سد النهضة... وسياسة «حافة الهاوية»

ملء إثيوبيا للسد بالمياه دون اتفاق يجهض الحلول الدبلوماسية

* تمت إحالة القضية إلى مجلس الأمن، إلا أنه لم يصدر قرار بشأن مطالبة مصر بقرار يلزم إثيوبيا بالامتناع عن البدء في ملء السد بالمياه
* إعلامية إثيوبية: تقارب الشقيقة السودان والصديقة مصر لا يزعج إثيوبيا البتة، وكل ما يهم إثيوبيا هو التنمية
* مختصون: إنشاء السد الإثيوبي يتيح الفرصة للسودان بأن يستفيد من الستة هكتارات من نصيبه التي ظلت تذهب لمصر منذ عام 1958م
* الخيار الذي يجب أن يتبنى هو «كونفدرالية القرن الأفريقي»الذي يضم إلى جانب السودان إثيوبيا وجيبوتي وإريتريا
* المتاح لحل أزمة سد النهضة هو التفاوض السياسي والفني الذي يضمن للدول الثلاث عدم الضرر، مؤكداً أن «عسكرة الصراع»غير ممكنة وغير مجدية

الخرطوم: ما إن تهدأ عاصفة الخلافات حول سد النهضة، حتى يبدأ الفوران من جديد بعد تطور جديد أو تصريحات من هنا أو هناك، مما يُعيد الأزمة بين الدول الثلاث (السودان ومصر وإثيوبيا) إلى التصعيد الذي تضمن التراشق على طاولة مجلس الأمن، وأحيانا التلميح الإعلامي باحتمالية الصدام العسكري بين الدولتين (مصر وإثيوبيا)، بينما يقف السودان حتى الآن رافضا فقط لأي خطوة إثيوبية أحادية مع تأييده المُعلن لإنشاء السد، رغم أن المختصين السودانيين ينقسمون حيال أضرار وفوائد هذا المشروع المائي الكبير.
وشهدت أزمة الدول الثلاث، حالة من الهدوء بعد خلافات عاصفة، عقب اتفاق بينها برعاية الاتحاد الأفريقي، الأسبوع الماضي، يقضي بامتناع إثيوبيا عن القيام بأية إجراءات أحادية، بما في ذلك ملء السد قبل التوصل إلى اتفاق بين الدول الثلاث، كما تمت إحاطة مجلس الأمن بهذا التطور.
بيد أن التوتر لا يزال سائدا، وظهر بشكل أكثر بروزا في الخطابات التي ألقاها وزراء خارجية إثيوبيا ومصر في اجتماع مجلس الأمن الذي عقد افتراضيا الاثنين الماضي، ورغم الاتفاق على التهدئة واللجوء إلى المفاوضات المتعثرة، إلا أن الحملات الإعلامية لم تتوقف عن الاشتعال خصوصا بين العاصمتين أديس آبابا، والقاهرة، بيد أنه لا يعدو في تحليل كثير من المراقبين سوى اختبار لما يعرف بسياسة «حافة الهاوية» التي يسعى كل طرف عبرها إلى الحصول على تنازلات كبيرة من الطرف الآخر.
ورغم أن القضية أُحيلت إلى مجلس الأمن، إلا أنه لم يصدر قرار بشأن مطالبة مصر بقرار يلزم إثيوبيا بالامتناع عن البدء في ملء السد بالمياه قبل التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم حول الأمور الفنية لتشغيل السد.
ويقع سد النهضة على النيل الأزرق داخل دولة إثيوبيا، ويبعد عن الحدود السودانية نحو 25 كيلو فقط، ويهدف المشروع الذي اكتمل إنشاؤه إلى أن يصبح أكبر محطة للطاقة الكهرومائية في أفريقيا.
 




سيميجنو بيكيلي ، مدير مشروع سد النهضة ، في موقع بناء الهيكل على الحدود بين سودان وإثيوبيا



فوائد وأضرار
ينقسم السودانيون فنيا وسياسيا حيال فوائد وأضرار سد النهضة، بيد أن الموقف الرسمي للحكومة السودانية منذ البدء في إنشاء السد لا يعترض على الخطوة من ناحية مبدئية، وحسب الخطاب الذي أرسلته الخارجية السودانية إلى مجلس الأمن، واطلعت «المجلة» على نسخة منه، فإن الأطراف حققت تقدما ملحوظا حول القضايا الفنية من خلال جولات التفاوض في حين لا يزال هناك اختلاف حول بعض القضايا القانونية الأساسية، لذلك فإن السودان اقترح إحالة هذه القضايا إلى مستوى رؤساء وزراء الدول الثلاث، الذين لا شك يملكون الإرادة السياسية حتي يتمكن المفاوضون من إبرام اتفاقية شاملة وملزمة، حسب نص الرسالة.
وأعرب السودان عن قلقه العميق بشأن قرار إثيوبيا بملء بحيرة السد في حالة عدم وجود اتفاق، وأوضح في ذلك أن سد الروصيرص السوداني الصغير الحجم يقع على بعد 15 كلم فقط من مجرى النهر وعليه فإن عملية ملء خزان سد النهضة من جانب واحد يضع عملية تشغيل الروصيرص في مأزق، الأمر الذي يعرض حياة الملايين من الناس للخطر.
وتقترح الخرطوم دعوة قادة الدول الثلاث لإظهار إرادتهم السياسية والتزامهم بحل القضايا القليلة المتبقية وإبرام اتفاق، ودعوة الأطراف إلى اعتماد المسودة الشاملة التي قدمها السودان كأساس لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق، بالإضافة إلى ثني جميع الأطراف عن الإجراءات الأحادية بما في ذلك البدء في ملء خزان السد قبل التوصل إلى اتفاق.
وبالنسبة للفنيين والسياسيين السودانيين المؤيدين لإنشاء سد النهضة، فإن للمشروع فوائد كبيرة للسودان تتمثل في استقرار منسوب مياه النيل الأزرق القادم من الهضبات الإثيوبية، مما يسمح بالمحافظة على المياه الجوفية على جانبي النهر وعلى وجودها ومستواها الدافق طوال العام، وتسهيل حركة الملاحة النهرية طول العام، وزيادة كميات الكهرباء المولدة من خزانات الدمازين وسنار ومروي بنسبة 60 في المائة، في ظل استعداد من جانب إثيوبيا لمد السودان بتيار كهربائي أقل تكلفة من هذا الذي تنتجه سدود السودان والسد العالي، وأن تصبح الدورات الزراعية ثلاثا وليست اثنتين فقط في المشروعات الزراعية السودانية، خاصة مشروع الجزيرة الضخم، إضافة لتقلص مساحات الجروف بنسبة 50 في المائة.
كما يرى مختصون أن قيام السد الإثيوبي يتيح الفرصة للسودان بأن يستفيد من الستة هكتارات من نصيبه التي ظلت تذهب لمصر منذ عام 1958م، وبذلك يستطيع السودان إنشاء حفائر مائية ضخمة شرق النيل الأزرق، وامتداده غربا، وهما مشروعان واعدان يستوعبان مليون أسرة فلاحية، وما يقارب النصف مليون أسرة من المهنيين والعاملين، وكل ذلك ممكن في غضون عام أو عامين على الأكثر حسب الدراسات السودانية.
لكن خبيرا قانونيا هو الدكتور أحمد المفتي الذي يعد من أبرز المنتقدين السودانيين لإنشاء سد النهضة الإثيوبي دون مشاركة، يرى ضرورة حدوث تكامل أفريقي بين الدول الثلاث واتفاق فني وقانوني ملزم قبل البدء في أي خطوات تشغيلية، ويرى أن للسد آثارا سلبية واحتمالها سوف يصبح فوق طاقة البشر، مرتبطة بفترة الجفاف أو الإغراق في حالة عدم الاتفاق على كيفية السيطرة على ملء وتشغيل السد الإثيوبي.
بيد أن الباحثة السودانية، حنان مدثر، المطلعة على دراسة الجدوى البيئية والاجتماعية والاقتصادية التي أودعها البنك الدولي قبل تنفيذ وإنشاء السد، ترى أن السد يصب في صالح السودان بكل المقاييس، ودعت في حديث مع «المجلة» إلى أن الاتفاق بين الجانبين السوداني والإثيوبي من شأنه تجنب الآثار السالبة  المترتبة من هدر المياه والفيضانات على السكان والإطماء، وإرهاق خزينة السودان، مشيرة إلى أن الجانب المهم هو التوليد الكهربائي والذي يدعم الولايات الشرقية، وكهربة المشاريع الزراعية والحيوية.
 



شركة صينية توقع اتفاقا بقيمة 40 مليون دولار مع إثيوبيا ضمن استثماراتها في مشروع سد النهضة



مشروع قومي
بالنسبة لإثيوبيا فإنها تعتبر بناء وتشغيل السد مشروعا قوميا وتنمويا لا تراجع عنه، وتتحفظ على توقيع اتفاق فني يلزمها بتبادل البيانات حول كيفية تشغيل السد، وينص أيضا على تحديد الفترة الزمنية لملء الخزان، كما تدعو إثيوبيا إلى أن يشمل الاتفاق الفني قضايا أخرى متصلة بتقاسم مياه النيل.
وانتقدت إثيوبيا عبر مندوبها لدى الأمم المتحدة إحالة مصر ملف سد النهضة إلى مجلس الأمن، وقال المندوب في كلمته أمام مجلس الأمن (الاثنين)، إن إحالة القضية إلى المنظمة الدولية قد يزيد من صعوبة التوصل لحل، وأضاف أن «المفاوضات الثلاثية بين مصر والسودان لم تنته بعد».
وتعتقد الإعلامية والناشطة الإثيوبية شاكيرا آدم أن بلادها تنظر إلى سد النهضة باعتباره المشروع الوحيد حتى الآن، الذي يمكن اعتباره مشروعا قوميا، لأنه يؤكد من خلال الصرف عليه من الشعب الإثيوبي بكل مكوناته فهو تحرير القرار والإرادة الإثيوبية للتخلص من الفقر، فضلا عن كونه عاملا مهما في التنمية الاقتصادية من خلال إيرادات السد بعد تشغيله وإنتاج الكهرباء، وتضيف في حديثها مع «المجلة»: «إثيوبيا ليست من الدول التي تتغنى بالإنجازات الوهمية ولا تستميت ببناء دولة جديدة تبهر العالم، لكن ما تريده الآن بالتحديد التنمية والبقية تأتي».
 
اعتراض ومخاوف
تتفق السودان ومصر رسميا على أهمية التوصل إلى اتفاق قبل البدء في عملية السد، لكن لكل دولة رؤيتها الخاصة في التعامل مع الخطوات التي تتخذها إثيوبيا، فمصر هي من بدأت خطوات إرسال القضية إلى مجلس الأمن الدولي، ودعا سامح شكري، وزير الخارجية المصري، في كلمته أمام مجلس الأمن (الاثنين) لمناقشة أزمة سد النهضة، وقال إن بلاده ترفض تهديد أمنها المائي.
وأضاف شكري أن مصر لجأت إلى مجلس الأمن إثر ما وصفه بأنه «التعنت الإثيوبي» في مفاوضات سد النهضة، وقال إن بلاده تواجه «خطرا وجوديا» يتهدد المصدر الوحيد للمياه ولحياة أكثر من 100 مليون مصري بسبب السد، الذي شيدته إثيوبيا على النيل الأزرق.
وأضاف الوزير المصري أن ملء السد وتشغيله بشكل أحادي، ودون التوصل لاتفاق يتضمن الإجراءات الضرورية لحماية حقوق دولتي المصب، مصر والسودان، من شأنه أن يزيد من التوتر في المنطقة، وقد ينجم عنه أزمات وصراعات تهدد استقرارها.
وقال شكري: «ومع تقديرنا لأهمية هذا المشروع في تحقيق الأهداف التنموية للشعب الإثيوبي، وهو الهدف الذي نسانده وندعمه، فإنه من الضروري إدراك أن مشروعاً بهذا الحجم، والذي يعد أضخم مشروع لتوليد الطاقة الكهرومائية في أفريقيا، يهدد مقدرات ووجود ملايين المصريين والسودانيين».
ويفسر المحلل السياسي المصري أحمد جمال الموقف المصري بأنه جزء من التحركات الدبلوماسية التي تقودها مصر لمنع أديس آبابا من اتخاذ خطوة أحادية بملء السد، معتبراً أن هذه الخطوة في حال حدوثها سوف تقرب أكثر بين مصر والسودان، لأن البلدين لديهما مواقف واضحة من هذا الأمر وقد تكون هناك تحركات دبلوماسية مشتركة من قبل الجانبين تحديدا، وأن مصر تتوافق مع السودان في مسألة رفض التصعيد ولا ترغب في اللجوء إلى الحلول العسكرية غير أن خيارات الدولتين سوف تنحصر تقريبا في الارتكان على مجلس الأمن الذي سيكون عليه تشكيل لجان فنية لمناقشة أضرار السد على الدولتين انتظارا لصدور قرارات ملزمة للجميع.
لكن الباحث السوداني في الشؤون الاستراتيجية حسن دنقس، يشير في حديث لـ«المجلة»، إلى ضرورة عدم إغفال أن السودان دولة ممر وليست دولة مصب كما يتداول في الإعلام المصري لذلك يجب على السودان أن يكون حريصا على حفظ مصالحه كدولة ممر وليس مصب كما هو الحال مع مصر.



أعمال البناء في سد النهضة الإثيوبي الكبير في جوبا ووريدا ، في منطقة بني شنقول - جوموز الإثيوبية. (رويترز)



كما تؤكد الناشطة والإعلامية الإثيوبية شاكيرا آدم لـ«المجلة» أن تقارب الشقيقة السودان والصديقة مصر لا يزعج إثيوبيا البتة، وأن كل ما يهم إثيوبيا هو التنمية وإخراج شعوبها من دائرة الفقر والصعود بها والازدهار إلى جانب إنجاح المفاوضات باتخاذ جميع الأطراف لموقف متعاون ومتفاهم ومتكامل.
إلا أن الصحافية المصرية المتخصصة في تغطية قضايا حوض النيل آية أمان ترى في حديث لـ«المجلة»، أن المشكلة الآن لم تعد السد فقط بل إن المفاوضات أظهرت تطلعات إثيوبيا للحصول على حصة منفردة من مياه النيل كما هو الوضع بمصر والسودان، وهو ما لا يمكن قياسه بكميات محددة من المياه لكنها تتعلق بكميات الأمطار التي تقع على حوض النيل الأزرق والتي تعتبر حصة خالصة من المياه لإثيوبيا، مبينة أن حصص المياه لا تحدد بكميات المياه الجارية في مجري النهر فقط، وأن استخدام إثيوبيا وتلويحها بهذا الملف لن يضع نهاية للجدل القائم في المفاوضات التي كانت قد حدد لها هدف واحد فقط هو الاتفاق على ملء وتشغيل السد، بيد أن خلط الأمور هو ما كان سبباً في تعقيد المشهد القانوني والفشل المستمر، حسب تحليل الصحافية آية أمان.
في هذه النقطة ترى الإعلامية الإثيوبية شاكيرا آدم أن المفاوضات الفنية مستمرة ولا يعيق عملية الملء الأولي الذي هو جزء من عملية البناء لأنه منصوص عليه وسبق وأن وقعت عليه الدول الثلاث اتفاقية ثلاثية تدعى بـ(إعلان المبادئ 2015م)، ولا حاجة إلى اتفاق جديد حوله.
وحسب آدم فإن المفاوضات الفنية والتطورات الأخيرة لا علاقة لها بالملء الأولي لسد النهضة لأن عملية الملء ستتم بالفعل، وأن إثيوبيا لا تزال ملتزمة بسير المفاوضات حتى لو استدعى الأمر تسع سنوات أخرى، لكن إثيوبيا تعترض- رغم موافقتها سابقا- على 32 مليار متر مكعب في الملء حتى لا تتأثر إيرادات مصر، لكن تنبهت للمطب القانوني وتراجعت عنه وبالتالي فإن إثيوبيا ملتزمة بمبدأ عدم الضرر، الذي يعني إذا كانت هناك أمطار أقل، فإن إثيوبيا ستحترم احتياجات دول المصب، لكن دون تحديد حصة  معينة، فمعلوم سابقا على الاقل في القرن الماضي أن إيراد النيل وصل بمجمله من 21 مليار متر مكعب وحتى 36 مليار متر مكعب، لذا لا يمكن أن تلتزم إثيوبيا بحصة محددة وترهن احتياج البلاد للطاقة ومن المياه في فترات جفاف شديدة، وتضيف آدم: «تمرير اتفاقية تقاسم إيراد المياه كمن يريد منا جعل سد النهضة هو الخزان الاحتياطي لكل الخزانات والسدود على امتداده امتداد النيل وهو أمر مرفوض».
 
خيارات التصعيد
تبدو الأمور متجهة حتى الآن نحو العودة إلى المفاوضات من جديد لحسم القضية، رغم المشاحنات والتصعيد أحيانا بإعلان أديس آبابا عدم وجود ما يمنع من البدء في ملء السد بالمياه، في مقابل تحذير مصري برفض أي «مهدد لأمنها المائي»، وفي ظل دعوة سودانية لقرار من القيادة السياسية للبلدان الثلاثة.
وهنا ترى الناشطة والإعلامية شاكيرا آدم أنه لا يمكن التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور في هذه المرحلة الحرجة من التصعيد، مؤكد أن أي نشاط عسكري من جانب القاهرة سترد عليه إثيوبيا دون التزام أو التفات لنوع العلاقة التي تربطها بها، قائلة: «الأصل في التعدي هو الرد بالمثل ويجب أن تعي القاهرة جيدا أن اللعب بالنار داخل منطقة من مناطق حوض النيل ليس مجرد نزهة».
بيد أن المحلل السياسي المصري أحمد جمال يقول إنه ليس من المنطقي أن تلجأ مصر لأي حلول عسكرية في وقت توجد فيه القضية أمام قوى إقليمية كبرى، موضحا أن القاهرة قد تستخدم لغة أكثر خشونة من السودان حال أقدمت أديس آبابا على الملء، لكنها أيضا لن تنجر إلى المواجهة العسكرية تحديدا وأنها ألقت بالملف في جعبة مجلس الأمن الدولي.
ويضيف جمال لـ«المجلة» إن القاهرة قد تلجأ إلى مزيد من التحالفات السياسية الدولية مع قوى عظمى للقيام بالضغط على إثيوبيا وعلى الرغم من أن ذلك قد يكون له آثار سلبية على استقلال القرار المصري في جملة من الملفات الإقليمية الأخرى، لكنه قد يكون حلا مناسبا من أجل الضغط على أديس آبابا.



تتجمع العائلات بجوار نهر النيل في جزيرة توتي في الخرطوم ، حيث يلتقي النيل الأزرق والنيل الأبيض (غيتي)


وعلى ذات النسق تقول الصحافية المصرية آية أمان، إن إصرار إثيوبيا على ملء السد في يوليو دون الالتزام والتوقيع على اتفاق شامل يحكم ويحدد قواعد الملء والتشغيل سيكون له تداعيات سلبية على أمن واستقرار المنطقة بالكامل ليس فقط بسبب نقص كميات من المياه عن دولتي المصب، ولكن هذا القرار هو تحد سياسي لمصر يظهر إثيوبيا وكأنها المتحكمة في مياه الميل الأزرق وصاحبة اليد العليا عليه دون النظر لمصالح الدول الباقية. 
وتعتقد أمان في حديث مع «المجلة» أن مصر قد لا تتأثر من ناحية إمدادات المياه في الملء الأولي بخاصة أن كمية المياه التي ستحجزها إثيوبيا يمكن في أصعب الأحوال تعويضها من المخزون الاستراتيجي في السد العالي، لكن المشكلة هي التحدي السياسي وهو لن يكون في صالح القاهرة وسيظهرها في موقف البلد الضعيف الذي لا يستطيع حماية حقوقه ومقدراته، موضحة أن الأوضاع المماثلة في الأنهار الدولية أثبتت أن تأمين الحقوق المائية بحاجة إلى دولة قوية لا يمكن سرقة أو التعدي على حقوقها، وأن حقوق مصر والسودان في مياه النيل لم تأت بالقوة لكنها حقوق طبيعية لدولتي مصب كفلها القانون الدولي بحكم الاتفاقيات التاريخية التي أقرتها الدول الأفريقية نفسها بمشروعية أي اتفاقات تتعلق بالحدود والمياه. 
وتستبعد أمان أن يكون الحل العسكري قائما، لكنها تشير إلى أن مصر لديها العديد من الخيارات السياسية والعديد من الأحلاف في دول الجوار والإقليم العربي والأوروبي والدولي يمكنها من استخدام العديد من أوراق الضغط، وهو ما بدأته بالفعل منذ لجوئها لمجلس الأمن وجامعة الدول العربية، وتعتقد أيضا أن هناك وسائل ضغط سياسية أخرى يمكن أن تمارس على إثيوبيا لإقناع حكومتها بالعدول عن التعنت والتوقيع على اتفاق ملزم. 
وبالنسبة للباحث السوداني حسن دنقس فإن تداعيات سد النهضة على العلاقات بين الدول الثلاث حيال تصاعد الأحداث بشأن ملء إثيوبيا للسد بصورة أحادية هو خرق لاتفاق إعلان المبادئ الموقع بين الدول الثلاث في 2015 إلا أن التصعيد من جانب إثيوبيا ومصر بالخيار العسكري مستبعد تماما لعدة أسباب، منها أن العامل الاقتصادي لكلا البلدين لا يسمح بخوضها في ظل ركود اقتصادي عالمي بسبب جائحة فيروس كورونا المستجد.
وفيما يتعلق بشأن التصريحات شديدة اللهجة باستخدام مصر الخيار العسكري  لحفظ أمنها القومي ومياه النيل، فإن جزءا منه يدخل ضمن عملية الضغط السياسي على إثيوبيا لإرغامها بالالتزام باتفاق إعلان المبادئ كما أن عدم الاستقرار السياسي في دول الإقليم يحتم على مصر النأي بالدخول في أي صراعات يهدد أمنها في ظل وجود بعض القوى العالمية التي لديها مصالح في هذا الإقليم، ولن تسمح بتطورات أمنية، ما يحتم على الجميع الاستمرار في المسار الدبلوماسي الذي صار هو الخيار الوحيد لحل هذه الأزمة.
من جهته، يقترح الخبير الأمني والعسكري السوداني الدكتور الأمين عبد الرازق أن المسار الصحيح هو التوصل إلى اتفاق عبر المحادثات الثلاثية، وعدم طرح الخيار العسكري التصعيدي باعتباره خيارا غير ذي جدوى لجميع الأطراف، مبينا أن البعد الجغرافي بين إثيوبيا ومصر كفيل بإلغاء سيناريو الحرب، وأن السودان أيضا ليست لديه مصلحة في اندلاع حرب على أراضيه أو عبرها لأسباب استراتيجية متصلة بعلاقته الأمنية والسياسية والاجتماعية مع إثيوبيا ومصر، وكذلك فإن إثيوبيا تعد رصيدا بشريا هائلا للسودان وعمقا في القرن الأفريقي، ولا يمكن الإطاحة بخيار العلاقات الجيدة مع أحد أبرز الدول المكونة للقرن الأفريقي.
ويشير عبد الرازق في حديث لـ«المجلة» إلى أن البلدان الثلاثة تحتاج للاتزان وعدم التهور في حسم ملف سد النهضة الذي تتصل فيه المصالح بشركات متعددة الجنسيات ورؤوس أموال دولية لن تسمح باندلاع حرب في المنطقة، مما يهدد مصالحها، خصوصا الولايات المتحدة الأميركية التي تنظر إلى إثيوبيا كأكبر حليف لها في المنطقة وصاحبة الذراع الطولى في منطقة القرن الأفريقي.
وطبقا للخبير الأمني والعسكري فإن الخيار الذي يجب أن يتبنى هو «كونفدرالية القرن الأفريقي» الذي يضم إلى جانب السودان إثيوبيا وجيبوتي وإريتريا، ما يسهل قضايا التفاوض الخلافية حول المياه أو غيرها.
ويعتقد عبد الرازق أن المتاح لحل أزمة سد النهضة هو التفاوض السياسي والفني الذي يضمن للدول الثلاث عدم الضرر، مؤكداً أن «عسكرة الصراع» غير ممكنة وغير مجدية.