسمبر (كانون الأول) 2019-  ما قبل التاريخ
في الماضي، عندما كان الناس يجهلون الفرق بين الوباء والجائحة (عدا علماء الأوبئة الذين كان يصعب على الناس لفظ مسماهم الوظيفي)، وعندما لم يكن أحد يتكلم عن التباعد الاجتماعي باستثناء الماركسيين طبعًا في حديثهم عن مهرجان «رويال أسكوت»... في ذلك الوقت المظلم والبعيد، قرر البريطانيون (ومن بينهم بعض المؤيدين التقليديين لحزب العمال) منح حزب المحافظين والاتحاديين غالبية 80 مقعدا في البرلمان. آنذاك، طمأن رئيس الوزراء بوريس جونسون المؤيدين السابقين لحزب العمال الذين منحوه أصواتهم بأنهم لن يندموا على قرارهم. ولكنني شخصيًا كنتُ أشعرُ بالندم وصوتُ لحزب العمال. لقد عادت بي الذاكرة إلى تلك الانتخابات التي أحياها أصحاب الأفكار والمواقف المتشابهة بيقظات شعائرية... شعائرية كما اليقظات الأيرلندية. كانت المشكلة تكمن في الوعي الزائف، وإلا ما الذي قد يفسر خيارات البريطانيين الانتخابية؟ يملك حزب المحافظين والصحف التابعة له موهبة خارقة دفعت العمال من الرجال والنساء في هذه البلاد إلى التصويت ضد مصالحهم. وطرح بوريس جونسون شعارًا انتخابيًا صريحًا أكثر من شعار تيريزا ماي، وهو: «أتموا اتفاق البريكست!»مما ذكرني بسيدة في إحدى ليالي مانشستر فقدت صبرها بسبب تأخر الزبون في نزع سرواله، وقالت له: «هيا يا رجل، لننتهِ من الأمر!»يبدو أن هذا النوع من الأحاديث الحميمة هو الذي لم يستطِع البريطانيون مقاومته. 
تدفع صبيانية هذا البلد العجوز أحيانًا المرء إلى التساؤل حول شكل الطفولة الأولى فيه، وأعتقدُ أنني توصلتُ إلى تفسير لـ«ستونهنج»(أثر صخري من نوع كرومليش يرجع لعصر ما قبل التاريخ في سهل ساليسبري بمقاطعة ويلتشير جنوب غربي إنجلترا).​

هل هذه كلها أعمال الأطفال الكبار؟
 
جاءت النتيجة كارثية، فشعرتُ (كما اللورد هيسيلتين) بأن مسألة الانفصال عن الاتحاد الأوروبي أصبحت أمرًا واقعًا الآن وأصبح بإمكاني القول ودون تردد إن الذين صوتوا لصالح البريكست كانوا أوعية غبية لوعي كاذب رغم صعوبة وصفهم بالواعين نظرًا للقرار الذي صوتوا لصالحه. ويبدو أنهم لم يسمعوا الدعابة القديمة القائلة (لا، لا تتفاجأوا، لقد اختلقتُها للتو): «ما هو الفرق بين محافظ جيد وآخر سيئ؟ المحافظون الجيدون يدوسون على المشردين أثناء خروجهم من دار الأوبرا». استندت هذه الدعابة إلى عبارة قالها الوزير المحافظ السابق سير جورج يانغ الذي يحمل اليوم لقب لورد كوكهام: «المشردون هم من تدوسون عليهم عندما تخرجون من الأوبرا». وكان يانغ قد استقال أخيرًا من حزب المحافظين على أثر تعليق جونسون لعمل البرلمان، ليتبين أخيرًا أنه من المحافظين الجيدين.
تأملتُ وقلتُ في نفسي، إذا انضممنا جميعًا إلى حزب المحافظين، يمكننا أن نفوقهم عددا. ولعل هذه الفكرة كانت الخطة الماكرة التي أدت إلى حصول المحافظين على عدد كبير من الأصوات في الشمال: اختراق الأحزاب الأخرى على نطاقٍ واسع، وبعد أن أعلن مايكل غوف أنهم اليوم الحزب الذي يمثل الطبقة العاملة. وتعود هذه الاستراتيجية إلى مخترع محافظي «الأمة الواحدة»بينجامين دزرائيلي (رئيس وزراء سابق في بريطانيا) والتي تعتمد على تجسيد شخصية العمال وخداعهم بشعارات شوفينية وشعبوية عن طريق كرة القدم وعناوين عاطفية في الصحف. تبقى الدعابات القديمة هي الأفضل، وهذه الانتخابات (التي حصلت قبيل عيد الميلاد) دعابة مضحكة جدًا. 
 
يناير (كانون الثاني) والجزء الأكبر من فبراير (شباط)
فهم الشعب الخدعة مرغمًا، فبدأ يحلمُ بعيد ميلاد رمادي، ومع كل زيارة لمتجر البقالة، كان لا بد من اختبار حفنة من المشاعر الحميمة التي يثيرها موسم الأعياد. حل رأس السنة دون بهجة، ثم جاء المطر المستمر والفيضانات. ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى بدأ بوريس جونسون يكشف للناخبين البريطانيين حماقة قرارهم من خلال تجنب المناطق الغارقة بالمياه وكأنها طاعون، ويظهر بعدها وهو يمسح المياه فيها أمام الكاميرات. 
 
الأول من فبراير (شباط)... بعد يوم واحد على البريكست
قام أحد الفارين بتعليقٍ متشائمٍ، وقال: «مات المتفائلون في غرف الغاز ولجأ المتشائمون إلى حمامات السباحة في بيفرلي هيلز»، ولكن بيلي وايلدر لم يبرع يومًا بالإطناب المهذب. شاهدتُ التلفاز قليلًا الليلة الماضية لأتابع سلوك فرقة البريكست. ولمحتهم وهم يغنون «أرض الأمل والمجد»وأدركتُ أنني توقعتُ ذلك. افترضتُ أن هذا الأمر يجعل مني متشائمًا أكثر من وايلدر لا سيما وأنني أعرف جيدًا أنني لا أملك حمام سباحة. لعل حمامات السباحة كانت متوفرة لأشخاص دون غيرهم، فعزيتُ نفسي بأنني أكره السباحة بقدر كرهي لفكرة بيفرلي هيلز. ولكن إذا صح كلام وايلدر، فهذا يعني أن الوقت قد حان لمغادرة هذا البلد الضحل والمسكون بروح شريرة قبل ازدياد الأمور سوءًا، ولا يهم إلى أين نذهب. وعندما أُعلن ألاستير كامبل عن دخول بريكست حيز التنفيذ وأن ساعة بيغ بن ستقرع احتفالًا بالقرار، توقع أن يدخل الكثير من الباقين في هذه البلاد أسرتهم عند الساعة الحادية عشرة مساءً للاختباء تحت أغطيتهم. نعم، وفعلتُها دون تردد! كنتُ سعيدًا بالتواجد مع لعبتي المفضلة التي طالما كانت من الباقين الأوفياء، ولكنها فرنسية.
 
التاسع والعشرون من فبراير (شباط)
تحدت الطبيعة الكآبة. لم ينم إلا النرجس البري حتى اليوم، ولكن الارتياح كان عميقًا. مر بعض الوقت (أربعون عامًا تقريبًا) على ابتعادي عن التزامي بمذهب الطبيعة وانصرافي عنها الذي بدأ حسبما أذكر في يوم مشمس على ساحل نورفولك. خلال مسحي للتلال الرملية بواسطة منظاري بحثاً عن طائر الزقزاق المطوق، وجدتُ بالصدفة شيئًا أقنعني أنني لم أعد مهتمًا بعلم الطيور، وانتابني الشعور نفسه تجاه السياسة منذ الانتخابات. اعتدتُ مشاهدة مناظرات مجلس العموم بإعجاب، ولكنها اليوم تبدو مملةً وأرفضُ مشاهدتها. تعتمد الدراما على الصراعات التي لا يجب أن يكون مصدرها الغالبية الحكومية أو القرار حول من يتزعم حزب خاسر كحزب العمال. سأتخلى عن السياسة لبضع سنوات وسأعاود مزاولة هوايتي المعلقة من جديد ولكن علي أن أتفادى التلال الرملية هذه المرة.
 
الثامن من مارس (آذار)
استسلم ماكس فون سيدو، الفارس الذي غلب الموت أثناء اجتياح الطاعون للمنطقة أخيرًا، وتوفي عن تسعين عامًا.

 






الحادي عشر من مارس (آذار)
يقول الناس إن جونسون بارعٌ في ابتكار الشعارات ولكنني أخالفهم الرأي لأنني لستُ من المخادعين الذين يصرخون في وجهه «خائن»عندما يزور حيي المغمور بالمياه. ولكنه في المقابل ليس سيئًا في إعادة استخدام الشعارات، فكان استخدامه لشعار «رتبوا بيودلي»خطوة تقليدية تشبهه. بدا هذا الشعار وكأنه اقتباس عصري عن تشرشل لإعطائنا شارة النصر الدائم في غير محلها، لأن بيودلي كانت على موعد مع ما هو أسوأ من الفيضان. 
 
الرابع عشر من مارس (آذار)
هل علي أن أبدأ يومي دائمًا بالانفعال وأنهيه بالتشاؤم؟ يبدو وكأن كل يوم هو نسخة متشابكة عن الحياة والانتقال من البراءة إلى التجربة في أربعٍ وعشرين ساعة من خيبة الأمل التدريجية. استيقظتُ هذا الصباح على فيديوهات لإيطاليين محجورين يغنون من نوافذهم وجلستُ أمام المشهد والدموع تنهمر على خدي. بحلول بعد الظهر، رأيتُ الكثير من الأمثلة التي جعلتني أشعر بأنني لم أعد أحتمل. ليلًا، شعرتُ بالراحة لأنني أعيش في إنجلترا حيث لا يمكن أن يحصل شيءٌ مماثل. كم سيمر من الوقت بعدُ قبل أن يفقد الإيطاليون صبرهم لرؤيتهم فرحة الآخرين بمواجهة الموت؟ أعتقد أن الأمر لن يحتاج إلى أكثر من بعض الأشخاص الذين يظهرون في توقيت خاطئ كصاحب صوت الباريتون الذي يبالغ بغناء النشيد الوطني.
 
العشرون من مارس (آذار)
حصلتُ على عزاء أكبر من الطبيعة عندما وجدتُ طيور قرقف تبني عشها في حديقة منزلي الخلفية. شاهدتُ هذه الطيور وهي تحمل مواد بناء العش بمنقارها، وتعلمتُ الكثير من الأمور التي كنتُ أجهلها عنها ولو أن البحث عن المعلومات عبر محرك «غوغل»صدمني قليلًا.

 




ذكر طائر القرقف الرائع

 
الثالث والعشرون من مارس (آذار)
أعلن بوريس جونسون آسفًا الإغلاق التام في البلاد، موضحًا أنه ما من رئيس وزراء بريطاني قد يرغب بإصدار قرار بإقفال النوادي الليلية. بدأ الناس يقرأون كتبًا حول الأوبئة كحكايات بوكاتشيو وكتابات دانيال ديفو والطاعون الشهير لألبير كامو. ولم أتفاجأ باقتراح كتابَي: «رحلة حول غرفتي»لكزافييه دو ميستر، و«قصة العالم»التي كتبها سير والتر رالي أثناء احتجازه في البرج، ولم ينهها لأنه عجز عن محاسبة مرتكب جريمة اعتداء حصلت تحت نافذة زنزانته. ولكن أي واحدة سأختار؟ أعتقد أنني سأقرأ الاثنتين فلدي متسع من الوقت.
 
الواحد والثلاثون من مارس (آذار)
الآن وقد اكتشف بوريس جونسون «وجود شيء حقيقي اسمه المجتمع»، هل يمكننا أن نتوقع أن يبدأ الأغنياء بدفع الضرائب؟ لا أظن ذلك.
 
شهر أبريل (نيسان) بالكامل
شعرتُ ببعض الفراغ. شاهدتُ سلسلة «بلغرافيا»الدرامية المشكوك في مصدرها لأن ليس لدي شيء آخر أفعله. حاولتُ تعلم اللغة العربية ولكنني لم أذهب أبعد من الأبجدية. تم نقل رئيس الوزراء إلى المستشفى بحالة حرجة، ولكن العمل العادي سيُستأنف قريبًا، وبول مكارتني هاجم الأسواق الرطبة. أصابتني نوبات من الدوار شخصها طبيبي على أنها «دوخة حميدة»، إلا أن الدواء الذي وصفه لي زاد حالتي سوءًا. اكتشفتُ أن قرنًا مر على اليوم الذي أعلن فيه الشاعر توماس ستيرنز إليوت أن أبريل هو أقسى الأشهر. كان إليوت في ذلك الوقت يقطن في منطقة «كنت»مثلي ولعله أخطأ في ما قاله عن أزهار البنفسج. 
 
الأول من مايو (أيار)
نشرت صحيفة «الغارديان»مقالًا بعنوان «فارس وزعيم محافظ واستجابة فاشلة للجائحة؟ لا بد أننا في عام 1957». في ذلك العام، كان الزعيم يُدعى هارولد ماكميلان وكان حريصًا على البقاء متفائلًا رغم انتشار وباء الأنفلونزا، فعقد حزبه مؤتمرًا صحافيًا وسط تزايد أعداد الإصابات ولم يأتِ على ذكر الموضوع. من قال إن الماضي بلد أجنبي؟ اليوم، يذكر المحافظون الجائحة طوال الوقت ولكنهم مع ذلك يفشلون في الاستجابة. 
 
الثالث من مايو (أيار)
كأي رجل إنجليزي حقيقي، أنا إنسانٌ يملكُ عادات حتى في أفضل الأوقات. ولكن العادات التي تنامت لدي منذ إعلان الإقفال التام تزداد بشكل خطير. فقد أصبحتُ أشعر بنفس الآلام والأوجاع في نفس الوقت من كل يوم وأُبصر نفس الأحلام كل ليلة وأتفوه بنفس الكلام كل مساء. الآن تحديدًا، عند الساعة الحادية عشرة صباحًا، بدأت أشعرُ بألم في أمعائي وأنا أحضر كوب القهوة الثاني لزوجتي. تكاثرت هذه العادات فجأة فاضطر جسدي للاستجابة، وقريبًا سأصبحُ مخزنًا لكثير من العادات ولن أنعم بالراحة لأنه علي أن أحترمها. 
 
الرابع من مايو (أيار)
عادت طيور السمامة وهي تصرخ. تتزاوج هذه الطيور في الخريف وترتوي من قطرات المطر أثناء طيرانها، ولكن الأهم من ذلك، أنها تصرخ بكل قوتها. تملك الطبيعة قدرة على التعبير عن مشاعرنا حتى عندما تجبرنا الأحداث على الصمت.
 
الخامس من مايو (أيار)
أصبحنا مرة أخرى «الرجل المريض في أوروبا»وارتفعت الوفيات إلى معدلات مخيفة. صرتُ كما الجميع أعتمدُ بشكل متزايد على الطبيعة للحصول على الراحة. توقفت الطائرات والسيارات ولم يبق إلا الهواء النظيف المفعم بزقزقة العصافير. دخل شحرور ذكر إلى المطبخ حيث كانت زوجتي تعمل ونظر إليها ومن ثم عاد وطار إلى الخارج.
 
الثامن من مايو (أيار)
واظب الحمام المطوق على الهديل طوال اليوم دون سبب محدد وأصواته تشبه رسالة بسيطة ولكن حذرة، تناسب أوقاتنا هذه وكأنه يقول: «لوح من الصابون! لوح من الصابون!».
 
التاسع من مايو (أيار)
شهدت روسيا البيضاء مسيرة للنصر وفتحت النوادي الليلية أبوابها (لساعات محددة) في كوريا الجنوبية، بينما لا يزال منصب مدير مركز إدارة التوقعات في الحكومة ينتظر الإعلان عنه، ناهيك عن ملئه. يبدو طريق الإقفال طويلا ولكن البعض يتحدث عن تخفيف حدته والسماح بعودة الناس إلى أعمالهم ولو على الدراجات الهوائية مع إعادة فتح المدارس. فإذا كان هناك من يعاني من إرهاق الإقفال التام، فهم المحافظون.
 
الحادي عشر من مايو (أيار)، أول «اثنين سعيد»
شعر روبرت مردوخ أن عليه استباق مكافأته، فأعلنت صحيفة «ذا صن»الاثنين «يومًا سعيدًا». لا يمكن للحال أن يزداد سخرية عما هو عليه مع بيع صحفٍ تعد بحياة طبيعية وكأنه بات بإمكاننا خرق القوانين دون اعتراض من أحد. حسنًا، لعل مفسدي البهجة الذين يطلون في الأخبار سيمانعون ولكنهم في النهاية خبراء ولا حاجة لقول المزيد. 
 
الثاني عشر من مايو (أيار)
يحرص رئيس الوزراء على التخلي عن الإقفال التام ويتركُ قدر البلاد للوعي البريطاني، الوعي نفسه الذي مارسه معظم البريطانيين عندما انتخبوا الحكومة في ديسمبر (كانون الأول) الفائت، والوعي نفسه الذي أظهره رئيس الوزراء عندما صافح المرضى وتفاخر بالأمر بعدها.
 
الثالث عشر من مايو (أيار)
ألقى وزير الصحة المكسيكي خطابًا يتحدث فيه عن «الوضع الطبيعي الجديد»أو هذا على الأقل ما أراد الحديث عنه ولكنه سماه «الموت الجماعي الجديد». يتمتع هذا الفيروس بحس عالٍ من الفكاهة، ولكنه بكل صراحة ليس من نوع الفكاهة الممتعة، بل يشبه الكاهن الذي يظهر في مشهد الجلد من فيلم «الخاتم السابع».
 
السادس عشر من مايو (أيار)
عرض تلفزيون «بي بي سي». صورًا لمناطق جميلة في محاولة منه لمنع الناس من القيام بنزهات طويلة في الأماكن العامة.
 




مكان جميل

 
السابع عشر من مايو (أيار)
نجحنا في الانغماس الكامل في الطبيعة دون مغادرة شرفة منزلنا منذ أن انتقلت طيور القرقف إلى عشها الذي بنته في جدارنا الخلفي. في البداية، كان الأب (الأنثى لم تكن بادية في الصورة بعد) في البداية حذرًا جدا، ولكنه الآن تخلى عن كل قيوده ليسرع ويؤمن الغذاء لعائلته. وفي ذلك اليوم، حذا حذو الشحرور ودخل إلى المطبخ. في أي وقت نخرج فيه، زوجتي وأنا، من باب المطبخ، نسمع أصوات الطيور، ونقف ثابتين للاستمتاع بها. يبدأ صوت الصغار خافتًا يشبه تكات ساعة اليد ومن ثم يعلو عندما يعود الأب حاملًا معه اليرقات. يبدو الأخيرُ مشغولًا جدًا، فيخرج ويعود حاملًا حزم الطعام بمعدل مرة أو مرتين في الدقيقة الواحدة دون أن يغفل عن التخلص من فضلات صغاره في طريقه إلى الخارج. إنه لمشهد رائع أن نرى كيف يعيش الطائر مدفوعًا بغريزته. يبدو عليه الحذر من وقت إلى آخر، فيقف على غصن شجرة ويتناول حصته من الطعام ولكن غريزته الأبوية جردته من الأنانية.
 
الثامن عشر من مايو (أيار)
يسلي مات لوكاس جميع المشاهدين بتقليده لبوريس جونسون: «اذهبوا إلى العمل. لا تذهبوا إلى العمل. اذهبوا إلى العمل». نعيش تكرارًا لـ«نعم ولكن، لا ولكن، نعم»... وفي الوقت الحالي، لا يزال منصب مدير إدارة التوقعات في الحكومة خاليًا. فكرتُ بالتقدم للوظيفة ولكنني شعرتُ أنني لا أتسمُ بما يكفي من الغرابة.
 
العشرون من مايو (أيار)
هاجمت وزيرة الداخلية بريتي باتل المهاجرين العاملين في اقطاع الصحي ولم يكن المشهد جميلًا. اليوم، سمعتُ طيور القرقف الصغيرة تختبر أجنحتها في العش وتحاول بجد الطيران من سجنها. أصبحنا اليوم نعرف حقًا كيف تشعر هذه المخلوقات. 
 
الثاني والعشرون من مايو (أيار)
ضجت وسائل الإعلام بخبر (كان نتيجة تحقيق مشترك أعدته صحيفتا «الغارديان»،و«الميرور») عن دومينيك كامينغز وانتقاله من العاصمة إلى منزلٍ ريفي في دورهام. وأخيرًا شهدنا فضيحة سياسية لائقة تطال أصحاب الامتيازات والسلوك النخبوي لترفيه وإغضاب الشعب المعزول في منازلهم. تعد هذه القصة بتسلية أكثر من سلسلة بلغرافيا، لا سيما وأنه كبير مستشاري رئيس الوزراء، لذا أتخيل جونسون حاليًا يكتب بغضب ملاحظتين متناقضتين. ستكون عطلة نهايةِ أسبوعٍ طويلةٍ أخرى.
 
الثالث والعشرون من مايو (أيار)
بدأ إدمان طير القرقف الأب على العمل يخيفني، لا سيما وأنه يتناقض بشكل صارخ مع كسلي. يجب عليه الاستمرار بتأمين الديدان ووضعها في مناقير صغاره الجائعة.

 




أوتو فون بسمارك يغادر السفينة

 
الرابع والعشرون من مايو (أيار)
تخلَ عن المساعد! (اقتباس صغير من بسمارك هنا). لا شك في أن الوقت قد حان لتخلي السياسي داخل بوريس جونسون عن مستشاره الذي أحرجه. ولكن القدماء كانوا يقولون إن هذا النوع من الأشخاص يعلم بالخبايا. وإذا كان رئيس الوزراء يحاول تحييد نفسه، سيحتاج إلى مسافة أكبر من المترين الموصى بهما خوفًا من خطةٍ انتقامية قد يضعها المستشار الهارب، ولا شك أنه وضعها. يشبه كامينغز إحدى الشخصيات البارزة في تراجيديات الانتقام القديمة، شخصية القاتل المريب الذي يلوث شفتي الجمجمة بالسم قبل إقناع عشيقته الخائنة بتقبيلها. ويبدو واضحًا من هو الطرف «الخائن»في هذه العلاقة.
يثير شعور كامينغز بـ«الغرابة»،على حد تعبير زوجته، الضحك. كيف يمكن لهذا الشخص أن يميز هذا الشعور عن كل ما يعيشه طوال الوقت؟
سُمع كامينغز يتغزل بزهور الأجراس الزرقاء في غابة بالقرب من دورهام. يملك الرجل موهبة شعرية ولكن كل ما ناله كان وظيفة في الترويج والدعاية.
يقول جونسون إن مستشاره السياسي الأول «تبع غريزة كل أب ورب أسرة»، ما تسبب بذهول أصحاب الغريزة الضعيفة من الآباء في البلاد أمام رهبة الغريزة الخارقة التي يملكها هذا الرجل.
تذكرتُ الدعابة التي ألقاها ساجد جاويد (عمدة لندن) حول «من يأتي ويذهب إذا كنت ترغب بالعمل في المقر الرسمي لإقامة رئيس الوزراء». وفي حال توافرت العدالة (توصيف شعري)، يجب أن يُصنف هذا المستشار «الغريب»في خانة «الذاهبين»من الآن فصاعدًا.
شعرتُ بنصر عارم عندما سمعتُ الحكومة تدافع عمن لا يمكن الدفاع عنه. نعم، يجب على رئيس الوزراء التخلي عن المستشار قبل أن تقرر البلاد التخلي عنه هو.

 




سفينغالي يحضر مؤتمرًا صحافيًا

 
الخامس والعشرون من مايو (أيار)- كامينغز باقٍ
في حديقة «روز غاردن»خلف مقر إقامة رئيس الوزراء البريطاني، أمضى الصحافيون نصف ساعة يتململون تحت أشعة الشمس بانتظار دومينيك كامينغز الذي سيخرج لشرح فعلته. يظهر الموجودون ترقبًا كبيرًا ولكن قلة يتوقعون أن يبادر المستشار إلى التعبير عن ندمه والاستقالة. ونظرًا للبهاء المحيط به، قد يميل إلى المطالبة باستقالة رئيس الوزراء ويقول: «لقد خذلني وخذل نفسه، وبصراحة، خذلنا جميعًا». 
وأخيرًا، وصل دومينيك وجلس على طاولة قديمة واعتذر عن تأخره، ثم قرأ بصوتٍ عالٍ تفاصيل رحلته من بيانٍ  طويل يحتوي على تفاصيل أكثر من تلك التي نشرها في مدونته. وأخذ الصحافيون الذين عجزوا عن استيعاب التفاصيل الروائية التي تشبه أسلوب تولستوي يدورون حول أنفسهم بارتباك. لقد قام كامينغز بما كان سيقوم به أي رجل واعٍ... هُزم العدو.
استند دفاع المستشار غير النادم على فائض من غريزته الأبوية، هذه الفضيلة التي نراها أكثر في طبيعة طيور القرقف الرائعة. بعد المؤتمر الصحافي، وبعد حصولهم على فرصة التفكير بحجته، استنتجت العقول الواعية للشعب الشكور من خطاب المستشار بعض القصص المرحة كذهابه في السيارة إلى مكان جميل يدعى «قلعة بارنارد»لفحص نظره وما إذا كان سيساعده على القيادة في طريق العودة إلى لندن. وفي قصة أخرى، تبين أن فراره تزامن مع عيد ميلاد زوجته، ولكن حرصه على حماية عائلته كان قويًا جدًا، مما دفعه إلى اصطحاب زوجته وأولاده في هذه الرحلة. يخرج النافذون على الناس ويوحون إليهم بالتالي: «افعلوا كما أقول وليس كما أفعل». شنت صحيفة «مترو»حملة ساخرة لا ترحم على تحذيرات الحكومة بضرورة الانتباه:

كانت لفتة رائعة ومفعمة بالحس المجتمعي من كامينغز أن يقدم للشعب (باستثناء برندان أونيل، محرر موقع «سبايكد») شخصية عامة يمكننا جميعًا أن نتوحد على كرهها. فجأة، بدأ رعايا الكنيسة يتمردون. فقد عبرت أسقف «بنريث»إيما إينيسون بصراحة قائلة: «يا إلهي، لا بد أن دومينيك كامينغز يعني الكثير لجونسون ليستحق المخاطرة بثقة الشعب البريطاني فقط ليدعمه». ولكنها لم تذكر ولا حتى بشكل عابر الخبر الخطير الوارد عن غرانت شابس، وزير المواصلات، وطريق «A66»التي سلكها إلى بنريث.
 
السادس والعشرون من مايو (أيار)
شكل إرسال المتملق مايكل غوف للدفاع عن كامينغز ضربة عبقرية لا سيما وأنه أعز أصدقاء المستشار، وشخص لا يمكن الوثوق به. كان يمكن لرواية «قلعة بارنارد»أن تنجح لو استخدمها «السياح»الروس في قضية ساليزبوري. إنه التلاعب بالعقول، ومن الجيد أن نعلم أن كامينغز اكتسب شيئًا مفيدًا خلال عمله في روسيا.
يبدو أن هذا المستشار القذر سيبقى ملتفًا حول عنق جونسون في الفترة القادمة وأنه سيزداد قذارة يومًا بعد يوم. لقد شاهدتُ للتو رئيس الوزراء يفقد  سلطته ويتمزق بشكل واضح في المؤتمر الصحافي، وقد تحول (قبل طرح الأسئلة حتى) إلى شبه رجل في بذلة. أتراهُ لم يسمع من قبل بالنصيحة القديمة التي تحذر من الحفر أثناء التواجد في حفرة؟ لم يبدو يومًا كرئيس للوزراء، واليوم، اتضح من هو رئيس الوزراء الحقيقي. لن يكون المحافظون أوفياء له بقدر ما كانوا أوفياء لراسبوتين. هل وصلنا إلى نهاية مسيرتين سياسيتين قذرتين؟
 
السابع والعشرون من مايو (أيار)
بعد انتشار قناع الوجه الذي يظهر صورة وأقوال دومينيك كامينغز، هل سيتحول البلد قريبًا إلى ما يشبه ملصقًا لفيلم «أن تكون جون مالكوفيتش؟».
سنتحول جميعنا إلى مجرد ناقدين ساخرين، وحتى طيور القرقف تبدو وكأنها تحتج على عزلها.
كم هي رائعة القصة التي قدمها كامينغز للشعب في ظرفه الصعب، ولا بد أنها مسألة وقت قبل أن يؤدي الممثل الأميركي الأصلع بعينيه الغريبتين دور دومينيك في فيلم عنوانه «أن تكون واعيًا»،يتحدث عن رحلة ليلية يسيطر عليها جنون العظمة من مدينة معزولة بحجة الغريزة الأبوية. سيقود الممثل في الفيلم مسافة مائتين وستين ميلًا ولن يصبح الأمر مثيرًا إلا في الأميال الأربعة الأخيرة عندما يتذمر الابن والزوجة للدخول إلى الحمام؛ «قلتُ لك أن تدخل إلى الحمام قبل أن نغادر. يجب عليك أن تسيطر على نفسك. ألا ترى أننا في إقفال عام؟»،يمكنني أن أتخيل نظرة الغيظ على وجه مالكوفيتش عندما يشعر أن هذه الأميال الأربعة المؤلمة لن تنتهي أبدًا.
ويبدو أن الكاذبين من نوع دومينيك كامينغز قادرون على اختراع الوقت أيضًا. فقد تم تعديل مدونته ليقول إنه كان يعرف مسبقًا بالجائحة وأن أحد الأسباب التي دفعته إلى الهرب من الوباء في إزلنغتون كان استهداف منزله والذي حصل مؤخرًا فعلًا ولكن بعد أن حصل المستشار على استثناء بالتزامن مع دخول الجميع (ومن بينهم منتقدوه) في حالة العزل المنزلي. يتحول الأمر إلى مسألة تافهة عندما تكون شخصا أنانيًا وخبيثًا يتمتع بعبقرية بارزة لخداع الذات. ولكن عندما تكون مهمتك أن تقول للآخرين ماذا يفعلون، يتجلى الجنون على الشكل التالي: «آه، كم استمتعنا، ولكن هل تحولتُ فعلًا إلى شخصٍ سيئ؟ لقد تعلمتُ التحايل وليس خرق القانون».
 
الثامن والعشرون من مايو (أيار)
أعرف أنه من السهل الانتقاد بعد فوات الأوان، ولكن شعار الحكومة «ابقَ في المنزل»كان ليكون أكثر وضوحًا (وصراحةً) لو أنه كان «اعرف قدرك». عندما تقع البلاد في أزمة وطنية، من الضروري جدًا الالتزام بعدم مساءلة أصحاب الامتيازات من قبل أبناء عامة الشعب وأن تظل الفئات الاجتماعية المحظية قادرة على الخروج بحرية من المناطق الموبوءة إلى ممتلكات بعيدة لضمان سلامتها. كان هذا المنطق وهذه السياسة سائدين في أيام بوكاتشيو ولم يتغيرا حتى اليوم.
ساهم هذا الأمر دون شك في تعزيز شعبية كامينغز ولم يعد تأثيره على أضواء جونسون عابرا، حتى إنه قريبًا سيصبح أكثر شهرة من بيندكت كامبرباتش. وما هي إلا مسألة وقت حتى يوضع رأسه على عملة نقدية معدنية جديدة خاصة بالبريكست لأنه لا يمكن تجاهل العظماء.
 
الأول من يونيو (حزيران)... الاثنين السعيد الثاني
وأخيراً، انتهى حجر طيور القرقف... أحسنتم في اختيار التوقيت يا أصدقاء. استيقظتُ لأجد أن الأصوات الصادرة من العش اختفت.
شعرتُ وزوجتي بالفقد. لو أنهم طبقوا سيناريو برنامج «بي بي سي»عن الطبيعة «سبرينغ واتش»وأطلوا علينا برؤوسهم الصغيرة قبل الطيران واحدًا تلو الآخر. ولكن لا، فضلوا الذهاب متخفين بأصوات الفجر وقد يكونون في فرنسا الآن. في هذه الأثناء، أعلنت الصحف التابعة للمحافظين «اثنين سعيدا»آخر وكأن كل شيء انتهى. هل يسخرون منا؟ وحدها طيور القرقف تستطيع التصرف وكأن الخطر زال. 

 




المرح كريس بيكهام 


 
الثالث من يونيو/ حزيران
يكره جارُنا الذي يقطن في المنزل الملاصق برنامج «سبرينغ واتش»(ويشبهه ببرنامج الأطفال «بلو بيتر»). أعتقد أن نبرة مقدمه المرحة هي السبب ولكن البرنامج ممتاز بشكل عام. 
بدأنا نسمع أصوات الصيصان في الغابة المجاورة تمتزج مع طنين النحل فوق الزهور. يأتي الذكر، الذي لا يزال قلقًا بعض الشيء، لأخذ الديدان والعودة بها إلى صغاره. ونرى أيضًا عصفور أبو الحناء يأتي بدوره للحصول على الديدان التي دفنتها عصافير الدوري الفوضوية في التراب.
الأكيد أن الإقفال التام لم ينتهِ بعد. الليلة الماضية، استندتُ على النافذة وتأملتُ ضوء القمر الفضي ينير الحديقة الخلفية والمصباح الشمسي، فشعرتُ كما شعر السير والتر عندما قرر الاستسلام أخيرًا والتخلي عن كتابة حكاية العالم. شعرتُ برضا ملحوظ ولعلي أمر بحالة فريدة من السعادة الناتجة عن التدخين السلبي وإشعال أحدهم لسيجارة في مكان ما. أظن أنني كنتُ لأكون أكثر مرحًا من كريس بيكهام نفسه لو كنت أملك برنامجي الخاص.