ماذا يحدث داخل الحاضنة الشعبية لـ«حزب الله»؟ 

ما بعد انتفاضة «17 تشرين»

* كيف أثرت انتفاضة «17 تشرين» على علاقة «حزب الله» و«حركة أمل» بحواضنهما الشعبية؟
* كيف تم ضبط منطقة الضاحية الجنوبية ومنعها من الثورة؟
* لا يمكن النظر إلى الحواضن المناطقية للثنائية ضمن سياق واحد. فللبقاع صراع معيشي مختلف تماماً عما لأبناء الجنوب من صراع
* لكي نفهم الحراك الشعبي في صور علينا أن لا نهمل النقطة المتعلقة بتركيبة المنطقة جغرافياً
* يبرز صراع أبناء الجنوب بين بعضهم في الاستحواذ على المياه للترفيه، فالبحار لأبناء المدن الجنوبية، ذلك أن البحر يعد مساحة التقاء للغرباء، بينما الأنهار المحصورة ضمن القرى لأبناء الأرياف
* لم يتوانَ سكان منطقة الهرمل وبعلبك عن المشاركة في انتفاضة «17 تشرين»، بل اعتبروها متنفساً للتعبير عن مطالبهم المعيشية

 
بيروت: يراقب جمهور حزب الله وحركة أمل مجريات الأوضاع في لبنان على ضوء قرار الولايات المتحدة الأميركية بمباشرة العمل بقانون قيصر. لقد فرض القانون الأميركي المدعوم دولياً تحديات كبيرة، مما قد يخلع المزيد من الأبواب التي تحصن الحواضن الشعبية للثنائية ويعرضها إلى المزيد من الضغوطات المعيشية خصوصاً أن الأوساط السياسية في بيروت تتحدث عن نية الإدارة الأميركية تضييق الخناق على حزب الله. 
كانت وما زالت الجماعة الشيعية في لبنان محط تساؤلٍ حول خياراتها السياسية ومنظورها لمفهوم المواطنة وعلاقتها بالدولة ويزداد إلحاح التساؤلات بعد العاصفة السياسية التي تشهدها بيروت حالياً. 
داخل البيئة التي يسيطر عليها كل من حركة أمل وحزب الله ينشط حراك سياسي يمكننا القول بأنه ما زال في مرحلة الشباب ولم ينضج إلى الآن ولكنه أطل برأسه من نافذة التحركات الشعبية التي يشهدها لبنان مؤخراً، إذ لطالما سردت الصحافة مقالات وتحقيقات تتحدث عن المجتمعات المحلية الشيعية، ويمكن القول إن مختلف الروايات أتت عرضية أي إنها لم توغل في البحث أكثر داخل تركيبة مجمتعات الثنائية عطفاً على توزعها الجغرافي بالإضافة إلى الحيثية الوجودية للصراع الدفين الذي برز مؤخراً بين القوى السياسية الشيعية المهيمنة والقوى الشيعية الثورية التي تشارك حالياً في التحركات الشعبية المطلبية. 
لا يمكن النظر إلى الحواضن المناطقية للثنائية ضمن سياق واحد. فللبقاع صراع معيشي مختلف تماماً عما لأبناء الجنوب من صراع.
أما المناطق التي تهيمن عليها الثنائية في بيروت فنشاطها المطلبي وانخراطها بالتحركات الاحتجاجية متفاوت، وعليه لا يمكن الحديث عن أبناء الضاحية الجنوبية بنفس الصيغة التي نتحدث بها عن مناطق الثنائية المحاذية للوسط التجاري لبيروت كمنطقة زقاق البلاط والبسطة ورأس النبع. 
داخل مناطق نفوذ الثنائية ثمة رواية يجب أن تروى؛ عن علاقة الحاضنة الشعبية للحزبين بانتفاضة «17 تشرين» وعن علاقة الحاضنة نفسها بأحزابها. ولنبدأ الرواية من اللحظة التي اندلعت فيها شرارة ثورة «17 تشرين الثاني».
هذا التاريخ سيبقى مفصلياً في صيرورة لبنان، لأن الفئات الاجتماعية الشيعية الأكثر تضرراً من المصالح السياسية والمحسوبيات التي تهيمن على المناطق انتفضت، كذلك فإن هذا التاريخ مفصلي أيضاً داخل صيرورة الحواضن الشعبية للثنائية. 
في اليوم الأول من الانتفاضة خرجت الشرارة المركزية للتحركات من المدن التالية: مدينة صور ومدينة النبطية والهرمل وأطراف الضاحية الجنوبية المجاورة للبحر كطريق المطار والأوزاعي. 
تعتبر صور محطة صلبة في تاريخ الحرب الإسرائيلية على لبنان، كما أنها محطة راسخة في انتفاضة تشرين، فقد استمرت المظاهرات والاعتصامات داخلها وما زال عدد من أبناء صور مستمرين بالمشاركة في التحركات وذلك على الرغم من الضغوطات والتهديدات الحزبية التي يتعرضون لها باستمرار.
أما مدينة النبطية فيحمل أبناؤها صراعاً سياسياً يعود إلى منتصف الثمانينات، إذ ما زال عدد من أبناء النبطية متأثراً بالإرث اليساري للشيوعية والاشتراكية، بينما في البقاع فكان أبناء الهرمل ومدينة بعلبك في واجهة الاحتجاجات وكانوا قد حاولوا في الانتخابات النيابية لعام 2018 أن يحدثوا فرقاً إلا أن محاولتهم باءت بالفشل نتيجة الضغوط والمال السياسي الذي تم ضخه لحسم الانتخابات لصالح الثنائية. ومن جهة أخرى فقد كانت مشاركة الضاحية الجنوبية مقتصرة على المرحلة الأولى من الانتفاضة وشارك بزخم في صفوفها أبناء طريق المطار الدولي والأوزاعي وهما منطقتان ترزحان ضمن الفئة السكانية الأكثر تهميشاً من بين المناطق الداخلية للضاحية الجنوبية.




الصحافية مريم سيف، مقيمة في ضاحية بيروت الجنوبية

حكاية مدينة صور اللبنانية
ولكي نفهم الحراك الشعبي في صور علينا أن لا نهمل النقطة المتعلقة بتركيبة المنطقة الجغرافية. فصور هي قضاءٌ ومدينة في الوقت نفسه. يحتوي قضاء صور على عدد كبير من القرى الجنوبية مثل قانا والعباسية والمنصوري والبازورية وهي قرية أمين عام حزب الله. 
لصور ثقل سياسي واجتماعي للحزبين، إذ يكثر فيها المهرجانات السياسية الضخمة، وقد جرت العادة أن يحيي رئيس مجلس النواب وحركة أمل نبيه بري ذكرى اختفاء السيد موسى الصدر في صور.
داخل قرى قضاء صور تغلب الأجواء التقليدية الريفية، فالمحال التجارية قليلة نسبياً والبنى التحتية ليست على ما يرام، بينما يكثر حضور المراكز الحزبية والمساجد والحسينيات، ولكن بعيداً عن الشريط القروي للقضاء تبقى مدينة صور مختلفة تماماً عن بقية قرى القضاء. فمنذ نشوء المجتمعات المحلية في القضاء؛ تعيش المدينة تحت وطأة المنافسة التجارية من قبل قرية العباسية والتي تزدهر بها القصور الفخمة بسبب أبنائها المقيمين في قارة أميركا الشمالية والجنوبية والقارة الأفريقية. 
ولكن على الرغم من أجواء المنافسة المحتدمة بين تجار المدينتين إلا أن صور بقيت أيقونة الشيعة في الجنوب، وتعد حالياً نقطة أساسية للاحتجاجات على عكس بقية قرى القضاء التي بدت شبه ميتة في أوج الانتفاضة.
تشير مصادر خاصة لـ«المجلة» إلى دور أبناء قرى القضاء في قمع أبناء المدينة المتظاهرين خلال التظاهرات التي حدثت في صور إذ مراراً ردد المحتجون أن الذين يقومون بالاعتداء عليهم وعلى الخيام التي كانوا قد بنوها وسط المدينة ليسوا من أبناء المدينة بل من القرى المجاورة. 
في الأيام الأولى للثورة، شهدت المدينة تكسير عدد من المقار الحزبية واستهداف مقاهٍ ومرافق سياحية يمتلكها مستثمرون نافذون في المنطقة والذين يستأثرون لوحدهم بالبعد الاقتصادي لشاطئ صور، ولكن في الوقت الذي تحتكر فيه الأحزاب البُعد التجاري للمدينة فإن مفهوم «بحر صور» له فضل كبير في بث روح الانتفاضة. 
 
البحر والانتفاضة 
سنوياً تستقبل صور واحداً من أضخم المواسم السياحية في لبنان. يتوافد إليها عوائل جنود قوات اليونيفيل لتمضية الوقت على شاطئ صور والمتصل بدوره بشاطئ الناقورة. لا يمكن ضبط أجواء الشاطئ عبر موروثات دينية وعقائدية آيديولوجية، كالتي نراها في القرى الجنوبية الداخلية، كذلك يتوافد إلى صور سواح محليون من بيروت والبقاع والشمال والمتن.
تزدهر في المدينة المطاعم والمقاهي والملاهي الليلية، ويغلب على أبنائها طابع المفاخرة بولادتهم في واحدة من أعرق المدن التي عرفها التاريخ، فالمدينة تستحوذ على بعد تاريخي يصل إلى حقبة الرومان والإغريق، مروراً بالفينيقيين والكنعانيين وقد خرج منها الفيلسوف زينون الصوري وسكنها الإسكندر المقدوني. 
من المدينة اندلعت شرارة الانتفاضة. لقد كان للحيثية الجغرافية دور فاعل في تشكيل الإحساس الجماعي الذي انتاب بعض أبناء المدينة بضرورة الانخراط في العاصفة الاحتجاجية. فالبحر هو متنفس مفتوح على العالم ومسؤول رئيسي عن مشاعر التحرر التي يتحلى بها أبناء المدينة البحرية. 
 
بحر صور ضد نهر عربصاليم
وهنا يمكننا إجراء مقارنة بسيطة بين الحادثة التي جرت قبل أسابيع قليلة على نهر عربصاليم الجنوبي والذي يقيم على ضفافه مجتمعات شيعية محلية مغلقة. 
تبدأ رواية النهر حين ظهرت صور لفتاة تسبح في النهر، وتردد أنها شربت جعة على ضفته، مما أثار جدلاً واسعاً وسخطاً من متدينين رأوا في سلوكها انتهاكاً فاضحاً لـ«حرمة النهر» الذي يقولون إنه جزء من أرض «الشهداء».
وعلق على صور الفتاة أستاذ جامعي من مواليد بلدة عربصاليم وقال في منشوره على «فيسبوك»: «لا أعرف كيف بدأ الأغراب عن بلدتنا يسمعون بهذا المكان الحميم علينا، وطالما اعتبرناه مكاناً خاصاً نعتني به كما نتغنى به، لا بأس بزيارات الغرباء ولكن شرط أن لا يتركوا فضلاتهم. ثم تأتي فتاة من أقاصي البلاد تخلع ملابسها لتسبح، فهذا يعني أنها تطردنا من دارنا الذي عشنا فيه وضحينا لأجله واعتنينا به، فنحن لن نتشارك في السباحة مع لابسة البكيني، إما هي وإما نحن»
إن هذا النوع من السخط لا يمكن أن يحدث داخل مدينة صور التي يحضر على شواطئها النساء بملابس البحر. لذلك يمكن تفكيك الحواضن الشعبية في القرى الجنوبية ورصد تيار المعارضة لديهم من خلال فهم علاقتهم مع البحر والنهر. 
يبرز صراع أبناء الجنوب بين بعضهم في الاستحواذ على المياه للترفيه، فالبحار هي لأبناء المدن الجنوبية، ذلك أن البحر يعد مساحة التقاء للغرباء، بينما الأنهار المحصورة ضمن القرى فهي لأبناء الأرياف والذي يبرز من سلوكهم عند تواجدهم على الأنهار أنهم يعرفون بعضهم البعض. 
يقول المحلل السياسي حسن عباس إن «الذهاب إلى النهر ليس ممنوعاً على الفتيات غير المحجبات. فمن عادة الجنوبيات أن يقصدوا الأنهار مرتدين البنطال أو شورتات غير قصيرة، مع تي شيرت، وطبعاً بعضهن ينزل إلى النهر بثياب شرعية»
ويضيف: «الأنهار في الجنوب هي إلى حد بعيد متنفسات محلية وليست وجهات سياحية عامة. عملياً، هناك مجموعة أماكن خاصة على نهر الليطاني يرتادها الجنوبيون، وعادةً ما يكون كل مكان وجهة لأبناء قرية أو بضعة قرى محددة»
يرى عباس أن إثارة الضجة بخصوص الشابة التي ذهبت إلى النهر سببه «على ما يبدو أن الفتاة ليست من أبناء المنطقة، ففي هذه المناطق لا يحب الناس الشخص الغريب، وهذا من سمات المجتمعات الصغيرة المغلقة التي تخشى أي تغيير ولو بسيط».
 




المحلل السياسي حسن عباس من مواليد جنوب لبنان



علاقة الشيعة بانتفاضة «17 تشرين» 
بحسب عباس، فإن «داخل الحواضن الشعبية الشيعية ثمة رغبة دائمة في الاعتراض على الأوضاع الاقتصادية، فالسردية التي تردد على مسامعهم، وهي صحيحة جزئياً وخاطئة جزئياً: أنهم محرومون وأن محرك السياسات الاقتصادية في العقود الثلاثة الأخيرة الوحيد هو الحريرية السياسية، كذلك فإن حديثهم اليومي يصب دائماً في انتقاد الأوضاع المعيشية فقط».
كل شيء تغير بعد موقف أمين عام حزب الله حسن نصر الله الذي انتقل تدريجياً من تفهم دوافع المنتفضين مع الدعوة إلى النأي بالأنفس عنهم، ومن ثم التشكيك الواضح بهم. حتى الآن، يحب الشيعة لو أن الأمر لم يسر كما سار ولو أن حزبي الثنائية الشيعية شاركوا في الانتفاضة اللبنانية، ذلك أن الانخراط في الانتفاضة كان سيعفيهم من عيش «التناقض الوجودي».
ولكن «بعد موقف نصر الله، وحزب الله بشكل عام، انكفأ معظم الشيعة عن المشاركة في التظاهرات، علماً أن عشرات الآلاف منهم بقوا من رواد ساحات اعتصام وسط بيروت. فمناصرو حزب الله آمنوا أو أقنعوا أنفسهم بنظرية المؤامرة التي سوق لها حزب الله، وهي مؤامرة أبدية يتحدث عنها كلما أراد توجيه البيئة الشيعية باتجاه معين ويدعي أن الهدف مما يجري هو استهداف سلاح حزب الله الذي يضمن قوة الطائفة الشيعية. أما مناصرو حركة أمل فكانوا سباقين لأن كلمة (محاربة الفساد) تعني حكماً وضعهم في دائرة الاتهام»
ويرى عباس أنه في أول أيام الانتفاضة كانت التحركات التي خرجت في الجنوب كثيرة جداً إلى حد أن لا أحد قام بإحصائها. على كل مفرق قرية تقريباً كان يمكن أن نجد مجموعة شباب غاضبين يحرقون إطارات السيارات أو يحتجون بوسيلة أخرى. دام هذا بضعة أيام فقط، بعد ذلك، انحصرت التحركات في «الجنوب الشيعي» في ثلاث نقاط: صور، النبطية، دوار كفررمان. 
 
الجنوب وصناديق الإعاشة
لقد فرضت الضائقة المالية التي غرق فيها لبنان منذ العام الماضي حملاً ثقيلاً على أكتاف الثنائية الشيعية. فالسخط الشعبي ضدهما من جهة ووصول سعر صرف الليرة مقابل الدولار إلى أسعار خيالية من جهة أخرى، بالإضافة إلى غرق فئات ضخمة في البطالة نتيجة كورونا وعوامل محلية أخرى. لقد استطاعت الثنائية استغلال جائحة كورونا بالإضافة إلى شهر رمضان لتحسين صورتهما في حواضنها الشعبية. 
خلال فترة رمضان انتشر حديثٌ ضمن الأوساط الإعلامية يشير إلى تجهيز حزب الله إلى منح معظم سكان الضاحية الجنوبية صناديق إعاشة. ولكن ذهب رمضان ولم تأتِ معه صناديق الإعاشة بالكمية نفسها التي روج لها على الإعلام. 
مصدر يرفض الكشف عن اسمه يسكن في الجنوب أخبر «المجلة» أن الحزبين قدموا إعاشات بكميات ضخمة للجنوبيين، كذلك حصل معظم عوائل الجنوب على مبلغ 400 ألف ليرة لبنانية أسبوعياً.
يُنظر إلى الحاضنة الشعبية في الجنوب على أنها الأقل تضرراً في موجة الاحتجاجات، على الرغم من أن الانتفاضة استقطبت أبناء كبرى المدن الجنوبية إلا أنها لم تحصل على تأييد شعبي من القرى الصغيرة التي بالإمكان السيطرة عليها من خلال مشايخ المساجد والحسينيات، بالإضافة إلى ضبط إيقاعها والتأثير على أبنائها بالتعبئة الحزبية. 
 
الضاحية وعائق البرجوازية
على المقلب الآخر لم يكن للضاحية الجنوبية حصة كبيرة من الإعاشات. ولكن لماذا جرى تهميش الضاحية في رمضان؟ 
للضاحية الجنوبية في بيروت رواية خاصة، تختلف تماماً عن بقية مناطق نفوذ الحزبين. في الوقت الراهن تشهد الضاحية على تشديد أمني في فترة المساء، تخوفاً من تحركات شعبية بعدما ساءت الأمور المعيشية كثيراً، وتقاعس المسؤولون عن إيجاد حلول للأزمة الخانقة. 
ينظر إلى الضاحية الجنوبية على أنها أكبر معقل حزبي للثنائية، إذ لا يخلو حي فيها من المقرات الحزبية، كذلك فإن آلية مراقبة أبناء المنطقة يجري على أتم  وجه. وإلى جانب احتواء الضاحية الجنوبية على كتلة سكانية ضخمة ترزح تحت خط الفقر ومنتشرة في الأوزاعي وطريق المطار وبرج البراجنة والليلكي والمشرفية إلا أن الضاحية أيضاً تأوي طبقة برجوازية حزبية تعيش على أطراف المنطقة أو في بيئات معزولة داخلية كمنطقة حي الأميركان والشارع العريض وحي الأبيض وطريق المطار لجهة حارة حريك. 
وقد شهدت البرجوازية الشيعية مراحل من الانتعاش... أول انتعاش كان بعد حرب يوليو (تموز)، والانتعاش الثاني حدث بعد الحرب السورية. أما الانتعاش الثالث وهو الأضخم فحدث بعد عام 2018. 
من الصعب التدقيق في حجم الفجوة الاقتصادية بين فقراء الضاحية وبرجوازيي المنطقة، ولكن من السهل جداً رصد أي من المناطق هي للأغنياء وأيها للفقراء وعلى عكس أبناء صور الذين تم قمعهم على يد أبناء القرى ففي الضاحية جرى قمع الفقراء على يد برجوازيتها، كذلك هنالك علاقة اقتصادية متينة بين الطبقتين إذ تستحوذ البرجوازية على رأس المال والمشاريع الاقتصادية في المنطقة، بينما يتم توظيف اليد العاملة الفقيرة فيها خصوصاً، وأن المنطقة لا تستضيف لاجئين سوريين ما يعني أن التنافس بين العمالة اللبنانية والسورية شبه معدومة.
قبل انتفاضة «17 تشرين» شهدت الضاحية الجنوبية على نشاط اقتصادي برجوازي، وكانت المقاهي والمطاعم والمتاجر تتخذ مساراً تصاعدياً. وكان من المتاح رصد بأم العين الباحات الخارجية للمقاهي وملاحظة النوعية المميزة للسيارات والدراجات النارية التي تقف عند الباحات الخارجية. 
لقد كان لمالكي الدراجات النارية الفارهة دور في ردع فقراء الضاحية عن الانتفاضة، خصوصاً وأن دوار المشرفية وطريق المطار كانا في أوائل أيام الانتفاضة يستقبلان المحتجين القادمين من المناطق الفقيرة. فعند دوار طريق المطار كان المتظاهرون يأتون من مناطق تعاني من السياسات التنموية الفاشلة كبرج البراجنة. وقد شهدنا على تظاهرات عدة عند الأوزاعي من أفراد تجتاح سنوياً منازلهم المياه الملوثة بسبب المنتجعات السياحية والفنادق والذين كانو سبباً في تحويل نواقل مياه الصرف الصحي إلى المناطق الفقيرة.
ولكن بعد أسبوع من الانتفاضة بدأت شوارع الضاحية تشهد على مسيرات يومية وليلية للدراجات النارية الفخمة ذات الأصوات المزعجة وكانت مواكب الدراجات تردد شعارات الولاء للأحزاب والهدف منها كبح المنتفضين.
ثمة علاقة وثيقة بين الحزبين وبرجوازية الضاحية الجنوبية والتي كانت الأكثر تشدداً في مواقفها تجاه أحداث 17 تشرين وأكثرها تخويناً للفئات التي اتجهت في موقفها نحو الانتفاضة، لأنها الأكثر تضرراً من أي خطاب ثوري مستجدٍ، اعتقاداً منها أنه سيؤثر على مصالحها الاقتصادية المشتركة مع الأحزاب. 
مريم سيف الدين، صحافية مقيمة في ضاحية بيروت الجنوبية. تسكن مريم في منطقة برج البراجنة وتصف منطقتها بالقنبلة الموقوتة لأنها تشهد على اكتظاظ سكاني مريب بالإضافة إلى الفقر المدقع ومعاناة المنطقة من المياه الملوثة والانقطاع المستمر للتيار الكهربائي وافتقارها إلى البنى التحتية والطرقات الجيدة. 
تقول مريم لـ«المجلة» إنه في الليلة الأولى للانتفاضة قام المحتجون بالكشف عن جميع مشاكلهم المعيشية بالإضافة إلى مشاكلهم مع القوى المسيطرة على المنطقة. لقد رأينا كيف كان يصيح المواطنون في الضاحية أمام الكاميرات وذكر بعضهم كيف تجري المحسوبيات الحزبية داخل المنطقة. 
تسلط مريم الضوء على الاحتكارات التي تحصل في منطقة برج البراجنة، فالمولدات الكهربائية التي توفر بديلاً عن كهرباء الدولة محصورة بيد جهات حزبية وتطلب من السكان دفع فواتير باهظة تزيد أضعافاً عن فواتير اشتراك الكهرباء في مناطق أخرى في بيروت. تكثر في الضاحية الأكشاك التي يضعها الشبان على جانب الطريق وهو ما يعكس تردي فرص العمل للقوى الشابة التي تسكن المنطقة ورغم أن الأكشاك مخالفة للقانون إلا أنها كانت وسيلة جيدة للعمل.
تقول مريم إن «الوضع المعيشي في الضاحية قبل 17 تشرين كان واضحاً أنه سينفجر، خصوصاً أن معظم بلديات الضاحية حاولت الانقضاض على القوى العاملة المخالفة للقانون من خلال إقفال المتاجر المخالفة ومنعها أو إفساح المجال للقوى الأمنية بمطاردة سائقي الباصات المخالفة للقانون من خلال اللوحات المزورة»
في 17 تشرين تفاعلت الضاحية بشكل عفوي وشرس، لقد عبرت الضاحية عن نفسها في الليلة الأولى فقط، ولاحقاً تم امتصاص الغضب بأشكال عدة.
تضيف سيف الدين أنه بعد الأسبوع الأول تم ااتخاذ تدابير قصوى لردع الضاحية الجنوبية من خلال نشر عناصر ليلاً في نقاط محددة و «يكثر حالياً وجود سيارات دون أرقام لمراقبة التحركات والاحتجاجات... من جهة أخرى بدأت وسائل إعلام القوى السياسية في إيهام الناس بأن جمهورها هو من يحرك الشارع».
تصف سيف الدين الحراك الشعبي في الضاحية أنه الأكثر إثارة للمخاوف لدى القوى السياسية الحاكمة، خصوصاً أن الجمهور تحرك خارج إرادتها وكشفت حجم تهالك سيطرتها على الخيارات الشعبية، ولكن لا شك أنه رغم كل محاولاته في ضبط الناس إلا أن «17 تشرين» شقت الصفوف في الحواضن التي كان يتم التأكيد دائماً على وحدتها.




المحلل السياسي محمد العزير، من مواليد بعلبك. مقيم حالياً في ولاية كاليفورنيا الأميركية



 
اللغة السياسية بعد «17 تشرين»
تعد جماهير الثنائية من أكثر الجماهير الحزبية تكافؤاً على صعيد اللغة السياسية الموحدة. في الحرب السورية توحد الخطاب ضد الجهات المعارضة لخيار المشاركة في النزاع السوري، فبات كل من يرفض الخيار إما عميل أو مُشكك في مصداقية الحزب، واشتهرت عبارة يرددها الجمهور بشدة «لولا حزب الله لتم اغتصاب نسائكم على يد داعش»
إن الخطاب الآيديولوجي الموحد من أكثر السمات التي تمتاز بها جماهير هذا الحزب، فالأخير يصرف طاقات هائلة في المساجد والحسينيات من أجل تمرير ألفاظ موحدة. 
تقول المدربة والباحثة في علم اللغات فرح نصرالله لـ«المجلة» إن ما يميز «17 تشرين» هو أنه خلق مصطلحات جديدة داخل الحواضن الشعبية، ولكن خطابها السياسي كان متآكلاً نوعاً ما ويحتاج إلى المزيد من الوقت حتى يكسب ثقته بنفسه. 
تشير الباحثة إلى أن شعار «هيلا هيلا هو» الذي استهدف شخصيات بارزة في الدولة اللبنانية تسلل إلى الخطاب العام لدى جمهور الثنائية، وبرأيها فإن عبارة «هيلا هيلا هو» كانت قبل «17 تشرين» يتم ترديدها بين جماهير فرق كرة القدم وتم إخراجها إلى الساحة السياسية على يد «ألترس» أحد فرق كرة القدم الكبرى في بيروت. وتضيف: «حتى لو جرى تكرار العبارة على سبيل المزاح بين جمهور الحزبين إلا أن تسلل العبارات الثورية خلق فضاءً سياسياً جديداً في مخيال الجماعة الحزبية»
تصف نصر الله الخطاب السياسي للمعارضين الذين يقطنون الحواضن الشعبية بأنه بـدا «مشوشاً ومضطرباً»، وبرز بوجه خطاب «البطولة» الذي يرفعه حزب الله، فمن جهة «رأينا مصطلحات مواربة في اتهامها للحزب، بينما رأينا لدى الحزب خطاب البطولة؛ وعاد إلى الواجهة مصطلح المقاومة وإسرائيل وتراجع مصطلح جبهة النصرة وداعش والإرهاب».
وبرأيها فقد نجم التشويش من الخوف من العقاب والمحاسبة. وتقول: «هناك فئة جديدة من المعارضة نشأت داخل الحاضنة الشعبية وتتميز لغتها السياسية بالمواربة والتلكؤ فهم يخافون من الإفصاح بشكل صريح عما يجول داخل أذهانهم حول واقعهم المعيشي والسياسي. لذلك نراهم على الوسائل الإعلامية ينددون بشراسة ضد واقعهم، كذلك أصبحوا أكثر جرأة في الشتم. الجمهور أصبح يشتم على الإعلام ولكنهم يشتمون الوزراء والنواب ويذكرون دائماً أن الزعيم الفلاني خط أحمر وأن المقاومة خط أحمر وأن هذا المسؤول خط أحمر». وتختم فرح نصرالله بـ«الخط الأحمر لا يدل على الخوف الواعي بل يدل على الاستعداد اللاواعي لدى الجماعة. فكلما زادت الخطوط الحمراء في الخطاب السياسي كانت الفئة تتأهب أكثر للانقضاض على زعمائها».
 
البقاع معقل الثورة
منذ ما قبل عام 2016 كانت منطقة البقاع محط أنظار الجميع، نتيجة الحراك السياسي الذي كان منتعشاً بشدة فيها وتم تسليط الضوء على الصراع السياسي في المنطقة على مراحل متتالية من خلال مواجهة مباشرة بين المجتمعات المحلية التي نزلت إلى الانتخابات البلدية والنيابية بوجه الحزبين. 
لم يتوانَ سكان منطقة الهرمل وبعلبك عن المشاركة في انتفاضة «17 تشرين»، بل اعتبروها متنفساً للتعبير عن مطالبهم المعيشية خصوصاً، وأن منطقة البقاع هي من أكثر المناطق تهميشاً ولا تشهد أي حركة إنمائية تذكر، علماً أن البقاع يستقبل أضخم سهل في لبنان يتم استغلاله في زراعة الحشيش. 
المحلل السياسي اللبناني الأميركي محمد العزير قال لـ«المجلة»، إن تهميش البقاع بدأ منذ لحظة دخول الجيش السوري إلى المنطقة والذي تعامل معها على أنها حديقة خلفية لسوريا.
وبعد الدخول السوري ومجيء روح الله الخميني إلى السلطة الإيرانية تحولت بعلبك الهرمل إلى معقل حزبي، ويلفت محمد العزير إلى أن سوريا وضعت العراقيل أمام الرئيس الراحل رفيق الحريري لتنفيذ الخطة الإصلاحية للبقاع وتحديداً بعلبك. 
ويجيب محمد العزير على سؤال عن علاقة أبناء البقاع بـ«17 تشرين» بالقول: «البقاع سبق جميع المناطق بالثورة، وذلك في الانتخابات النيابية الأخيرة والتي مارست فيها قوى الأمر الواقع التزوير العلني بداية من سد أبواب الاقتراع وجلب الناخبين من سوريا وصولاً إلى إحياء الموتى ليدلوا بأصواتهم»
يقيم محمد العزير في الولايات المتحدة الأميركية، ويكشف لـ«المجلة» أنه تم الاقتراع باسمه في الانتخابات النيابية علماً أنه لم يشارك في الانتخابات النيابية عبر السفارة اللبنانية في الولايات المتحدة. 
ووفقًا لرأي محمد العزير، فقد أبدى شيعة البقاع استعداداً كبيراً للمواجهة، علماً أنهم يفتقدون للحماية ويقعون بين مطرقة الثنائية وسندان الخارجين على القانون من تجار مخدرات ولصوص سيارات الذين ينعمون بحماية السلطة الحاكمة. لقد «شاركت بعلبك في الثورة من الهرمل إلى اللبوة الى شمسطار إلى بدنايل. لكنها كانت مكشوفة الظهر، ولولا اعتبارات عائلية وعشائرية لا يمكن للثنائية القفز فوقها، لتم سحق كل هذه التحركات التي كانت مطوقة بسور حديدي من الشبيحة والمرتزقة والمستفيدين من فتات موائد السلطة».
وبما يتعلق بمضاعفات قانون قيصر على لبنان، قال محمد العزير: «إذا أصر حزب الله على تقديم الأولوية السورية بدافع إيراني على الوضع في لبنان فستكون مفاعيل القانون سيئة جدًا على لبنان، وسيكون ما شهده لبنان معيشيًا وماليًا مؤخرًا مجرد بروفة لما سيكون عليه الوضع لاحقًا. ومن يراهن على رحيل ترامب بعد أشهر ويعتقد أنه يمرر الوقت الضائع، سيفاجأ بأن الإدارة إن تغيرت ستكون أكثر تشددًا».