فريق ملهم التطوعي.. شباب رهنوا أنفسهم للعمل الإنساني

ملهِمون... متطوعون... وأصحاب قضية

* استطاع الفريق منذ 2014 تلبية احتياج ما يزيد على 5700 حالة إنسانية وطبية بين دواء وعملية جراحية وترميم منزل وتأمين مفروشات أو كراسٍ متحركة

* استطاع الفريق تأمين كفالات لـ1621 يتيماً أو أسرة، وتأمين التكاليف الدراسية لـ118 طالباً محروماً من التعليم الجامعي أو المدرسي، بمنحة كاملة لسنوات أو جزئية بحسب الحاجة

لندن: انتشر مؤخراً على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو لشابٍ سوريّ مقيم في لبنان التقى بأمه في مخيم على الحدود السورية التركية، بعد فراق دام ست سنوات، منعه خلالها جواز سفره السوري وأذون السفر من لقاء أسرته... ورسمت الحدود الجغرافية خلالها حدوداً حول أبسطِ حقوقه.

فريق «ملهم التطوعي» كان وراء هذا اللقاء، وفاجأ الأم بترتيب سفر ابنها إليها بعد محادثات طويلة بينها وبينهم، ومحاولاتٍ ومساعٍ طويلة.

 

من هو فريق ملهم التطوعي؟

بدأت حكاية الفريق عام 2012، عندما اتفقت مجموعة من الشباب السوريين في الأردن على أن يجمعوا ألعاباً لأطفال مخيم الزعتري في الأردن، فنشر أحد مؤسسي الفريق عاطف نعنوع منشوراً على صفحته في «فيسبوك» يعلن فيه عن المبادرة، فكان التفاعل كبيراً ومفاجئاً، وهو ما شجعه للمضيّ قدماً في مبادرات لاحقة بالتعاون من أصدقائه، وبدأت المبادرة تلقى استحساناً لدى الناس فكبر فريقهم وتحول من العمل الخيري البسيط إلى مساعدات طبية وجراحية وكفالات أيتام وطلاب جامعات.

 



تسنيم فتة مديرة الموارد البشرية وعاطف نعنوع المدير التنفيذي وأحد مؤسسي فريق ملهم التطوعي مع أطفال من حملة كفالة اليتيم

ماذا يقدم الفريق؟

تحكي مديرة قسم الموارد البشرية، تسنيم فتة، أن كل حالة قابلها الفريق استدعت البدء بتخصص جديد، فبعد أن بدأ الفريق بتوزيع الهدايا للأطفال قابلوا العديد من الحالات المحتاجة لمساعدات طبية، وقدموا أول مساعدة طبية لشابة حامل تعاني من مشكلة صحية ولا تستطيع تغطية تكاليفها، فاستطاعوا تأمين المبلغ المالي لها، وعليه بدأوا في تقديم المساعدات الطبية، وافتتحوا القسم الطبي، كما افتتحو قسم كفالة الأيتام انطلاقاً من الحاجة لذلك، بناءً على مشاهداتهم.

كذلك الأمر بالنسبة لقسم الاستجابة السريعة والتعليم والحملات، وركزت آخر حملاتهم على بناء بيوت في الشمال السوري لأهالي الخيام. «كل قسم لدينا بدأ بحاجة أحد المستفيدين، وهكذا توسّع فريق ملهم بكل أقسامه». 

 

استمر الفريق بالعمل لما يقارب السنتين في الأردن، ثم بدأ في التوسع في الشمال السوري وتركيا ولبنان، وحصل على تراخيص للعمل في الأردن أولاً، ثم تركيا وفرنسا وألمانيا وكندا وغيرها، وانتشر متطوعوه حول العالم ووصل عدد المتطوعين اليوم إلى 300 متطوع.

 



إحدى العمليات الجراحية التي غطى الفريق تكاليفها، لسيدة أصيبت بشظايا في العين تسببت بفقدانها البصر.

الطريفي.. ملهَمٌ ملهِم

ملهَم، الذي سمي الفريق باسمه، هو شاب من مدينة جبلة، كان يدرس إدارة الأعمال في مدينة اللاذقية، تحكي تسنيم فتة أنه سافر مع أسرته إلى السعودية مع بدء اندلاع الاحتجاجات في سوريا، لكنه لم يستطع البقاء بعيداً مع تزايد أعداد الضحايا في الداخل السوري، فعاد إلى سوريا. ومع تفاقم الوضع في مدينة بانياس الساحلية خلال حصارها، اخترق ملهم الحصار ودخل بسيارته حاملاً حليب أطفال. لكنه قتل لاحقاً على يد قوات الجيش السوري. فكانت قصته ملهمة لأصدقائه وللفريق ليؤسسوا المبادرة باسمه.

عمل الفريق طوال سنوات على إطلاق حملات دورية لجمع التبرعات، وقد لاقت حملاته استحساناً كبيراً من الناس، وبات الفريق معروفاً في الأوساط السورية، وموضع ثقة لا يخالطها شكّ، وعن أسباب ذلك تقول تسنيم فتة إن عفويتهم وصدقهم كانا سبباً كافياً لبناء الثقة مع المجتمع السوري، وقد سعوا طوال فترة عملهم إلى توثيق أعمالهم بالصور، ونشر يومياتهم وإتاحة الفرصة للجميع لزيارتهم بعناوينهم الواضحة على مواقع التواصل الاجتماعي، وقد حدث ذلك بالفعل مرات عديدة مما أسّس لعلاقات مباشرة وثقة كبيرة، كما أنهم أرفدوا قسماً خاصاً في موقعهم تحت عنوان «الشفافية» يشرح بالتفصيل كيفية صرف كافة المبالغ التي جمعوها، بل وذهبوا أبعد من ذلك، حيث فتحوا الباب أمام كل متبرع للتواصل مباشرة وبشكل دائم مع المستفيد، والتأكد من وصول التبرعات لأهلها، ليكونوا هم همزة وصل فقط بين المتبرع والمستفيد.

وعن نجاح عملهم، تقول تسنيم فتة إن الحملات هي المجال الأوسع والأنجح في عملهم، يلجأون إليها في حال كان عدد المستفيدين كبيراً وبحاجة إلى مبالغ ضخمة، فيبدأ التحضير لحملة تبرعات واسعة، وقد سجلوا تفاعلاً كبيراً في هذا المجال، وكان للحملات الأولى في مسيرة الفريق الأثر الأكبر، كحملة «كرنفال الأمل»، و«صرخة حلب»، وغيرها.

«حملة مضايا» نقلت الفريق نقلة نوعية، حيث أعادوا تنفيذ تجربة ملهم الطريفي من خلال جمع تبرعات وإيصالها إلى المحاصرين داخل مدينة مضايا في وقت لم يكن يستطيع أحد فيه اختراق حصار المدينة. كما يسعى الفريق إلى تنفيذ حملة طوارئ كل عام، وهي حملة موسمية شتوية توجه إلى المخيمات لتقديم كافة الاحتياجات خلال فصل الشتاء من مواد وأجهزة للتدفئة وحتى خيام جديدة.

يركز الفريق عمله على التبرعات المادية، رغم رغبة الكثيرين في تقديم تبرعات عينية، ذلك لأن شحنها قد يكلّف مبالغ تتجاوز قيمتها الفعلية كما تقول تسنيم، أما عن مساعدات أخرى، فهو يفتح بابه للتطوع دائماً، ويعلن عن شواغر للتطوع بشكل دوريّ، ويرحب بأي متطوع قادر على تقديم ما هو مفيد لعمل الفريق والمستفيدين.

وعن الدعم المقدم للفريق، تؤكد تسنيم أن عملهم ودعمهم فرديّ، غير مدعوم بشكل كامل من جهات معينة، لكنهم أسسوا شراكات مع بعض المنظمات المرخصة حول العالم، منها في اليابان وأحدها في بريطانيا.

وتشدّد تسنيم على أن عملهم ليس موجهاً بناءً على حدود جغرافية، لكن تركيز عملهم في سوريا على الشمال السوري مرتبط بموقفهم من الحراك السوري المعارض لنظام الأسد، وهو ما قد يعرّض متطوعيهم للخطر في حال التحرك في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام.

 

آلاف الحالات الطبية والإنسانية

استطاع الفريق منذ 2014 تلبية احتياج ما يزيد على 5700 حالة إنسانية وطبية بين دواء وعملية جراحية وترميم منزل وتأمين مفروشات أو كراسٍ متحركة، وبحسب بيانات موقعهم، تم تأمين كفالات لـ1621 يتيماً أو أسرة، بين أيتام أم أو أب أو الاثنين، وتأمين التكاليف الدراسية لـ118 طالباً محروماً من التعليم الجامعي أو المدرسي، ويتم ذلك إما بمنحة كاملة لسنوات أو جزئية بحسب الحاجة.

 



فريق ملهم التطوعي استطاع لم شمل سيدة سورية بابنها بعد غياب 6 سنوات، وأثار فيديو اللقاء ضجة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي

لم الشمل

الفيديو الذي انتشر بشكل واسع لجمع شاب سوري بوالدته لم يكن ضمن أي من حملات الفريق، ولم يخصص الفريق قسماً لهذا النوع من العمل لأنه مكلف وصعب، فكل سوريّ لديه معاناة مع البعد والشتات، كما تقول تسنيم. وتشرح أن العملية صعبة للغاية، لكن قصة هذه السيدة بالذات أثرت في الفريق بعد أن تواصلت معهم مراراً وزاروها عدة مرات، فكانت محاولاتهم للم الشمل موفقة، وما سهّل عليهم العملية أن تمويلهم فرديّ، ولهم حرية التصرف بالمبالغ الواردة بما يخدم الحالات الإنسانية، لكنهم لا يستطيعون بذل مواردهم في هذا المجال، لصعوبة تنقل السوريين.

تسنيم تعتبر الفريق أسرةً لها من متطوعين ومستفيدين، وارتبطت بالعمل فيه في كافة تفاصيل حياتها، وتقول: «كنت دائماً أرغب بالعمل في المجال الإغاثي، وإحساسي بالعجز لازمني لفترة طويلة، وهنا فقط وجدت جزءاً كان ضائعاً مني، ووجدت مكاناً أستطيع أن أضع فيه كل جهودي وكامل ثقتي، الجميع هنا يرغب بالمساعدة، ما جعلنا أسرة واحدة، حتى إن متطوعين كثر وأنا منهم، تركنا مجال دراستنا وتفرغنا للعمل الإغاثي في فريق ملهم».

ولدى سؤالنا لها عن أكثر حالة أثرت فيها، لم تتردد في القول «تيما»، وهي شابة سورية نزحت مع أسرتها من مدينة حمص السورية إلى مخيم الزعتري، بعد أن قُتل أبوها وأخوها أمامها، وفي المخيم لم تستطع وإخوتها الالتحاق بالتعليم، وبعد أن وصل إليهم فريق ملهم، وعلم بتفوقها ورغبتها العارمة في استكمال دراستها، عمل على إخراجها وأسرتها من المخيم، واستئجار منزل لهم ثم تكفلت أسرة فلسطينية بإقامتهم لمدة 4 سنوات، خلالها تابع الفريق دراسة تيماء وإخوتها وتأمين أي مستلزمات مادية أو طبية احتاجتها الأسرة، وأنهت تيماء دراستها الثانوية ثم التحقت بالجامعة وتخرجت بتفوق من كلية الصيدلة، ثم انتقلت إلى تركيا وتطوعت للعمل مع فريق ملهم، وتدرجت في التطوع هناك حتى تسلّمت قسم كفالة الطلاب الذي استفادت منه يوماً.

تقول تسنيم: «الكثير من الحالات أثرت فيّ، لكن تيما اليوم صديقتي وفرد من عائلتي وعائلة فريق ملهم التطوعي».

 



تيماء عمر، تكفّل الفريق بدراستها الثانوية والجامعية حتى التخرج