الغزو التركي لسوريا: إردوغان لن ينسحب قبل تأمين حصّته

قبل ساعات من زيارة رئيس تركيا للدوحة... قمة ثلاثية جمعت أنقرة وموسكو وطهران

 

* تواجه الحكومة التركية اتهامات من منظمات حقوقية ومراصد حول علاقتها مع التنظيمات الإرهابية في سوريا، تتراوح هذه الاتهامات بين الإهمال القاتل وغض الطرف عن المقاتلين الأجانب، إلى التعاون والتنسيق

 

* القمة الثلاثية لرؤساء تركيا وروسيا وإيران أكدت على ضرورة إحلال الأمن في إدلب ورفض أي أجندة انفصالية تهدد الدول المجاورة

 

* عملية نبع السلام واحدة من أربع هجمات عسكرية قام بها الجيش التركي بالتعاون مع «الجيش الوطني الحر» الذي يتلقى تمويلاً وتسليحاً ودعماً من تركيا

 

* ظهر أن التراخي في ضبط الحدود لم يكن من الأصل مسألة إنسانية، وخصوصاً بالنظر إلى الجانب المقابل من فتح الحدود- من تركيا إلى سوريا- الذي شهد تدفّق آلاف المقاتلين الأجانب من مختلف دول العالم للانضمام إلى تنظيم داعش أو جبهة النصرة

 

* وجود ما يقترب من أربعة ملايين سوري في تركيا شكل ورقة ضغط سياسية واقتصادية رابحة في يد الحكومة التركية، التي استغلت هذا الواقع أمثل استغلال، فحصلت على مليارات الدولارات على شكل مساعدات للاجئين من الاتحاد الأوروبي

 

* ربما تكون نقطة التحول هي إسقاط المقاتلة التركية من قبل الجيش السوري في 2012 ومقتل الطيارَين اللذين كانا على متنها

 

* شكلت الزيارة التاريخية للرئيس السوري بشار الأسد في 2004 إلى تركيا نقطة تحول إيجابية في العلاقة بين البلدين، تأتي أهميتها كونها أول زيارة لرئيس سوريّ إلى تركيا على الإطلاق

 

لندن: تواصل تركيا ترسيخ وجودها في الشمال السوري، فيما تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنها مصممة على البقاء لفترة طويلة. وبينما أوجدت أنقرة حكومات محلية، ومكّنت نفسها مؤسسياً في الشمال، فقد نشرت أكثر من 10.000 جندي في المنطقة وأرسلت أكثر من 7.000 شاحنة عسكرية ومدرعات، بما في ذلك الدبابات، في محافظة إدلب، منذ فبراير (شباط) الماضي، وشملت الإمدادات نشر أنظمة دفاع جوي حديثة، فضلاً عن إنشاء نقاط مراقبة ودوريات مشتركة بعد اتفاق خفض التصعيد.

 

وبينما تسعى بلاده للتوسع في الداخل السوري، أكد الرئيس التركي إردوغان مع نظيريه الروسي والإيراني، معارضته لأي «أجندة انفصالية» تهدد الأمن القومي للدول المجاورة لسوريا، وذلك ضمن البيان الختامي للقمة الثلاثية التي تأتي في إطار مشاورات أطراف ما يسمى «مسار آستانه» بشأن الأزمة السورية. وشدد بيان القمة على ضرورة إحلال التهدئة في إدلب.

 

وبعد ساعات من اختتام القمة الثلاثية التي عقدت عبر الفيديو، الأربعاء الماضي، غادر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بلاده، الخميس، إلى الدوحة في زيارة التقى خلالها الشيخ تميم بن حمد، أمير دولة قطر، وناقش خلالها الجانبان تطورات الأوضاع في سوريا وليبيا.

 

مصالح معقدة... وتدخل منظم

 

أنقرة، التي تخبطت في سياستها تجاه سوريا منذ اليوم الأول لاندلاع الاحتجاجات في الداخل السوري، أمّنت مناطق أقلّ بكثير مما كانت تطلب، رغم أربع هجمات رئيسية شنتها عبر الحدود، ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وقوات سوريا الديمقراطية، منذ 2017. ويبدو أنها تعمل بشكل ممنهج على التجذر في الشمال السوري، ولعل أبرز مؤشرات هذه النوايا تتمثل في البدء باستخدام الليرة التركية في الشمال السوري بعد انهيار الليرة السورية.

 

ولكن كيف بنت أنقرة نفوذها في سوريا، في ظل تقاطع مصالح الوجود الروسي والأميركي والإيراني هناك، وعلى مدى سنوات النزاع العشر؟

 

للجار التركي في سوريا مجموعة معقدة من المصالح والاعتبارات، كان من المفترض أن تتم إدارتها بشكل سلميّ، بناء على رؤية وزير الخارجية ورئيس الحكومة الأسبق، داود أوغلو، «صفر مشاكل مع دول الجوار»، لكن داود أوغلو ورؤية «صفر مشاكل مع دول الجوار» كلاهما سيصبحان من التاريخ مع صعود تيار الصقور المتمثل بالرئيس الحالي رجب طيب إردوغان وعائلته وأصدقائه، مع خطاب عدائي وقبضة من حديد للتعامل مع الملفات المتعلقة بالسياسة الداخلية والخارجية على حد سواء.

 

ويمكن اختصار التدخل التركي في الجارة سوريا إلى محاور ثلاثة:

الأول: سياسة إدارة الفوضى في الشمال عن طريق التدخل العسكري المباشر، والذي بدأ منذ 4 سنوات حتى الآن، وترتبت عليه نتائج كارثية على مستوى الصراع السوري.

المحور الثاني: هو النفوذ الكبير للمخابرات والخارجية التركية على مفاصل المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري.

أما المحور الثالث: فقدرة أنقرة على التحكم بالكتلة البشرية الهائلة المؤلفة من 4 ملايين سوري يعيشون منذ سنوات داخل الأراضي التركية عدا عن نفوذها على ملايين السوريين أيضاً في الشمال السوري.

 



الرئيسان السوري والتركي في قصر الشعب بدمشق، 11 أكتوبر 2010 (غيتي)

المحور الأول: الحملات العسكرية الأربعة

 

بدأ التدخل التركي العسكري في سوريا مع اتفاقية خفض التصعيد وإنشاء نقاط المراقبة الروسية والتركية والإيرانية في شمال سوريا، لكن القوات المسلحة التركية بالتعاون مع المجموعات المسلحة السورية قامت بشن أربع هجمات على شمال سوريا بين عامي 2016 و2020.

التدخل العسكري المباشر بدأ في أغسطس (آب) 2016 بعملية درع الفرات التي هدفت إلى طرد تنظيم داعش من الحدود السورية التركية، ومنع قوات سوريا الديمقراطية من الاستيلاء على غرب نهر الفرات والمدن الحدودية مع تركيا.

أمنت أنقرة لفصائل الجيش الحر المتحالفة مع الجيش التركي مثل فيلق الشام ولواء السلطان مراد ممراً داخل الأراضي التركية لاقتحام الأراضي السورية من جهة الشمال ومدتها بالإسناد الجوي والمدفعي والتدريب والسلاح.

أما الهجوم التالي فكان على عفرين في 2018، الذي انتهى باحتلال المدينة والقرى المحيطة بها وتهجير الكثير من سكانها إلى مناطق أخرى، تعرضت عملية غصن الزيتون للكثير من الانتقادات الدولية ومن منظمات حقوقية بسبب الفوضى والانفلات الأمني والانتهاكات والسرقة والخطف الذي تقوم به الفصائل المدعومة من قبل تركيا في المدينة.

تحتل تركيّا الآن بشكل مباشر ما يقرب من 10 في المائة من مساحة سوريا، وعلى الرغم من افتتاح فروع لخدمة البريد وتحويل النقود، ودفع رواتب مجالس البلدية وخطباء المساجد والمعلمين في المدارس فإن الحكومة ترفض تسمية وجودها احتلالاً أو انتداباً بل تحافظ على سياسة إدارة الفوضى في التعامل مع ملف الشمال السوري.

بالإضافة إلى ما سبق، تشهد المناطق التي يسيطر عليها الجيش التركي والفصائل السورية المدعومة من تركيا انفلاتاً أمنياً مريعاً ووضعاً اقتصادياً متردياً، بعد أن رفضت كثير من وكالات الإغاثة العمل في مناطق إدلب لتواجد هيئة تحرير الشام، وهي الاسم الجديد لجبهة النصرة الإسلامية المتطرفة والمصنفة إرهابياً.

في هذا السياق، يتهم نشطاء الحكومة التركية بتمرير مخطط تغيير ديموغرافي في المناطق الكردية يهدف للقضاء على الوجود والثقافة الكرديين في مناطق مثل عفرين واستبدالهم بمهجرين عرب من إدلب وريف دمشق وريفي حمص وحماه، وتتهم أيضاً بتطبيق سياسة تتريك ممنهجة في المناطق التي تسيطر عليها، فتسمي إحدى المدارس باسم تنزيلة إردوغان، وهي والدة الرئيس التركي، وتسمي مدرسة أخرى باسم والي غازي عينتاب وحديقة الأمة العثمانية

 



ظل تهديد الرئيس التركي بفتح الحدود للاجئين السوريين باتجاه أوروبا مسألة ابتزاز سياسي لتحصيل أكبر قدر من المكاسب. الصورة لمهاجرين عند المنطقة العازلة على الحدود التركية اليونانية بعد قرار تركيا بفتح حدودها للسماح للمهاجرين بالدخول إلى أوروبا  (غيتي)

المحور الثاني: النفوذ على المعارضة السياسية والعسكرية

لأنقرة نفوذ كبير على المعارضة السورية منذ التأسيس، فالمجلس الوطني السوري والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية كلاهما اتخذا من إسطنبول مقراً لهما بعد التأسيس، بالإضافة إلى عشرات التشكيلات والتجمعات السياسية التي اتخذت من تركيا مقراً لنشاطها مثل الحكومة السورية المؤقتة.

ازداد هذا النفوذ مع فشل أو بطء المسار الأممي في جنيف في التقدم باتجاه حل سياسي واتباع أميركا سياسة إغراق روسيا في مستنقع سوريا، خصوصاً بعد بدء التدخل العسكري الروسي في 2015. لذا برز دور أنقرة في مسار آستانه كضامن لقوى المعارضة في اتفاقات سوتشي ومناطق خفض التصعيد التي أدت لاحقاً لتسليم مناطق ممتدة لقوات النظام السوري، وجولات آستانه الإحدى عشرة وقيامها بتدريب وتسليح وتمويل الجيش الوطني السوري رسمياً، استعداداً لاستخدامه في جولات معارك شمال سوريا.

في ظل هذا الواقع اختارت المعارضة السورية الاستسلام للضامن التركي سياسياً وعسكرياً على أنّه أهون الشرّين بين إيران وروسيا، فأصبحت الوفود تسمى مباشرة من الخارجية والمخابرات التركيتين، والاتفاقات تعقد بين بوتين وإردوغان حول إدلب مثلاً وتترجم للتركية والروسية والإنجليزية وليس إلى العربية.

هذا النفوذ امتد ليكون جزءاً من تعطيل عمل المبعوث الأممي السابق لسوريا ستيفان دي ميستورا، ومن جاء بعده غير بيدرسن، في تشكيل اللجنة الدستورية، نظراً لتحفظ الأطراف الضامنة على الأسماء المشاركة وآلية عمل اللجنة، فكان لأنقرة وموسكو وطهران حق الفيتو ولو بشكل غير رسمي تجاه الأسماء التي ستشكل اللجنة الدستورية، مما حوّلها من تجمع سوري لإيجاد نقطة انطلاق تجاه الحل السياسي إلى حلبة مصارعة بالوكالة بين وكلاء الضامنين بشكل أساسي.

لعل أهم إنجاز يصب في مصلحة أنقرة فيما يخص اللجنة الدستورية هو ضمانها إقصاء القوى السياسية الكردية المعارضة لها من العملية، وموافقة روسيا وإيران والمبعوث الأممي على ذلك.

أحد المشاركين في اللجنة الدستورية اعتبر أن إطلاق اللجنة الدستورية السورية بشكلها الحالي كان بمثابة ضوء أخضر لأنقرة لتشنّ حرباً جديدة على مناطق الإدارة الذاتية التي تتهمها أنقرة بأنها فرع لحزب العمال الكردستاني، وبالفعل لم تمضِ ساعات على الإعلان عن تشكيل اللجنة الدستورية حتى بدأت عملية نبع السلام في شمال شرقي سوريا ضد قوات سوريا الديمقراطية بهدف طردها وإنشاء منطقة آمنة لإعادة اللاجئين السوريين إليها.

عملية نبع السلام واحدة من أربع هجمات عسكرية قام بها الجيش التركي بالتعاون مع الجيش الوطني السوري الذي يتلقى تمويلاً وتسليحاً ودعماً من تركيا.

 

 



مع سيطرة قوات المعارضة على معظم المعابر الحدودية بين البلدين في منتصف عام 2010 أصبح التنقل بين البلدين وبالاتجاهين شديد السهولة، فتدفق مئات الآلاف من السوريين الهاربين من الحرب

المحور الثالث: سلاح الحدود

لم تستخدم تركيا السلاح بشكل مباشر ومنظم في سوريا حتى عام 2016 مع بداية عملية درع الفرات، لكن سلاح فتح الحدود وإغلاقها على حد سواء كان من أهم العوامل المؤثرة في شكل الصراع السوري خلال العقد الماضي.

تمتد الحدود السورية التركية إلى ما يقارب الألف كيلومتر من الساحل السوري مسقط رأس الأسد وحلب العاصمة الاقتصادية لسوريا مروراً بالجزيرة السورية والمناطق ذات الأغلبية الكردية وحتى الحدود العراقية السورية التركية.

مع سيطرة قوات المعارضة على معظم المعابر الحدودية بين البلدين في منتصف عام 2012 أصبح التنقل بين البلدين وبالاتجاهين شديد السهولة، فتدفق مئات الآلاف من السوريين الهاربين من الحرب وآثارها أو الراغبين في اللحاق بعائلاتهم إلى الأراضي التركيّة مباشرة عن طريق المعابر الحدودية حتى مع جوازات سفر منتهية الصلاحية أو دون جوازات سفر أصلاً.

يروي كثيرون قصص دخولهم بشكل غير قانوني إلى تركيّا أمام أعين حرس الحدود والشرطة من الجانب التركي خلال السنوات الأولى من الحرب، كان الانتقال من وإلى تركيا في غاية السهولة، حتى إن البعض كان يعيش على أحد جانبي الحدود ويعمل في الطرف المقابل ويتنقل يومياً بين البلدين.

بدا هذا التراخي في ضبط الحدود مبادرة إنسانية في بادئ الأمر من طرف الحكومة التركية تجاه الشعب السوري، إلا أنّه ومع مرور السنوات بدأت تظهر الآثار السلبية لتفريغ الشمال من سكانه وبدأت معاناة اللاجئين السوريين أو «الضيوف» كما يحلو للحكومة التركية أن تسميهم، بالظهور.

فوجود ما يقارب أربعة ملايين سوري في تركيا شكل ورقة ضغط سياسية واقتصادية رابحة في يد الحكومة التركية، التي استغلت هذا الواقع أمثل استغلال، فحصلت على مليارات الدولارات على شكل مساعدات للاجئين من الاتحاد الأوروبي، وأصبحت ممراً وحيداً للقطع الأجنبي للشمال السوري وللمئات من هيئات الإغاثة والمنظمات الدولية العاملة مع قرار مجلس الأمن بالسماح بالوصول الإنساني عبر الحدود التركية، عدا عن اتفاقية اللاجئين الشهيرة مع الاتحاد الأوروبي والتي حصلت تركيا بموجبها على ما يزيد على 40 مليار ليرة تركية مقابل ضبط الحدود البحريّة ومنع تدفق اللاجئين إلى أوروبا، ولمعرفة ضخامة هذا الرقم يكفي أن نذكر أنه يكفي لتغطية أكثر من ثلث العجز في الموازنة العامة للجمهورية التركية لعام 2020.

ورغم توزع معظم السوريين على المدن التركية كمستأجرين وعاملين ودافعين للضرائب، قامت مثلاً وكالة جايكا اليابانية بتقديم منحة بقيمة 275 مليون ليرة تركية إلى بلدية غازي عينتاب لتطوير شبكة الصرف الصحي بسبب الضغط الذي شكله قدوم السوريين إليها، وكانت هذه المنحة جزءاً من أصل مليار ليرة تركية تم تقديمها إلى البلديات على شكل منح لتطوير البنى التحتية للمدن التي يقطنها السوريون. كل هذا لا يشمل رؤوس الأموال والمستثمرين من السوريين ولا الدعم الكامل لعملية التعليم من قبل منظمة الأمم المتحدة للأمومة والطفل (يونيسيف) والتي تجري حصراً عن طريق وزارة التعليم الحكومية.

هذا الخط الحدودي ذاته، تم إغلاقه في عام 2015، وبدأت الحكومة في بناء جدار فصل أمني بين البلدين أصبح بعد انتهائه من أطول الجدران على هذا الكوكب! وكثفت من الدوريات وفرضت التأشيرة على القادمين جواً وبحراً وأمرت بإطلاق النار على من يحاول الدخول بشكل غير قانوني من سوريا.

ظل تهديد الرئيس التركي بفتح الحدود للاجئين السوريين باتجاه أوروبا مسألة ابتزاز سياسي لتحصيل أكبر قدر من المكاسب، حتى فبراير (شباط) 2019 حين صرّح أن الحكومة لن تقف في وجه من يرغب من اللاجئين بالتوجه إلى أوروبا، مهدداً بموجة كبيرة من اللاجئين على حدود أوروبا الشرقية التي تعاني أصلاً من ارتفاع اليمين مستغلاً مسألة الأجانب واللجوء.

بالتالي ظهر أن التراخي في ضبط الحدود لم يكن من الأصل مسألة إنسانية بحتة، وخصوصاً بالنظر إلى الجانب المقابل من فتح الحدود- من تركيا إلى سوريا- الذي شهد تدفّق آلاف المقاتلين الأجانب من مختلف دول العالم للانضمام إلى تنظيم داعش أو جبهة النصرة، يقول أحد المقاتلين الشيشانيين عن رحلته إلى سوريا: «جئنا إلى مطار إسطنبول، كان ضباط أمن المطار يستقبلوننا بالترحيب: «سوريا سوريا.. جهاد جهاد، ونحن نعيد نفس العبارات مبتسمين معا، ومن المطار فورا إلى المعابر المفتوحة لجميع من يدخلها»

تواجه اليوم الحكومة التركية اتهامات من منظمات حقوقية ومراصد حول علاقتها مع التنظيمات الإرهابية في سوريا، تتراوح هذه الاتهامات من الإهمال القاتل وغض الطرف عن المقاتلين الأجانب إلى التعاون والتنسيق.

 



لم يدم شهر العسل طويلاً بين البلدين، فمع بداية الحراك السوري في 2011 برز دور تركيا كأحد أهم اللاعبين الداعمين للمعارضة السورية سياسياً وعسكرياً  (غيتي)

توتر فصداقة فحرب:

بعد هذا السرد، لابد من الإشارة إلى أن العلاقات كانت إيجابية بين البلدين، بعد أن ورث الرئيس السوري بشار الأسد دفة الحكم، رسمت ملامح هذه العلاقة الزيارة التاريخية للرئيس الأسد في 2004 إلى تركيا، بعد عقود من التوتر وصلت إلى استنفار الجيش التركي على طول الحدود السورية عام 1998، أهمية هذه الزيارة تأتي من كونها أول زيارة لرئيس سوريّ إلى تركيا على الإطلاق، أي منذ الاستقلال عن الانتداب الفرنسي في أربعينات القرن الماضي.

هذا التطور الكبير في العلاقات الثنائية الذي شهده البلدان تجلى في عدد من الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية والسياسية، فتم إلغاء التأشيرات بين البلدين وتسهيل الاستيراد والتصدير والاستثمار، بالإضافة إلى اتفاقيات تعاون على مستوى البلديات وتأهيل الطريق الواصل بين حلب وغازي عنتاب وتوقيع اتفاقية التوأمة بين المدينتين.

استمر شهر العسل بين الرئيسين إردوغان والأسد في جو من التوافق حول القضايا الإقليمية في ذلك الوقت، مثل الوضع في العراق الذي كان في مخاض قاسٍ إثر سقوط نظام البعث وحول الملف النووي الإيراني وحزب العمال الكردستاني.

بدا الطريق ممهداً أمام السياح والتجار الأتراك، في الوقت الذي واجه فيه الصناعيون السوريون تحديات كبيرة بسبب هذا الانفتاح المفاجئ ووجدوا أنفسهم في مواجهة منافسة قاسية دون إجراءات حماية، مثلما فوجئ الطلبة في جامعة حلب بإنشاء فرع لدراسة الأدب التركي واللغة التركية بعد منح الدكتوراه الفخرية لرئيس الوزراء التركي آنذاك رجب طيب إردوغان.

إلا أن شهر العسل بين البلدين لم يدم طويلاً، فمع بداية الحراك السوري في 2011 برز دور تركيا كأحد أهم اللاعبين الداعمين للمعارضة السورية سياسياً وعسكرياً وربما تكون نقطة التحول هي إسقاط المقاتلة التركية من قبل الجيش السوري في 2012 ومقتل الطيارَين اللذين كانا على متنها وما تلا هذه الحادثة من تصريحات نارية وعدائية من الطرفين.

 

شماعة الأمن القومي

خلاصة القول إن شماعة الأمن القومي التركي هي الحجة الجاهزة عند أي انتقاد للدور العسكري التركي في شمالي سوريا، إضافة إلى الوجود الروسي والأميركي وإلى أن قوات سوريا الديمقراطية لا تقدم مثالاً يحتذى في الديمقراطية والحكم الرشيد للمناطق التي تسيطر عليها رغم إنجازاتها في طرد داعش من شمال وشمال شرقي سوريا.

لكن الحقيقة هي أن الشمال السوري اليوم هو الورقة الرابحة لتركيا في مشروعها لإثبات أنها تتحول إلى قوة دولية، وفي حماية أمنها القومي من ارتدادات أي انتصار أو تسوية منصفة للأكراد في سوريا، وفي كون الشمال السوري حصتها من مشاريع إعادة الإعمار والبنى التحتية بعد أن بدأت بهذا فعلاً بمد شبكات الخليوي وفتح الطرقات والمدارس وفروع للجامعات التركية في مناطق الشمال السوري، وأخيراً في كونها سوق تصريف كبيرة لملايين من السوريين المعتمدين على البضائع الجاهزة والمساعدات من المنظمات الدولية والتي لا تجد طريقاً إلا تركيا للحصول عليها.