بائعو الأوهام

* الساسة في لبنان يريدون المحافظة على النظام أو النموذج، لا لشيء... إنما للمحافظة على زعامتهم... لذا تراهم يبيعون للناس أوهاماً أضحت اليوم مكلفة جداً

أصبح جميع الساسة في لبنان بريئين من الوضع المزري الذي سقط فيه البلد. هناك فريق يلوم سياسات التيار الوطني الحر وحزب الله على الانهيار المالي والاقتصادي والاجتماعي، بما أنهم تسلموا الحكم بُعيد استقالة الحريري، وهناك فريق آخر يلوم الولايات المتحدة الأميركية ومصارف لبنان ويحملهم مسؤولية المأساة: لا تعطيلهم للحياة السياسية في لبنان على مدى أشهر وسنين، لا سياساتهم الاقتصادية الخرقاء كإقرار سلسلة الرتب والرواتب قبل عامين، لا تهجم البعض على دول الخليج السند الاساسي المالي للبنان في أزماته، لا فسادهم وصفقاتهم أو استباحتهم حدود لبنان من قبل محظييهم لتهريب مليارات الدولارات وحرمان خزينة الدولة من مردود كبير، لا سلاح غير شرعي أقوى من الدولة يملي عليها شروطه. عندما يتفقون على تقاسم المغانم يطلقون شعار «اوعى خيك»أو ينادون على أنصارهم بالتصويت «لخي جبران»، وعندما يختلفون على القسمة يتراشقون التهم ويشتمون بعضهم بعضًا بشكل مخزٍ يتناقله جمهورهم الافتراضي على منصات التواصل الاجتماعي.
 
هناك، إضافة إلى حالة إنكار السياسيين جميعا مسؤوليتهم في انهيار لبنان، تحاذق في تناول الأزمة.
 
يقول جعجع في إطلالته الأخيرة إن المشكلة معيشية لا دخل للسياسة بها. وإن الحل المؤقت هو أن يرسل المغتربون 200 دولار شهرياً لإعالة عائلاتهم في الوطن. أما الحل الأمثل فهو في إقامة انتخابات نيابية مبكرة.
 
لا أحد من الزعماء يريد الاعتراف بأن النظام اللبناني القائم على المحاصصة الطائفية لا يمكن أن يماشي العصر ويتأقلم مع المتغيرات الكبيرة التي هي في المفاهيم وفي التعامل ثورة رقمية. لم يتكلم واحد منهم عن مسؤوليته في القضاء على حياة البعض وأحلام البعض الآخر، مما يدفع إلى الهجرة. يدافعون عن نظام متهرئ وما يسمونه «الكيان»، و«النموذج»لأنه لا مصلحة للسياسيين في أن يتغير النظام وأن ينعتق الناس من نير الاستعباد للزعيم والطائفة، فيكون المنطق والعلم والأرقام هي الأساس في تحديد خياراتهم وليست الغرائزية.
 
الدعوة إلى الانتخابات المبكرة عادة ما تجري عندما لا تستطيع نتائجها التفريق بين الأطراف المتنافسة. فيعاد السؤال إلى الشعب: من تريد أن يتسلم المسؤولية؟
 
هنا الواقع مختلف تماماً في لبنان، فالمطالبة بانتخابات مبكرة هي في حالة جعجع اقتناعه بتراجع شعبية عون وبإمكانية حزبه الاستفادة من هذا التراجع عبر حصد عدد أكبر من المقاعد النيابية والوزارية. باللغة المحكية اللبنانية يقال «قوم تقعد محلك».
 
لنفترض أن سيناريو الانتخابات النيابية ممكن (هم لا يتفقون على تعيين حاجب فكيف بقانون انتخايبات؟) وأن جعجع حصد أكبر عدد من الأصوات والمقاعد النيابية فهل يستطيع هو أو غيره من قوى المعارضة اليوم تغيير واقع الحال؟ هل يستطيع تحويل لبنان إلى بلد طبيعي قائم على احترام الفرد كقيمة، بغض النظر عن انتمائه المذهبي؟ هل يستطيع التخلص من مبدأ المحاصصة الطائفية سبب كل حروبنا وأزماتنا؟ هل سنشهد قضاء مستقلا لا يتدخل في تعييناته الساسة أصحاب السلطة ويكون حسب الكفاءة وليس حسب التقاسمات الطائفية؟
 
طبعا لا؛ فجعجع وغيره من الساسة اللبنانيين يريدون المحافظة على النظام أو النموذج، لا لشيء إنما للمحافظة على زعامتهم، لذا تراهم يبيعون للناس أوهاماً أضحت اليوم مكلفة جداً.