كيف تتفاقم جائحة كورونا في أميركا بسبب مشكلة التأمين الصحي

يؤخر 30 في المائة من الأميركيين علاجاتهم الطبية بسبب تكلفتها الباهظة
سواء كان لدى الناس تأمين يغطي تكاليف علاجهم أم لا، فيمكن أن تكون التكاليف المتعلقة بمعالجة فيروس كورونا مدمرة
يعتبر عدم التنسيق على المستوى الوطنيمن بين نقاط الضعف الحرجة، إذ تصدر كل ولاية على حدة إرشادات طبية مختلفة مما أعاق معركة البلاد لوقف انتشار الفيروس وأودى بحياة الآلاف من الأميركيين

لندن: بات بارزًا القصور في نظام الرعاية الصحية غير المناسب في أغنى دولة في العالم مع استمرار تفشي جائحة فيروس كورونا في جميع أنحاء الولايات المتحدة وتسجيل إصابة أكثر من 2.3 مليون شخص، ووفاة أكثر من 120 ألفا... 
يشار إلى أنه قبل تفشي الوباء، كان 87 مليون شخص في الولايات المتحدة لا يمتلكون تأمينًا صحيًا وليس لديهم تأمين بمبالغ غير كافية. أما اليوم، فالوضع أكثر سوءًا، إذ خسر أكثر من 45 مليون أميركي وظائفهم منذ منتصف شهر مارس (آذار) الماضي، مما يعني فقدان نصفهم على الأقل تأمينهم الصحي الذي يقدمه لهم أصحاب العمل، وذلك في خضم حالة الطوارئ الصحية الوطنية. 
وقد أثار هذا الأمر سؤالًا مهمًا، وهو: لكي تستطيع الولايات المتحدة احتواء الفيروس، فسيتطلب من الناس الاتصال بمقدمي الرعاية الصحية بمجرد ظهور أي أعراض تشبه أعراض الأنفلونزا، فهل سيتصلون بالفعل إذا كان ذلك يعني تحمل ديون طبية يمكن أن يظلوا يسددونها طوال حياتهم؟
 
وسواء كان لدى الناس تأمين يغطي تكاليف علاجهم أم لا، فيمكن أن تكون التكاليف المتعلقة بمعالجة فيروس كورونا مدمرة.ووفقًا لتحليل أجرته مجموعة «FAIR Health»غير الربحية، قد تصل تكلفة دخول الفرد للعلاج من كوفيد-19 إلى 74 ألف و310 دولارات، إذا لم يكن يمتلك تأمينًا صحيًا أو إذا قررت شركة التأمين اعتبار الإصابة خارج إطار تغطيتها. وقالت المجموعة إن المرضى ذوي التأمين الصحي قد ينفقون مبالغ تصل إلى 38 ألفا و755 دولاراً.
وقال الشريك المؤسس والمدير الفني لشركة «Birya Biotech» أفيشا نيسايفر في تصريحاته لمجلة «المجلة»إنه وعلى الرغم من تعهد الحكومات الفيدرالية والمحلية بمساعدة الأميركيين للصمود خلال هذه الأزمة ولكن لا تزال توجد ثغرات.
وأضاف: «توجد برامج حكومية تساعد الكثير من الناس الذين فقدوا وظائفهم بسبب انتشار فيروس كورونا لضمان بقاء تأمينهم الصحي. أما بالنسبة للذين يفقدون تأمينهم كليًا فغالبًا ما يكونون مؤهلين لفترة التسجيل الخاصةللاشتراك في خطةسوق التأمين الصحي الجديدة.وقد يكون البعض مؤهلين للحصول على ائتمان ضريبي ممتاز للمساعدة في دفع تكاليف التأمين، ويمكن للبعض الآخر الذين عانوا من انخفاض في دخل الأسرة أن يكونوا مؤهلين للحصول على تغطية مجانية أو منخفضة التكلفة من خلال برنامج المساعدة الطبية لمحدودي الدخل (Medicaid). وتحاول بعض الولايات توسيع الأهلية الطبية حتى تتمكن من تأمين المزيد من سكانها بشكل مؤقت أثناء فترة الجائحة».

 




امرأة تنتظر حافلة بالقرب من موقع لفحص الإصابة بفيروس كورونا في بروكلين في 10 أبريل 2020، في بروكلين بمدينة نيويورك (غيتي)

 


وأردف قائلًا: «بالنسبة للأشخاص غير المؤهلين للاستفادة من البرامج التي ذكرتها فالوضع سيّئ أكثر. ويتضمن قانون الاستجابة الأولي لفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) الذي أقرّه الكونغرس مؤخرًا خططًا صحية لدفع تكاليف الفحوصات التي تعتبر «ضرورية من الناحية الطبية»،ولكنه لا يغطي تكاليف علاج كوفيد-19 للأشخاص الذين ليس لديهم تأمين صحي. وفي حين لن تمتنع أي مستشفى عن تقديم العلاج لأي مريض، إلّا أنه يمكن أن تكون فاتورة هذا العلاج معوقة. وفي الغالب، ستتسبب هذه التكاليف بعدم طلب المرضى لمثل هذا النوع من المساعدات».
وتشير التقديرات التقريبية إلى أنه قد يصل عدد الوفيات الثانوية- أي تلك الناجمة عن مشاكل صحية غير كوفيد-19 والظروف الاجتماعية الاقتصادية- إلى نفس عدد الوفيات الأولية الناجمة عن الفيروس المتفشي بسبب تجنب الأشخاص الكلي لتلقّي الرعاية الصحية.
وبحسب استطلاع أجرته جامعة شيكاغو ومعهد ويست هيلث، يخشى الأميركيون من دفع تكاليف الرعاية الصحية إذا أصيبوا بمرض خطير (40 في المائة) أكثر من خوفهم من الإصابة به (33 في المائة). 
ووفقًا لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة غالوب، يؤخر 30 في المائة من الأميركيين كل عام منذ 2006 علاجاتهم الطبية بسبب تكلفتها الباهظة. وأظهر تقرير المؤسسة الصادر في ديسمبر 2019 أن 19 في المائة من الأميركيين كانوا يؤجلون حينها علاج حالات خطيرة. ويموت أكثر من 30 ألف شخص كل عام بسبب عدم قدرتهم المالية على استشارة طبيب. ولا يستطيع 20 في المائة من الشعب الأميركي شراء الأدوية التي يصفها لهم أطباؤهم.
وإذا كنت محظوظًا بما يكفي لتحصل على تأمين صحي، فليس مضمونًا أن تستطيع تحمل تكاليف الرعاية الصحية. فقد كان معظم النصف مليون أسرة التي تعلن إفلاسها كل عام بسبب الديون المتعلقة بتكاليف طبية تأمينًا صحيًا عند إصابتهم بالمرض. وجزء من المشكلة يعود للمقتطعات الضخمة- مبلغ المال الذي تدفعه عند طلب التأمين قبل بدء الشركة بتغطية التكاليف. ووفقًا لتقرير صادر عن مؤسسة كايزر فاميلي (Kaiser Family Foundation)كانت شركات التأمين تخصم عام 2019 سنويًا من 82 في المائة من العمال الذين يحصلون على تأمين صحي عن طريق أصحاب العمل، مسجلة ارتفاعًا من 63 في المائة قبل عقدٍ من الزمن. وقد يشكل دفع هذه الخصومات العالية عندما يكون التدفق النقدي قليلًا مشكلة حقيقية ويمكن أن يمنع المرضى من الحصول على الرعاية الصحية التي يحتاجونها أو يتسبب في تغيير الطريقة التي يقدم بها الأطباء الرعاية لهم. وقال 80 في المائة من أكثر من 700 طبيب مستقل شملهم استطلاع أجراه معهد الدفاع عن الأطباء إن مرضاهم يرفضون أو يؤخرون الرعاية الطبية بسبب مخاوف بشأن خصومات التأمين على التكاليف.
ويقول نيسايفر إنه يمكن للشباب والأشخاص الأصحاء إمضاء سنوات طويلة دون الاستفادة من التأمين الصحي وحتى لو كان لديهم، إلا أنه بالنسبة للذين يعانون من أمراض مزمنة، فيرتبط عدم حصولهم على التأمين الصحي مع زيادة خطر تدهور صحتكم بشكل عام. ويضيف: «غالبًا ما يحتاج هؤلاء المرضى إلى علاجات وأدوية منتظمة يصعب دفع تكاليفها. وقد ينظرون إلى صحتهم وهي تتدهور بسرعة بعد وقتٍ قصير من فقدانهم للتأمين الصحي».
وتتفاقم هذه المشكلة لأن الأميركيين في الواقع الأقل صحة من بين البلدان الأخرى ذات الدخل المرتفع، على الرغم من إنفاق الولايات المتحدة أكثر من 18 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي- أي أكثر من أي دولة أخرى- على الرعاية الصحية. ويعاني تقريبًا 60 في المائة من جميع الأميركيين من حالة صحية مزمنة واحدة على الأقل، ويعاني 40 في المئة من أكثر من حالة واحدة. وتتصدر الولايات المتحدة العالم المتقدم في مرض السكري، إذ يعاني أكثر من واحد من كل 10 بالغين من النوع الأول أو النوع الثاني من مرض السكري، بما في ذلك 17 في المائة من البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 45 و64 عامًا. كما يعاني الأميركيون من أمراض القلب بنسبة أعلى من البلدان الأخرى ذات الدخل المرتفع. وتزداد معدلات الإصابة بالربو كل عام، ويؤثر ارتفاع ضغط الدم على شخص واحد من بين كل ثلاثة بالغين، تتراوح أعمارهم بين الأربعينات والخمسينات.
وتعتبر هذه الحالات المزمنة اعتلالات مشتركة تزيد من خطر إصابة المرضى بمضاعفات كوفيد-19 المميتة، مما يجعل الأميركيين عرضة بشكل خاص لهذه الكائنات الممرضة.
 




سيدة تحمل لافتة كتب عليها: «الرعاية الطبية للجميع، الرعاية الصحية حق»، وذلك خلال مناقشة السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز لتشريع «الرعاية الطبية للجميع»في واشنطن العاصمة (غيتي)

 

وتتفاقم عواقب الافتقار إلى نظام صحي شامل ووطني ممول من القطاع العام والعدد الكبير من الأشخاص الذين يعانون من مشاكل صحية مزمنة بسبب عدم وجود إجازة مرضية مدفوعة الأجر. وتعد الولايات المتحدة من البلدان القليلة جدًا (كلها تقريبًا دول منخفضة الدخل) التي لا تمتلك برنامجًا وطنيًا للإجازة المرضية. ورغم أن قانون الاستجابة الأولى لفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) يسهل على العديد من العمال الأميركيين الحصول على إجازة مدفوعة الأجر إذا أصيبوا بكوفيد-19 أو كانوا يعانون من أعراض أو تم عزلهم، إلا أن القانون يستبعد جميع أنواع الموظفين. ولا يتضمن الشركات الكبيرة ويمكن الشركات الصغيرة من المطالبة بالإعفاء عن تنفيذ هذا القرار، مما يجبر العديد من العمال الذين يعتمدون على دخلهم ليعيشوا ويصابوا بكوفيد-19 أن يختاروا بين الجوع أو نشر المرض.
ومما يزيد الطين بلة البنية التحتية لنظام الرعاية الصحية الذي يخذل الأميركيين. فيوجد في أميركا 2.8 سرير مستشفى فقط لكل 1000 شخص، وهذا العدد من أسرّة المستشفى لكل فرد أقل من معظم البلدان الأخرى في العالم المتقدم. وتشير التقديرات إلى أن الدولة لا تمتلك سوى 45 ألف سرير في وحدات العناية المركزة. ويوجد في الولايات المتحدة أيضًا عدد أقل من الأطباء للفرد أيضًا: 2.6 لكل 1000 شخص، وهو عدد أقل بكثير من متوسط الدول المماثلة البالغ 3.5، وأقل كذلك من كل دولة يتعقبها نظام الصحة بيترسون- كايزر، باستثناء اليابان.
ويعتبر عدم التنسيق على المستوى الوطنيمن بين نقاط الضعف الحرجة داخل النظام- إذ تصدر كل ولاية على حدة إرشادات طبية مختلفة وتتنافس ضد بعضها البعض لتأمين أجهزة الوقاية- مما أعاق معركة البلاد لوقف انتشار الفيروس وأودى بحياة الآلاف من الأميركيين.
ولفت نيسايفر إلى أن «المشكلة الواضحة التي كشف عنها تفشي فيروس كورونا في نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة هي افتقارها لقنوات الاتصال المناسبة. فقد أدى هذا النقص إلى توزيع غير فعال للإمدادات والمعلومات عبر النظام. وبالنظر إلى كيفية تفشي الفيروس في مدن مختلفة وفي نقاط زمنية مختلفة كان من الممكن تخفيف معظم النقص في كل من أجهزة التنفس الاصطناعي ومعدات الوقاية الشخصية لو كان لدينا أنظمة مناسبة لتقاسم هذه الأدوات. وكان الأطباء يعانون ليستطيعوا اكتشاف أفضل ممارسات العلاج مع انتشار الفيروس عبر الولايات وذاك من خلال خلال التجربة والوقوع في الخطأ». 
وشدد أنه «كان يمكن لابتكار قاعدة بيانات موحدة حيث يشارك الممارسون نجاحاتهم وإخفاقاتهم أن تنقذ آلاف الأرواح». وأوضح أنه يوجد الكثير من الممارسات التي تساعد في عملية العلاج والتي لا تتم مشاركتها، مسلطًا الضوء على إدراكٍ بسيط نشرته وسائل الإعلام ويوصي «بقلب مرضى التنفس الاصطناعي على بطونهم لأنه يحسن من النتائج».