مرحلة اضطراب وفوضى شاملة تنتظر لبنان

تعزيز الطائفية والمذهبية سلاح يستخدمه حزب الله لفرض شروطه وترهيب اللبنانيين
* استطاع جزء كبير من اللبنانيين عام 2005 وتحديدا في 14 شباط طي صفحات الماضي الأليم واختاروا العبور إلى دولة حقيقية متضامنين من كل الطوائف والمذاهب
 
* سياسيون وضعوا كل مطالب الشعب خلفهم، نفذوا مخططاتهم وشكلوا حكومة تشبههم، حكومة من لون واحد، منبوذة عربيا ودوليا
 
* المذهبية والطائفية ليست وليدة اليوم، ولكنّ مرور السنوات والتجارب القاسية التي عاشها اللبنانيين دفعت كثير منهم إلى خلع هذه العباءة، حتى أنّ محطات كثيرة شهدها لبنان كانت رمزا للعيش الواحد
 
* حزب الله هو الطرف الذي يشعل النعرات الطائفية والمذهبية داخل لبنان، ولكن ليس وحده فهو لديه أدوات جاهزة للتعاون معه من كلّ الطوائف في لبنان
 

بيروت:"لبنان أكبر من وطن... إنه رسالة" هكذا وصف البابا الراحل يوحنا بولس الثاني هذا الوطن الصغير الذي أطلقت فيه أجمل الألحان والصفات على مرّ السنين، وقد لا نبالغ إن قلنا أن لبنان يوما ما أذهل العالم والعرب على وجه التحديد، بتنوعه ورقي أهله وجمال طبيعته واختلافه عن سائر دول المشرق، فالحرية والأمان الذي أعطاه لبنان لمن مكث أرضه أو كان عابرا أو ضيفا فتعلّق به، جعلت منه مقصدا لكبار المفكرين والقادة والكتاب والفنانين.
أمّا بيروت كانت حلم لأي مشرقي وزيارتها وقضاء أيام في شوارها التي ذاع صيتها في العالم أجمع كانت هدفا لكثيرين من محبي الفن والسهر والحرية، وهي التي أذهلت حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في شبابه فقال في كتابه العبارة شهيرة «حلم تردد في ذهني أن تكون دبي كبيروت يوماً ما» فحرك مشاعر الكثير من اللبنانيين الذين يبكون وطنهم اليوم لما حلّ به من بؤس فانقلبت بيروت وبات حلم أبنائها بأن تأتيهم الفرصة ليرحلوا إلى دبي، وبات لبنان قنبلة قابلة للانفجار في أي وقت.
 
نعم لبنان الذي عاش عزا لم يشهده بلدا عربيا، تحوّل بقدرة «أهله» إلى ساحات حرب مفتوحة لم تقفل حتى اليوم، تغلغلت بين أبنائه الطائفية والمذهبية التي جعلتهم يتقاتلون باسم الأديان، قسموا المناطق، وهدموا الشوارع والعمران، وباتت بيروت مدينة أشباح أنهكتها الدماء وروائح البارود، وأصوات القذائف وحواجز القتل على الهوية. معارك متنقلة واجتياحات إسرائيلية ووصاية سورية، وحرب إلغاء وحرب تحرير... وكثير كثير من العناوين التي أطلقت على المعارك التي انهكت لبنان واللبنانيين طيلة سنوات طوال.

 




مشهد من احتجاجات لبنان وقطع الطرقات بالاطارات المشتعلة ومستوعبات النفايات


 
شبح الحرب الأهلية
 
أمّا بعد، أكثرُ من ثلاثين عاما على نهاية الحرب الأهلية، وشبحها لا زال يخيّم فوق رؤوس اللبنانيين، قسم منهم يصرّ على تذكير باقي اللبنانيين بالحرب المشؤومة على الرغم من بشاعتها وآلامها التي ترافق جزء كبير من أبناء هذا الوطن حتى يومنا هذا. 
يوم انتهت الحرب الأهلية حاول كثير من اللبنانيين بجميع طوائفهم وانتماءاتهم أن يتخطوا تبعات الحرب، ويبدؤوا صفحات جديدة من الانصهار الوطني، وكسر الجليد الطائفي، وأن أي لبناني لأي طائفة انتمى هو شريك في الوطن وعليه احترامه واحترام مقدساته. سنوات من الترميم للعلاقات المبتورة بين أبناء الطوائف والمناطق المختلفة، عززها جيل التسعينات، الذي ولد بعد نهاية الحرب، ولم يعش يوما متاريس الحروب وميليشياتها، دخل المدارس والجامعات وسوق العمل، فاختلط بكافة أطياف المجتمع اللبناني وأدخلهم بيته الصغير فأجبر أهله على نسيان أو تناسي حقبة سوداء من تاريخ لبنان. 
بالطبع لم ينس اللبنانيون الحرب ومآسيها حتى أنّ بعضهم لا يزال يعيش وكأن الحرب لم تنته، وآخرون حاولوا مرارا وتكرارا افتعال الخلافات الطائفية وإشعال الفتن بين أبناء الطوائف المختلة، إلاّ أنّها دائما كانت تمرّ بسلام، لأن من «ذاق مُرّ الحرب لن يسمح بتكرارها» فالوعي الذي خلقته التجربة المرّة عند شريحة واسعة من الشعب كانت كفيلة بضبط الشوارع نوعا ما، كذلك القرار الدولي والعربي بأهمية الاستقرار في لبنان والدعوات المفتوحة إلى الحوارات بين الأحزاب والطوائف، جعلت لبنان على مرّ السنوات يتخطى كل الخضات الأمنية التي كانت تحدث بأقل أضرار ممكنة. ولكن ما حصل مؤخرا في شوارع بيروت أعاد الخوف من مستقبل مجهول يعيد سيناريوهات الحرب وويلاتها خصوصا أن دول العالم لم تهرع كعادتها لإنقاذ لبنان الذي يغرق منذ أشهر بأسوأ أزمة اقتصادية مرّت عليه؟
 
 




من انتفاضة الاستقلال في 14 مارس 2005 عندما نزل اللبنانيون مسلمين ومسيحيين للمطالبة بخروج الجيش السوري من لبنان


 
لبنان رهينة بيد حزب الله
 
 
قبل أشهر خرج اللبنانيون إلى الشوارع بعدما تدهور الوضع الاقتصادي وباتت روائح الفساد تلوح من كل مكان، خرجوا إلى الشوارع في كلّ الساحات على امتداد الوطن رفعوا شعارات وطنية منددة بالطائفية بمطالب موحدة، بناء الدولة، محاسبة الفاسدين، وقف المحسوبيات والطائفية.. ما حصل في 17 تشرين الأول 2019، أبهر اللبنانيين والعالم، حتى أنّ مطار رفيق الحريري الدولي غصّ بالمغتربين الذين تحمسوا من مهجرهم، فعادوا إلى الوطن ليشاركوا في «العرس الوطني». لبنانيون من جميع الطوائف والمناطق اجتمعوا على «حب الوطن» وقرروا إنقاذه!
إلاّ أنّ هذه الفرحة لم تكتمل، فجزء من الحاكمين بأمر الوطن، والذين بنوا أمجادهم وسلطتهم وأموالهم بتعزيز روح الطائفية والمذهبية على حساب الولاء بالوطن الواحد، كشروا عن أنيابهم، وبدأوا حربهم الجديدة، بالتحريض حينا على الثائرين، واتهامهم بالعمالة للسفارات وتنفيذ أجندات غربية، وأحيانا بإرسال مجموعات تابعة لهذه الأحزاب لتنفيذ اعتداءات على مواطنين قرروا أن يثوروا على الفاسد.
 
هذا باختصار ما حصل في لبنان في الأشهر الماضية سيناريو تكرّر أكثر من مرّة، «طوابير خامسة» كما أطلقوا عليها حوّلت ساحات الحرية إلى ساحات حرب، خربوا كل شيء اعتدوا على الأملاك الخاصة والعامة، افرغوا حقدهم على بيروت والثائرين.. وفي المقابل سياسيون وضعوا كل مطالب الشعب خلفهم، نفذوا مخططاتهم وشكلوا حكومة تشبههم، حكومة من لون واحد، منبوذة عربيا ودوليا، تتخبط في داخلها وبين مكوناتها، يختلفون علنا على الصفقات والتعيينات والمحاصصة، ليس لديهم أي رؤية أو خطة لإنقاذ الوطن، فقط ينتظرون التعليمات من مرشد جمهوريتهم، الذي بدوره يتلقى الأوامر والتعليمات من المرشد الايراني الذي نجح بأن يأخذ لبنان رهينة لتنفيذ مخططاته وأجندته الدموية والانعزالية.
 
نعم لبنان أصبح رهينة، وهم مستعدون لفعل أي شيء مقابل أن يبقى لبنان ورقة يستطيعون استخدامها في أي مفاوضات أو حرب تخاض في الإقليم، هذه الرهينة شهدت قبل أيام تحديدا في 6 حزيران أخطر هجوم نفذه الغزاة على بيروت، هجوم ممنهج برسائل عدّة، أوّلها اعتداءات على محتجين في وسط بيروت، وتهديدهم، بأن أي تحرك مطلبي يرفع فيه مطلب «سحب سلاح المقاومة» سيواجهه «المقاومون» بالاعتداءات والضرب والتكسير والترهيب، الرسالة الثانية كانت من نصيب أهل بيروت خاصة وسنّة لبنان عموما، فقد أطلق غزاة «الدراجات النارية» بعدما أتوا من الضاحية الجنوبية معقل حزب الله إلى أطراف طريق الجديدة المعقل السني في بيروت، شعارات طائفية وسباب طال السيدة عائشة زوجة النبي محمد، وهي التي تعتبر رمزا سنيا ومسلما، الرسالة الثالثة كانت من نصيب المسيحيين في عين التينة والذين طالتهم استفزازات أنصار ميليشيا حزب الله، فتحولت بيروت ليلا إلى مدينة مستباحة من «زعران حزب الله» تعلو فيها أصوات رصاصات «المقاومين» لترهيب أهل بيروت، وإرسال رسالة لمن يهمه الأمر أنّ سلاح حزب الله خطّ أحمر، واستباحة بيروت والاعتداء على أهلها كما فعلنا في 7 أيار أمر سهل نستطيع تكراره كلّ يوم، لا حساب لشيء سوى لبقائنا وأجندتنا، ووجودنا وسلاحنا وقوتنا!
 
 
حزب الله يعزّز المذهبية الطائفية لدى أتباعه
 
المذهبية والطائفية ليست وليدة اليوم، ولكنّ مرور السنوات والتجارب القاسية التي عاشها اللبنانيين دفعت كثير منهم إلى خلع هذه العباءة، حتى أنّ محطات كثيرة شهدها لبنان كانت رمزا للعيش الواحد، أبرزها إبان اغتيال رئيس حكومة لبنان السابق الشهيد رفيق الحريري، عندما توّحد اللبنانيين مسلمين ومسيحيين في الساحات على مطالب واحدة، وشعارات موّحدة. ولكن لماذا يصرّ حزب الله على تعزيز الطائفية والمذهبية لدى جمهوره، وجرّ الآخرين إلى هذا المنحى؟

 




لقمان سليم


 
 
المحلل والكاتب السياسي الدكتور لقمان سليم رأى في حديث لـ «المجلة» أنّه «مع بداية الحرب الأهلية لم تأخذ الحرب منحى سني وشيعي، إلاّ أنّ بروز الشيعية السياسية بدأت مع حركة المحرومين والسيد موسى الصدر، وبرزت بشكل أساسي وعسكري بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1978 وتحديدا عندما بدأت الاشتباكات بين حركة أمل ومنظمة التحرير الفلسطينية، وأيضا كان لنجاح الثورة الايرانية دور بارز في بروز الإسلام الشيعي في لبنان».
 
وأضاف «ما حدث من شتم السيدة عائشة علنا في بيروت، ليس الأول فلا أحد ينسى بروز الشيخ أحمد الأسير الذي قام بحملة واسعة ضدّ الشيعة في لبنان وتحديدا حزب الله، عندما اتهم حزب الله باستخدام دمى للأطفال تشتم السيدة عائشة وحينها استطاع الأسير استثارت شعور بعض المسلمين الشنّة.
وما حدث في 6/6 عندما شتمت السيدة عائشة في بيروت، خصوصا أنّ شتمها هو محض خلاف بين الشيعة أنفسهم، يمكن ترجمته سياسيا، بأنّ الطرف الشيعي في لبنان لديه القدرة بتجييش الشيعة مذهبيا، على الرغم من أنّ القيادات الشيعية لم تذهب سابقا إلى التجييش المذهبي، بل كان لديهم شعارات أخرى يستطيعون من خلالها تجييش جمهورهم. ولكن أن يصل حزب الله إلى استخدام التجييش المذهبي، فهذا من علامات الساعة، وحزب الله صاحب العضلات الأضخم في لبنان أراد إرسال رسالة عنيفة وحمالة تهديد إلى كل من يهمه الأمر، أنّ الحزب مستعد للذهاب إلى الحرب الأهلية إذا قرر أي طرف طرح مسألة سلاح حزب الله إن في الشارع أو في خطابات سياسية. 
وهذا الأسلوب ليس بجديد فقد قام حزب الله في 7 أيار 2008 بحملة تأديبية ضد سعد الحريري ووليد جنبلاط واستطاع فرض اتفاقية الدوحة وتحييد سلاح حزب الله، ونلاحظ أن مسألة سلاح الحزب لم تطرح حتى خلال السنوات الماضية باستثناء الاعتراضات التي واجهها الحزب مع دخوله الحرب السورية، ولكن في العام 2014 عندما شكلت حكومة «وحدة وطنية» برئاسة تمام سلام، خفتت الأصوات المناهضة للحزب، عملا بمبدأ النأي بالنفس وتحييد لبنان عن الصراعات بالمنطقة».
 
وأضاف سليم «قرر حزب الله استخدام العصى المذهبية اليوم على سبيل الردع، خصوصا أنّه الطرف الوحيد القادر على خوض الحرب، ولكنّه يدرك جيدا أنّ الذهاب بعيدا سيكون له أثمان، وسيقلّب عليه ليس السنّه اللبنانيون فقط بل كلّ السنّة الذين يقطنون الأراضي اللبنانية من فلسطينيين وسوريين».
وختم سليم «هناك محاولة من السلطة السياسية لإلهاء الناس عن الفساد والغلاء والوضع الاقتصادي السيء عن طريق إعطاء الأولوية للشأن الأمني، وما حدث مؤخرا إضافة إلى تسريب وثيقة تقول بأن هناك معلومات بأنّ عملية إرهابية مخططة لها كانت ستحدث في مطار بيروت هدفه تشتيت الناس عن معاناتهم الأساسية وردعهم عن المطالبة بحقوقهم والتبرير لممارسة القمع على تحركاتهم».

 




مسجد محمد الأمين (يُشار إليه أيضاً باسم المسجد الأزرق) وكاتدرائية القديس جورج المارونية


 
 
كل اللبنانيون طائفيين
 
لا يمكن الجزم أو الادعاء بأن اتباع حزب الله وحدهم هم الطائفيون، ولكن وحده حزب الله يملك ترسانة من الأسلحة، وجيش مدرّب على أنواع مختلفة من الحروب، منظم إلى أبعد الحدود، ولاءه وانتماءه لإيران يدفعه إلى الموت دون تردد أو خوف، فهم من خاضوا حروبا عن الآخرين، وعلى أرض غير أرضهم، قتلوا شعوبا بريئة وشتتوا آلاف النساء والأطفال، دفاعا عن قضية أقنعوهم بأنّها تعنيهم وتهدد وجودهم ومعتقداتهم وأرضهم وأهلهم.
وما يملكه حزب الله لا تملكه باقي الأحزاب السياسية، حتى أنّ أتباع الطوائف الباقية من سنّة ومسيحيين، وشيعة مستقلين، همهم أن يصبح لبنان دولة يوما ما، أن تؤمن لهم الكهرباء والماء والمتطلبات الأساسية، هم طائفيون إذا اعتدي عليهم، لكن طائفيتهم لا تتخطى حدود الوطن. فالمسيحيون مثلا لديهم هاجس البقاء والوجود والأقلية في الشرق العربي ذات الغالبية المسلمة، والحفاظ على حقوقهم ومناصبهم في الدولة خصوصا أنّ لبنان الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي يرأسها مسيحي، ولكن تبقى هواجسهم مبررة طالما أنّها لا تتخطى حدود العيش المشترك، باستثناء الأحزاب المسيحية التي تتفشى في الدولة فسادا باسم حقوق المسيحيين وهواجسهم ووجودهم هي التي باتت تشكّل خطرا على وجودهم ووجود لبنان أجمع.
 
أمّا السنة اللبنانيين منذ تواجدهم في لبنان عاشوا في المدن الساحلية كبيروت وصيدا وطرابلس، واعتمدوا على التجارة وهذا النمط في الحياة خلق لديهم التفكير بالانفتاح ومراعاة الآخر المختلف وعدم استفزازه، كذلك الأرثوذكس هم من سكان المدن ويتشاركون والسنة طريقة التفكير والانفتاح نفسها، لذلك نلاحظ أن أغلب قادة الميليشيات في الحرب الأهلية من المسيحيين هم من الموارنة وليسوا من الأرثوذكس. 
كذلك فإن سنّه لبنان ليس لديهم عقدة الشعور بالأقلية فهم ينتسبون إلى محيط يشتركون معه بالهوية العربية والإسلامية وتحديدا السنية. هذا ما جعل من الطائفة السنية على مرّ السنوات طائفة منفتحة، لم تسعى يوما إلى القتال والاقتتال ترفض التقوقع، وتفتح يدها للجميع، إلاّ أنّ التهميش التي عاشته مناطقها شمالا وتحديدا في طرابلس أفقر مدينة على بحر المتوسط، إضافة إلى غزوة 7 أيار 2008 ضدّ أهل بيروت، واعتبار هذه اليوم يوم مجيد كما أعلن حزب الله، إضافة إلى اغتيال رفيق الحريري، الذي أعاد إعمار بيروت وانتشلها من الدمار والحرب، وكذلك مشاركة حزب الله «الشيعي» في الحرب السورية ضدّ الشعب السوري «السني»، هذه الأحداث وغيرها عززت المذهبية لدى شريحة واسعة من السنّة، ولكن ثورة 17 أكتوبر عزّزت روح الأمل بلبنان الدولة والمؤسسات التي نادوا بها، حتى مدينة طرابلس التي وصمة يوما ما بالتطرف و«الداعشية» بسبب مواقفها من الحرب السورية، انتزعت لقب «عروس الصورة» نظرا للرقي والوحدة وخلع عباءة الطائفية التي أظهرتها خلال الانتفاضة.

 




منير الربيع


 
وفي هذا السياق يؤكد الصحافي منير الربيع أنّ «حزب الله يستخدم يعمل على إلهاء أنصاره التوتر السياسي والمذهبي والطائفي ليشتت أنظارهم عن الهموم الأساسية خصوصا مع تدهور الوضع الاقتصادي، وتحييد الأنظار عن المشاكل الأساسية في لبنان، وهذا يدعمه العامل الايديولوجي، فأنصار حزب الله بعدما كانوا مغيبين سابقا عن المشهد السياسي باتوا اليوم يشعرون بفائض من القوة وهذا امتياز أعطاهم إياه حزب الله، وهم غير مستعدين في الوقت الحالي التخلي عن الحزب وعن الامتيازات التي حصلوا عليها منذ ظهور حزب الله».
وأضاف الربيع في حديث لـ «المجلة» «ولكن يبدو أنّهم لا يعلمون أن هذا الامتياز هو أجوف فالشعب بات موجوع، والوضع الاقتصادي أنهكه، وهذا ما سيدفع بيئة حزب الله الى انتفاضة يوما ما، ما يحدث داخل هذه البيئة حدث مع كثير من الشعوب ولكن في النهاية اكتشف خطأها وثارت، خصوصا أنّ حزب الله الذي يسيطر على لبنان وقوي في سوريا والعراق نجح حتى اليوم بإقناع جمهوره بالصمود بوجه المؤامرة الكونية التي يدعي أنّه يتعرض لها».
 
هل نحن ذاهبون إلى حرب أهلية
 
 
المحلل السياسي أسعد بشارة رأى في حديث لـ « المجلة» أنّ «هناك طرف في لبنان يملك السلاح ويحاول أن يعمم نموذجه على الآخرين، حزب الله قرر أن يواجه أي تهديدات من عقوبات وضغوطات بالعنف والفوضى داخل لبنان، فقرر في ٦ حزيران افتعال صدام مذهبي مع السنة وطائفي مع المسيحيين ويجرّ لبنان إلى الفوضى ليوجه رسالة إلى الداخل والخارج أنّه قادر على تحقيق أي شيء، فهو يقامر ويغامر باستقرار لبنان من أجل أن يبقى هذا البلد ورقة بيد إيران وحلفائها في المنطقة».
 
وأكّد بشارة «ما يفعله حزب الله لن يأخذنا إلى حرب أهلية بل سيحول لبنان إلى دولة فاشلة بسبب الفساد الذي يغطيه سلاح حزب الله، ما نعيشه اليوم سيؤدي حتما إلى تفكك ما تبقى من الدولة اللبنانية لنعيش مرحلة الاضطراب والفوضى الشاملة وهي أصعب من الحرب الأهلية». 
 
وأضاف «حزب الله هو الطرف الذي يشعل النعرات الطائفية والمذهبية داخل لبنان، ولكن ليس وحده فهو لديه أدوات جاهزة للتعاون معه من كلّ الطوائف في لبنان، وبسلاحه يحمي المنظومة السياسية من أعلى الهرم إلى أدناه، وهو يستفيد منهم ويغطي فسادهم بسلاحه، وهذه المنظومة بحالة اتفاق مع السلاح من أجل الخدمات المتبادلة، فهو يحمي فسادهم، وهم منحوه القرار بالإمساك بالبلد».
 

 




أسعد بشارة


 
ولفت بشارة «استطاع جزء كبير من اللبنانيين عام 2005 وتحديدا في 14 شباط طي صفحات الماضي الأليم واختاروا العبور إلى دولة حقيقية متضامنين من كل الطوائف والمذاهب، وهذه المشاهد تجددت في 17 تشرين الأول من عام ٢٠١٩ فكانت الثورة أشمل وأوسع وضمت شرائح المجتمع أجمع لاستعادة الدولة ومحاسبة الفاسدين وإنقاذ الاقتصاد لكن هذه المنظومة وبقوة سلاح حزب الله حاولت اجهاض هذه الثورة. خصوصا داخل بيئة حزب الله التي لديها ملامح أسئلة حول ما يمر به لبنان من أوضاع اقتصادية صعبة، ولكن هذه الأسئلة لم تتحول بعد إلى مساءلة حول عبثية مشروع حزب الله وانعدام فرص الحياة في لبنان، فحزب الله قادر على الاستمرار حتى ينهي ما تبقى من لبنان وتحويله إلى أشلاء. ولكنه حتما سينتهي يوما ما فهو ينتمي إلى مشروع ليس لديه أهداف ويتحدث لغة واحدة هي لغة المذهبية والتعبئة والحروب».
 
وختم «نعم لبنان فريد من نوعه، فهو من الدول القلائل في العالم الذي يضم هذا العدد من الطوائف والمذاهب، ولكن هذه النعمة تجعل المسؤولين بشكل دائم أمام تحدّي المحافظة على هذه الرسالة التي يحملها لبنان».

 




جوني منير


 
بدوره أكّد المحلل السياسي جوني منيّر بأنّ «الحرب الأهلية تحتاج إلي معطيات وأسس ليست موجودة الآن، فمثلا قبل أن تبدأ الحرب الأهلية التي عاشها لبنان عام 1975 كانت جميع الأطراف تخضع لتدريبات على مدى سنوات، وكان لديها عناصر متفرغة وتجهيزات عسكرية، إضافة إلى الأسلحة التي كانت تصل الى كافة الميليشيات من مدافع وأسلحة متوسطة وغيرها، وأيضا كان هناك طلب خارجي ببدء الحرب.
اليوم الوضع مختلف، بعكس حزب الله الذي يملك ميليشيا منظمة وترسانة من الأسلحة، باقي الأحزاب والطوائف اللبنانية لا تملك ميليشيات مسلحة، ومخازن أسلحة، وأموال، نعم بعض الأحزاب تملك عناصر مسلحة ولكن ذخيرتها لا تصمد لأكثر من ساعات أو أيام، إذا هذه الأسلحة تخلق فوضى أهلية ودماء خصوصا في ظلّ الجو الداخلي المحقون».  
 
وأضاف منيّر في حديث لـ «المجلة» أنّ «حزب الله يواجه قلق داخلي، خصوصا يبدو أنّ لا قرارات دولية حتى الساعة بمساعدة لبنان في ظل وجود الحزب داخل الحكومة، وما فعله في 6 حزيران الماضي هو رسالة بأنّه مستعد للمواجهة، وبأنّه لن يتخلى على كل مكتسباته بسهولة».
 
ورأى منيّر «أن انتفاضة 17 تشرين الأول دفعت بالطبقة الوسطى المسيحية والسنية بالتخلي عن طائفيتهم فهم كانوا ركيزة هذه الانتفاضة، حتى أنّ التجييش الطائفي والمذهبي والقلق الذي كانت تثيره بعض الأحزاب خصوصا المسيحية، لم تعد تنطلي على أبناء الطبقة الوسطى فمطالبهم معيشية مطلبية بامتياز».
 
 
إذا لبنان الغارق في الدمار الاقتصادي، والغلاء الفاحش، والفساد العلني، حين يقرر أهله أن يثوروا ضد الظلم الذي يلحق بهم، يحرّك حزب الله «زعرانه» فيفلتهم بالشوارع يفرغون ما تربوا عليه بمدارس الحزب، من حقد وكراهية ضدّ الآخر، والاستقواء وحق استباحة مقدسات وأرض الآخرين وكل ذلك باسم «المقاومة»، المقاومة التي دمرّت 4 عواصم عربية باسمها واسم القدس وفلسطين!