حرفة الأسد: توجيه الرسائل السياسية بعمليات إرهابية

* منذ وصول الأسد الأب إلى السلطة، لم يعرف هذا النظام سوى لغة القتل... ولم يكتف بممارسة هوايته بالقتل والإرهاب داخل الحدود السورية، بل لطالما اعتبر أن لبنان والعراق والأردن، أراض مباحة ليمارس هوايته بإرسال رسائل أمنية ودموية

كلما التقى مسؤولان أو اكثر وتباحثا في الشأن السوري، نسمع عن اتفاقهما على ضرورة محاربة الإرهاب، وكلما طُرحت القضية السورية على طاولة مباحثات كان بند محاربة الإرهاب بندا أول للمباحثات... بحجة محاربة الإرهاب تدخلت روسيا عسكريا في سوريا، ولطالما أطربنا المسؤولون الروس بالجهود الجبارة التي يبذلونها لمحاربة الإرهابيين، ومن هذه النقطة بالذات علت أصوات تُطالب بالتطبيع مع نظام الأسد على الرغم من الفظائع التي ارتكبها، ولكن حسب وصفهم «لا بد من التعاون والتنسيق معه لمحاربة الإرهاب».
وإذا وضعنا جانبا، وهو ما لا يقبله عقل أو ضمير، إرهاب نظام الأسد ضد السوريين وقتله أكثر من نصف مليون إنسان وتشريد عشرات الملايين، تبقى فكرة التعاون مع هذا النظام لمحاربة الإرهاب أشبه بمزحة سمجة بل ووقحة.
إن كان من وصفٍ للعلاقة بين النظام السوري والإرهاب، فهي أشبه بعلاقة الأبوة، واستخدام الأسد ونظامه للمجموعات التكفيرية ليس جديدا، ولم يبدأ مع بداية الثورة السورية بالعام 2011، بل هي علاقة عضوية، لطالما لجأ الأسد لها لتمرير رسائل سياسية.
بشار الأسد الذي لم يجد إلا «الحل الأمني»للرد على مطالب السوريين عندما خرجوا بمظاهرات سلمية مطالبين بالحرية، لم يجد أيضا إلا «الحل الأمني»للرد على خلافاته السياسية مع دول جارة وسياسيين معارضين لنفوذه.
عندما أجمع الأفرقاء اللبنانيون من مختلف التوجهات في العام 2006 على طاولة الحوار الوطنيّ على نزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات ومعالجته داخلها، اعترض الأسد، وأرسل رسالة قاسية على لسان «أبو موسى»أمين سر «فتح الانتفاضة»الموالية للنظام في دمشق، الذي اعتبر أن هذا السلاح «وجد ليس ضمن معادلة لبنانية لبنانية، هذا السلاح وجد ضمن معادلة صراع عربي إسرائيلي». علماً أن السلطة الفلسطينية كانت قد أعلنت التزامها بما يتفق عليه اللبنانيون، لكن للنظام السوري رأيا آخر، وأي سلاح خارج سلطة الدولة اللبنانية يستطيع أن يوجه من خلاله الرسائل الأمنية، هو بالطبع لن يتخلى عنه.
بعد سقوط بغداد عام 2003 عمل نظام بشار الأسد على تصدير الجهاديين إلى العراق لابتزاز الجانب الأميركي، وبدأت قوافل الجهاديين تصل من أنحاء مختلفة من العالم العربي والإسلامي إلى دمشق وحلب، حيث كان النظام يسير قوافل شبه منتظمة لهم إلى الحدود العراقية. أدار هذه العملية عدد من رجال الدين المرتبطين مع النظام لا سيما بعد فتوى محمد رمضان البوطي القريب من النظام بالجهاد في العراق، وكان من أبرز رجال الدين الضالعين بهذا الأمر في شمال سوريا محمود قول آغاسي المعروف بأبي القعقاع. 
كذلك اتخذ النظام من بعض المساجد في ريف دمشق أماكن استضافة لـ«الجهاديين»،حيث كانوا يمكثون في بعض الأحيان شهرا كاملا ريثما يتم ترتيب سفرهم إلى العراق. من أحد هذه المساجد ولدت فكرة خلق تنظيم جهادي جديد، وكان خلف هذا التنظيم الذي عُرف لاحقا بـ«فتح الإسلام»، كل من شاكر العبسي عضو فتح الانتفاضة، وضابط أمن سوري يُدعى جهاد زعل، وتم تأمين تمويل له عبر وسيط معروف في أوساط «القاعدة». وبدأ تجنيد بعض الشبان الصغار في التنظيم الذي قاده شاكر العبسي وأشرف عليه الضابط جهاد زعل.
التنظيم لم يتخذ اسما في البداية لأنه كان في صيغته الوليدة ولا يتجاوز عدد أعضائه العشرة اشخاص، وقبل أن ينمو كثيرا تم اعتقال كل أعضائه، طبعا ما عدا ضابط الأمن جهاد زعل.
تولى التحقيقات فرع التحقيق العسكري في شعبة المخابرات العسكرية الذي كان يرأسه ضابط من الجولان يُدعى بسام عبد المجيد، والذي أصبح لاحقا وزيرا للداخلية.
ويروي مصدر مطلع على سير التحقيقات، كيف أقنع بسام عبد المجيد المعتقلين بأنه يتعاطف معهم كابن للجولان وأنهم يجب أن يوقعوا على اعترافات تقول إنهم اتفقوا على القيام بعملية عسكرية ضد الجيش الإسرائيلي ثأرا لمجازر مخيم جنين.
بعد تحويل المعتقلين إلى محكمة أمن الدولة برئاسة فايز النوري عام 2005، حوكموا بأحكام مبسطة كان أقساها هو الحكم ثلاث سنوات على شاكر العبسي وإمام المسجد بجريمة القيام بعمل ضد دولة أخرى (إسرائيل) من شأنه أن يؤدي لردود انتقامية.
ولكن قبل أن تنتهي مدة الحكم على العبسي، ظهر فجأة في مخيم نهر البارد في شمال لبنان، وأصبح لتنظيمه اسم «فتح الإسلام»، خاض مواجهات مسلحة مع الجيش اللبناني، وتوجهت أصابع الاتهام كلها إلى النظام السوري، فكيف لشخص بخطورة العبسي المطلوب من دولة ثالثة وهي الأردن لتورطه باغتيال دبلوماسي أميركي على أرضها، والمحكوم والموقوف داخل السجون السورية، أن يظهر فجأة في شمال لبنان، وهو أساسا كان يعمل بالتنسيق معهم لإرسال الجهاديين إلى العراق؟
لم يكتف طبعا نظام الأسد بذلك، بل وكعادته بتسويق نفسه كمحارب للإرهاب، وبعد وقوع تفجير سيارة في دمشق، بث الإعلام الرسمي اعترافات قال إنها لمجموعة من «فتح الإسلام»، اعترفوا فيها بأنهم تلقوا تدريباتهم في سوريا ولكنهم تلقوا تمويلهم من رئيس تيار المستقبل سعد الحريري.
في أغسطس (آب) 2009، وقعت سلسلة تفجيرات منظمة بالسيارات في بغداد، راح ضحيتها أكثر من مائة قتيل و600 جريح، وعرفت بتفجيرات «الأربعاء الأسود»، اتهم رئيس الوزراء العراقي حينها نوري المالكي نظام بشار الأسد بالوقوف وراء التفجيرات، وطالب بتشكيل لجنة تحقيق دولية، معتبرا برسالته إلى الأمم المتحدة أن «حجم هذه الجرائم وطبيعتها يستدعيان تحقيقا يفوق نطاق الصلاحية القضائية العراقية وملاحقة المرتكبين أمام محكمة جنائية دولية خاصة»، وهذا ما اعترض عليه بشار الأسد، وقال يومها «التدويل دليل على الضعف، واعتراف منا بعدم أهليتنا بإدارة شؤوننا». دون أن ننسى أن تنظيم «دولة الإسلام في العراق»، هو من أعلن تبنيه لسلسلة التفجيرات.
في العام 2013، استهدف انفجاران مسجدين في مدينة طرابلس شمال لبنان، واعتبرت التفجيرات التي باتت تعرف بتفجير مسجدي التقوى والسلام بأنها الأعنف منذ انتهاء الحرب الأهلية في لبنان، ليصدر بعد ثلاث سنوات القرار الاتهامي، والذي أشار إلى أن ضابطين في المخابرات السورية يقفان وراء التخطيط والإشراف على عملية التفجير وهما النقيب في فرع فلسطين محمد علي علي، والمسؤول في فرع الأمن السياسي ناصر جوبان.
هذا بعض قليل من عمليات إرهابية تبنتها جماعات متطرفة، وأثبتت التحقيقات أن من يقف وراءها هو نظام بشار الأسد، ولو أن مخطط ما يعرف بـ«مملوك- سماحة»نجح، لكنا شاهدنا عمليات إرهابية شديدة الحرفية، ولكانت ظهرت مجموعات متطرفة بأسماء جديدة وتبنت تلك الأعمال الإرهابية.
منذ وصول الأسد الأب إلى السلطة، لم يعرف هذا النظام سوى لغة القتل، ولم يكتف بممارسة هوايته بالقتل والإرهاب داخل الحدود السورية، بل لطالما اعتبر أن لبنان والعراق والأردن، أراض مباحة ليمارس هوايته بإرسال رسائل أمنية ودموية، وأغلب هذه الجرائم معروفة للجميع، فهل حقا يظن البعض أن هذا النظام هو شريك بمكافحة الإرهاب؟ أم إنهم هم أيضا يريدون مساكنة الإرهاب الحقيقي مثلما يُطالبون السوريين بالقبول بمساكنة قاتل أبنائهم؟ جهاد زعل الذي ظهرت إشاعات تتحدث عن موته مرة بحادث سير ومرة بتفخيخ سيارته لم يُقتل، ولم يتعرض مؤخراً لأي محاولة اغتيال، هو اليوم رئيس فرع المخابرات الجوية في المنطقة الشرقية، فهل من جديد ننتظره هناك؟ وهل من رسائل أمنية ستوجه للأميركي بعد قانون قيصر؟