هل تذهب السياحة المصرية إلى مزيد من الركود؟

بعد فرض رسوم تأشيرة دخول على الزائرين من دول مجلس التعاون الخليجي

* فرض رسوم على القادمين من مجلس التعاون الخليجي قرار جيد ونادينا به كثيراً ولكن توقيته غير صحيح

* على الدولة في ظل جائحة كورونا أن تقدم تسهيلات للسائح بوجه عام والسائح الخليجي بوجه خاص من أجل تنشيط الحركة السياحية

* مبلغ الرسوم على التأشيرة «زهيد جداً» ولن يجبر السائح السعودي أو الخليجي على تغيير وجهته السياحية لبلد آخر

* مصر تعد أرخص دولة سياحية على مستوى العالم والسائح يستطيع الحصول على أسبوع سياحي في مصر بمبلغ لا يتجاوز 500 دولار

* القرار المصري هو تأسيس لما هو قادم للعمل على أسس سليمة وتأصيل لمرحلة ما بعد أزمة كورونا وهو قرار جيد يؤسس للمستقبل

* هناك تفهم من جميع الدول التي تشجع السياحة إلى مصر خاصة أن هناك العديد من الإجراءات الاحترازية لتصبح حركة السياحة آمنة إلى حد كبير

القاهرة: مع إعلان السلطات المصرية صدور قرارها الخاص بتحصيل رسوم تأشيرة دخول لأراضيها من الزائرين لها من دول مجلس التعاون الخليجي (الإمارات والمملكة العربية السعودية ودولة الكويت ومملكة البحرين وسلطنة عمان)، إضافة إلى دولة قطر التي يطبق القرار على مواطنيها منذ العام 2017، ونشره في الجريدة الرسمية للعمل به، ثارت تساؤلات عديدة حول القرار، وأهميتة، وتوقيت إصداره، حيث إن القرار يأتي في مرحلة فارقة تعاني فيها السياحة المصرية من حالة ركود، وبطالة، مثلها مثل بقية الدول الأخرى حتى المتقدمة منها، وذلك بسبب جائحة كورونا، وعلى الرغم من أن قرار السلطات المصرية لم يحدد قيمة الرسوم المفروضة على مواطني دول مجلس التعاون الخليجي مقابل الحصول على تأشيرة الدخول إلى مصر، إلا أن القرار قد يسهم سلبا في التأثير على قرار السائح الخليجي حيث إن السلطات المصرية كانت قد فرضت منذ العام الماضي تحصيل 25 دولارا من الزائرين غير المعفيين، للحصول على تأشيرة الدخول للسائحين مقابل سفرة واحدة، ومبلغ 60 دولارا مقابل عدة سفرات، وهو ما يؤشر إلى أن الرسوم قد تتجاوز هذه المبالغ، وهو ما يدعو للتساؤل حول جدوى القرار، ومدى فائدته في مثل هذا التوقيت والذي كان يتوجب فيه منح العديد من المزايا، والإعفاءات لترغيب السائحين بشكل عام، والأشقاء الخليجيين بشكل خاص للقدوم إلى البلاد، وإنعاش حركة السياحة، خاصة في ظل تراجع حركة السياحة، بما فيها السياحة الداخلية بسبب جائحة كورونا، وهل سيسهم مثل هذا القرار في التأثير سلبا على حركة تدفق السياحة الخليجية إلى مصر وتغيير وجهتها إلى دول سياحية أخرى في المنطقة مثل تونس، وتركيا اللتين تقدمان مزايا، وإعفاءات للقادمين إليها؟ خاصة أن وباء كورونا بدأ ينحسر في هذين البلدين؟

«المجلة» من جهتها حاولت بحث هذا الموضوع وبحث تداعيات هذا القرار، وآثاره السلبية والإيجابية على حركة تدفق السياحة إلى مصر، وذلك مع عدد من الخبراء والمتخصصين في المجال السياحي، وما إذا كان هذا القرار قد جانبه الصواب، إضافة إلى بحث آثار هذا القرار على حركة تدفق السياحة الخليجية إلى مصر والتي لا تهتم في مجملها بسياحة الآثار وتفضل السياحة الدينية، وسياحة الترفية، وسياحة الشواطئ والاستجمام.  

 

الدول العربية هي المنفذ الأسرع للقادمين من أجل السياحة البينية، وهذا القرار جيد لو كان صدوره في الأوقات العادية

قرار مدروس

من جانبه، قال أحد المسؤولين في هيئة تنشيط السياحة بوزارة السياحة المصرية والمستشار السياحي المصري في باريس، الدكتور عادل المصري، في تصريحات خاصة لـ«المجلة»: «لا شك أن الدولة المصرية ووزارة السياحة والوزارات المعنية كوزارة الصحة يبذلون أقصى مجهود لعودة السياحة إلى مصر في أسرع وقت ممكن، وبالتأكيد أي قرار يتم اتخاذه يكون قرارا مدروسا من الدولة، وأنا لا أعتقد أن وجود رسوم تأشيرة على القادمين من دول الخليج سوف يؤثر على تدفق الحركة السياحية، ونحن في النهاية نشجع ما يسمى السياحة البينية بين مصر وأشقائها من الدول العربية، وأعتقد أن هناك تفهما من جميع الدول التي تشجع السياحة إلى مصر، خاصة أن هناك العديد من الإجراءات الاحترازية التي قامت بها الحكومة المصرية خلال الفترة الماضية، وأصبحت حركة السياحة آمنة إلى حد كبير، وهذا يدفعنا إلى التعاون مع أشقائنا من الدول العربية خلال الفترة القادمة، ونحن نرى أن بوادر الخروج من عنق أزمة كورونا أن نتعاون في السياحة البينية بين الدول العربية وبعضها البعض. النقطة الثانية نحن نعلم أن السياحة الأوروبية لن تعود إلا إلى 3 مناطق، وهي شرم الشيخ، والغردقة، ومرسى مطروح، وإلى حد كبير ستكون بقية المقاصد السياحية الخاصة بالدول السياحية المصدرة لمصر سوف تأخذ فترة حتى تعود لمسارها الطبيعي، وفي نهاية القول فرض هذه الرسوم، خاصة أنها لن تكون كبيرة، لن تكون مؤثرة سلبا في تدفق الحركة السياحية الخليجية لمصر».

 

قرار صحيح في توقيت خاطئ

من جانبه، قال محمد مصطفى، مدير إحدى شركات السياحة لـ«المجلة»: «قرار فرض رسوم تاشيرة على المواطنين من مجلس التعاون الخليجي الزائرين لمصر هو قرار جيد، وناديت كثيرا من أجل تطبيقه، لأنه من المفترض أن أية دولة في العالم تقوم بفرض رسوم على تأشيرة القادمين إليها، ولكن هذا القرار كان توقيته غير صحيح بسبب الظروف التي نمر بها بسبب جائحة كورونا وهي ظروف صعبة، لأنه بالنسبة لنا فإن الدول العربية هي المنفذ الأسرع للقادمين من أجل السياحة، سواء السياحة العربية أو الشرق أوسطية أو من شمال أفريقيا، وأعتقد أن شمال أفريقيا مستثناة حيث تتطلب موافقات أمنية والحصول على فيزا من السفارة، وهذا القرار جيد لو كان صدوره في الأوقات العادية، وأنا أؤيده تماما، حيث إن رسوم التأشيرة في حدود 25 دولارا لا يمثل قيمة بالنسبة للسائح الخليجي القادم لمصر، ولكن فرض رسوم في ظل هذه الظروف هو أمر صعب، وما اقصده أنه يجب على الدولة في ظل أزمة جائحة كورونا أن تقدم تسهيلات للسائح بوجه عام من أجل تنشيط الحركة السياحية».

وأضاف محمد مصطفى: «أعتقد أن الرسوم المفروضة على التأشيرة لن تعيق، حركة السياحة الخليجية لمصر، لأن مصر بالنسبة للسائح العربي هي الأساسية بالنسبة له، وأعتقد أن القرار سوف تكون آثاره قليلة لأنه بالنسبة للسائح القادم من أية دولة خليجية لن يؤثر معه دفع رسوم تأشيرة بحجم 20، أو 30 دولارا، فهي لا تمثل قيمة كبيرة بالنسبة له، ولكن يجب علينا أن نقدم عددا من التسهيلات لتشجيع المواطنين العرب والأجانب للقدوم إلى مصر، بدلا من أن نقوم بزيادة الأعباء عليهم، أما مبلغ الرسوم على التأشيرة فهو لا يعد رقما ذا قيمة، بل على العكس هو رقم (زهيد جدا) وليس هذا الرقم هو الذي سيجبر السائح السعودي أو الخليجي على تغيير وجهته السياحية لبلد آخر مثل تركيا، أو تونس، إضافة إلى أن توتر العلاقات السياسية بين المملكة العربية السعودية وتركيا يجعل المواطن السعودي لا يرغب كثيرا في الذهاب إلى تركيا، وذلك على اعتبار أن السعودية هي أكبر سوق سياحية موجودة في الخليج، أما بقية دول مجلس التعاون الخليجي فإن حجم الأعداد التي تأتي منها ليست مؤثرة بدرجة كبيرة على السوق السياحية المصرية، كما أن السياحة الخليجية لا تعتمد بشكل كبير على زيارة المناطق الثرية ولكنها سياحة الـ(ويك إند) والسياحة الترفيهية والخروج للمطاعم، وعمل مشتريات، وحضور سهرات، وليس كالسائح الأوروبي المهووس بالآثار».

وقال مصطفى: «في ظل أزمة وتداعيات كورونا نحن نفكر جميعا حاليا في إنعاش السوق السياحية، وليس الغرض هو تحقيق الربح، ولكن نهدف لتحريك وتنشيط حركة السياحة، ويمكن عمل ذلك عن طريق بعض الإجراءات الخدمية البسيطة لجذب السائح كالقيام بتوصيل السائح للمطار مجانا على سبيل المثال، وتقديم بعض الهدايا، والمحفزات، خاصة في ظل عملية الركود السياحي الحالية، وفي حالة فتح المطارات يمكن تقديم خدمات تحفيزية كبرامج سياحية وعمليات ترانسفير ذهابا، وإيابا، وعمل رحلة، أو تقديم عشاء بدوي، وهذا بالنسبة للسائح الذي وجهته شرم الشيخ ومرسى علم ومرسى مطروح والغردقة على سبيل المثال، ولكن بوجه عام أنا مع إصدار القرار تماما، لكن التوقيت خاطئ، خاصة في ظل جائحة كورونا، لأنه قبل أزمة كورونا كانت أعداد السائحين القادمين من منطقة الخليج كبيرة، فما المانع من فرض رسوم على التأشيرة خاصة أن الحصول عليها يكون عند الوصول، أو استلام التاشيرة أونلاين».

 

نعلم أن السياحة الأوروبية لن تعود إلا إلى 3 مناطق، وهي شرم الشيخ، والغردقة، ومرسى مطروح، وبقية المقاصد السياحية سوف تأخذ فترة حتى تعود لمسارها الطبيعي

تأثيرات سلبية.. ويجب تقديم تسهيلات

من جانبه، قال الخبير في مجال السياحة، الدكتور زين الشيخ في تصريحات خاصة لـ«المجلة»: «قرار تحصيل رسوم تأشيرة على الزائرين القادمين لمصر من دول مجلس التعاون الخليجي هو قرار غير مناسب في الوقت الحالي فنحن في جائحة كورونا، ومن المفترض في ظل هذه الجائحة أن نقدم تسهيلات ولدينا مشكلة أساسية الآن، لأن جميع دول العالم سوف تبدأ في تصنيف الدول التي يمكن الذهاب إليها، وهل هذه الدول بها إصابات فيروس كورونا، أم لا؟ وهل هذه الدول آمنة أم لا؟ وبناء عليه يوضع ترتيب لهذه الدول كمنطقة حمراء، أو منطقة صفراء، أو منطقة خضراء، فعلى سبيل المثال الدول التي تعافت بالكامل ستوضع ضمن المنطقة الخضراء، وسيتم قدوم السائحين إليها لأنها آمنة. والدول المستقبلة للسياحة، ومنها مصر، من المفترض أن تقوم بإجراءات احترازية طبية، وأمنية، لإعطاء الثقة أمام مواطني الدول المصدرة للسياحة للقدوم إليها، ونحن في مصر بدأنا في السياحة الداخلية كي تكون بمثابة تجربة نثبت بها أن المقاصد السياحية في مصر مثل شرم الشيخ والغردقة وغيرها هي مقاصد آمنة يمكن للسائح القدوم إليها. والمرحلة الثانية هي السياحة البينية وهي تأتي من الدول القريبة منا، وأهمها الدائرة العربية والدول الشرق أوسطية، وأهم شيء فيها هو العامل الأمني، والعامل الصحي، وإعطاء تسهيلات، والتي يأتي على رأسها (التأشيرات)، وكان يمكن تحصيل قيمة رسوم التأشيرة بأي شكل من الأشكال ولكن، ما سمعناه أن هذا الإجراء جاء باعتبارات المعاملة بالمثل، وأحيانا يتم تقديم تسهيلات كإجراء تحفيزي إضافة إلى الإجراءات الاحترازية الطبية والأمنية، وكان يمكن وضع إجراءات الكشف عن سلامة السائحين والتأكد من أنهم غير حاملين للفيروس، ولكن بالنسبة للتأشيرة قد تكون أكثر جذبا للسائحين في حال تم السماح لهم بالدخول دون تأشيرة ولمدة 3 أشهر على سبيل المثال، فهذا الإجراء سيكون أكثر جذبا».

وقال الشيخ: «توقيت صدور القرار هو توقيت غير مناسب، ومن المفترض أن أقدم تسهيلات للسائح غير الحامل للفيروس بالسماح له بالدخول دون تأشيرة مثلا، وتخفيضات أخرى مثل دخول المتاحف مجانا، إضافة إلى تسهيلات فندقية، وغيرها من الإجراءات»، مضيفا: «بالتأكيد قرار رسوم التأشيرة قد يؤدي إلى نتائج سلبية، والسائح العالمي عموما يفضل الذهاب إلى الأماكن التي تعطيه بعض التسهيلات، وهذا سوف يؤثر على الحركة السياحية حتى لو كان التأثير طفيفا لوجود سائحين يفضلون القدوم إلى مصر لأسباب أخرى، ولكن مثل هذه القرارات تجعله مترددا في تحديد وجهته، وبالتأكيد التسهيلات المقدمة للسائح لها تأثير نفسي وتأثير مادي ومعنوي، إضافة إلى عدم إغفال المنافسة مع دول أخرى مثل تركيا وتونس على سبيل المثال والتي تقدم تسهيلات، والسائح الخليجي يأتي إلى مصر قاصدا السياحة الدينية، والترفيهية، وسياحة الشواطئ، ومع هذا فإن مثل هذا الإجراء قد يؤثر على اختياراته بالنسبة للوجهة السياحية التي يقصدها، ويجب الوضع في الاعتبار أن التسهيلات من شأنها أن تغير في وجهة السائح».

 

تعديل للمسار الطبيعي

من جهته، قال الخبير السياحي علاء الغامري: «رسوم التأشيرة ليس لها تأثير كبير على السائحين فجميع دول العالم تفرض رسوما على تأشيرات الدخول إليها، فمثلا في المملكة العربية السعودية يتم فرض رسوم على تأشيرة العمرة، وكل الدول تمارس هذا الحق، وليس معنى أن مصر قد قامت بإعفاء مواطني بعض الدول من رسوم تأشيرة الدخول، أنه لا يمكنها ممارسة هذا الحق، ومن الطبيعي أن الرسوم تأتي كأحد موارد الدولة خاصة في ظل ظروف الأزمات مثل جائحة كورونا، ونحن نقدم تسهيلات، وليس معنى تقديم التسهيلات القيام بإلغاء رسوم التأشيرة، فمصر على سبيل المثال تعد أرخص دولة سياحية على مستوى العالم، فالسائح يستطيع الحصول على أسبوع سياحي في مصر بمبلغ لا يتجاوز 500 دولار، والسائح الخليجي يمكنه عمل مشتريات في مصر بمبالغ زهيدة لا تزيد على الألف ريال، وهي مبالغ لا تذكر، والظروف الاقتصادية في جميع الدول تفرض عليها اتخاذ ما تراه مناسبا لها، وجميع الدول تفرض رسوم تأشيرة، ولكن الفكرة هي الأمن والاستقرار، ونحن في الظروف الحالية نسبة السياحة ضئيلة جدا، وهذه الرسوم في الوقت الحالي لن تحدث تغيرا جوهريا، ولكن القرار بمثابة تعديل للمسار الطبيعي، وهل زيادة سعر تذاكر الطيران ستمنع السائح من القيام برحلة سياحية ؟ قطعا هذا ليس منطقيا، والقرار المصري هو تأسيس لما هو قادم، والعمل على أسس سليمة، وهو تأصيل لمرحلة ما بعد أزمة كورونا، وهو قرار جيد يؤسس للمستقبل، فالتأشيرات في الدول الأوروبية قد تقترب في بعض الأحيان من الألف يورو، كما أن تأشيرة الحج تبلغ ألف ريال سعودي، وقرار فرض رسوم التأشيرة على القادمين من دول مجلس التعاون الخليجي هو قرار طبيعي، ومصر لديها مقومات سياحة عالية جدا، وأسعار غير قابلة للمنافسة على مستوى العالم».

كان يمكن وضع إجراءات الكشف عن سلامة السائحين والتأكد من أنهم غير حاملين للفيروس