أنيس شوشان: لم تقع في تونس أيّ ثورة ثقافية

الشاعر التونسي «الحالم» تحدث لـ«المجلّة» عن أزمة الهوية والتمييز العنصري

* الفنانعبارة عن حامل نور، تتمثل مهمته في تبديد جميع أشكال الظلام في المجتمع

* لا يمكننا الارتقاء إلى «المدينة المثالية» التي وصفها أفلاطون دون صدام

تونس: الفن من أجل الفن أو الفن الملتزم، حيث تكمن وراء كل شكل فني رسالة. الفنانعبارة عن حامل نور، تتمثل مهمته في تبديد جميع أشكال الظلام في المجتمع. يجب رفع الحجاب عن الحقيقة ودعوة الإنسان للتفكير في وضعه. غير أنّ البشر لا يتوانون عن حذف ميراث الأزمة الغابرة، دون أن ينسوا تمرير بعض التقاليد العريقة الهامّة.

أنيس شوشان شاعر تونسي شاب مغامر، متمرّد عبر قصائده، ضد كل أشكال الظلم. نفس إنساني مفعم بدعابة سوداء. تلك محاور نشاطه التي وجدت لها صدى بين الشباب. شوشان بهلواني الكلمات، يمارس دور المعارض وكذلك الحالم.

من خلال هذا الحوار مع مجلة «المجلة»، يبدي أنيس شوشان رأيه في ثورة 14 يناير وإنجازاتها. كذلك بخصوص أزمة الهوية والتمييز العنصري والالتزام. مواضيع تشكّل صميم هذا النقاش.

 

* قصائدك المغموسة في الألم تعبر عن رفض للآخر. هذا الآخر، من يطالع قصائدك، هل بمقدوره التحرّر بالكامل من الأحكام المسبقة التي زرعها المجتمع والتقاليد في وعيه؟ أليست أزمة الهوية هذه التي يعاني منها العالم العربي نتاج تمازج الثقافات؟

- من خلال شعري، أسعى إلى إيقاظ وعي الفرد أو الجماعة ممن يطالعون ما أكتب أو يستمعون لي، سواء خصّ الأمر شخصا أو جماعة. راهنًا، أكثر من أي وقت مضى، تتجلّى ضرورة الانتباه إلى القضايا التي يمكنها التأثير على مجتمعاتنا المعاصرة. يدفعنا هذا الوعي نفسه إلى طرح أسئلة وجودية. عندما يتعلق الأمر بالتحامل العنيف وإمكانيات حدوث تغييرات، يمكنني القول إنّني تمكّنت بأسلوبي الخاص من الوصول إلى الناس وجعلهم يتفاعلون بطريقة إيجابية من أجل الوقوف ضدّ الأفكار المسبقة. هذا التفاعل ملحوظ بشكل خاص لدى الأطفال، أصغر جمهور لي، حين يردّدون قصائدي. تطمئن نفسي حين أراهم يلقون قصائدي، لأنّ الطفل يشكّل جوهر الأجيال القادمة. هم من سيتولّى مهمّة تغيير العالم.

أمّا فيما يتعلق بأزمة الهوية، فأعتقد أن أكبر مصيبة لدينا تكمن في التراث الثقافي المتحيز والهوية الزائفة. في الواقع، بدلاً من الحديث عن الهوية العربية، أفضل الهوية البشرية الحقّة والعالمية. مع العولمة، تقلصت المجالات الجغرافية. لذلك، من الضروري الانفتاح على «الآخر» وثقافته وتاريخه للتخلص من هويتنا الجامدة. أن أكون موجودًا في تونس يعني أنني تونسي وأمازيغي وأفريقي. لكن الأهم يكمن في أنني أحمل الهوية البشرية. كما يقول محمود درويش: «كل قلوب الناس... جنسيتي. فلتسقطوا عني جواز السفر!».

 

* كنت صرّحت في حوار 2017 أن ثورة الياسمين ثورة غير ناضجة. هل تحافظ على ذات النظرة إلى المجتمع التونسي بعد الثورة، أمّ أنّ هذا الرأي تغيّر بمرور الزمن؟ كيف تعيد قراءة التاريخ المعاصر لتونس؟

- أعتبر أنّ الثورة التونسية لا تزال في حالة إنجاز، ومن ثمّة لم تكتمل بعد. أراها لم تتمكن بعد من إنجاز أهدافها وكذلك عجزت عن الوفاء بوعودها، لأنّها لم تحمل في طيّاتها ثورة ثقافيّة. في الواقع، عندما أتحدث عن ثورة ثقافية، فإنّني أقصد التحوّلات على اعتبارها ثورة شخصية ستحدث ثورة اجتماعية. من ذلك، وجب على كلّ فرد أن يثور ضد «ذاته» وضدّ دغمائياته، ليحقّ له التطلّع إلى مستقبل أفضل وتغيير حقيقي. مع ذلك، رغم هذا التشخيص، أعتبر أن تونس تعيش الانقباضات الضروريّة التي ستنجب جيلًا جديدًا يحمل الكثير من الأمل والرغبة العميقة في التغيير.

 

* بعد مقتل جورج فلويد في مينيابوليس، كيف كان رد فعلك على الحادث؟ هل تعتقد أن المظاهرات التي عمت العالم ستنجح في تطبيق العدالة؟

- لطالما كانت الولايات المتحدة الأميركية مسرحًا لهجمات عنصرية قبل وبعد ستينات القرن الماضي، فقد هز النشر السريع وعلى نطاق واسع للفيديو الذي يظهر اعتقال وموت جورج فلويد، أميركا، وكذلك العالم بأسره. كان رد فعل الناس مفاجئًا بالمعنى الإيجابي للكلمة، حين آن لهذه الانتهاكات العنصرية المتواصلة أن تتوقّف. آمل حقًا أن يتغير الوضع وأن تدرك دول أخرى، أن العالم العربي مصاب أيضًا بذات الداء الذي تعاني منه الولايات المتحدة. في الواقع، هذه الاحتجاجات للمطالبة بالحق في الاختلاف والحفاظ على كرامة المواطن «الأميركي من أصول أفريقيّة»، ستؤثر بطريقة أو بأخرى في العالم العربي، الذي هو بدوره في حالة غليان.

لذا فعلاً، آمل حقًا أن تنجح هذه الحركات الاحتجاجية لأن صراع الإنسان مع العنصرية، المتواصل منذ عقود طويلة، على الرغم من التقدم في مجال الحقوق، يبدو أن سيمتدّ لعقود أطول، لينقلب إلى مهزلة مخزية ومثيرة للاشمئزاز، تحط من قدر البشرية جمعاء.

 

* هل دعوة التمرد ضد التمييز التي يحملها شعرك موجه إلى إنسان «المدينة الفاضلة»؟

- شعري يمثّل دعوة دائمة للتغيير والتمرد ضد الظلم. لا يمكننا الارتقاء إلى «المدينة المثالية» التي وصفها أفلاطون. كما لا يمكننا تحقيق أيّ «فكرة مثاليّة» دون صدام. لكن، أعتبر أنّ التوازن الاجتماعي ممكن. لا يتعلّق الأمر بأيّ شكل من أشكال اليوتوبيا، بل حقيقة ممكنة قابلة للتجسيد، في حال انخرط جميعنا، جسدًا وروحًا، واستطاع أن يتحوّل إلى أفضل نسخة من نفسه.

 

* كيف ترى طريق الخلاص؟ هل السلام يستوجب ثمنًا؟

- من البديهي القول إن الحصول على السلام يستوجب ثمنًا. كما يوجد من يؤيّد السلام، يوجد في المقابل من يعارضه. يحكم بعض دول العالم قادة أقوياء وجماعات ضغط مؤثرة، تنحصر اهتماماتهم في السيطرة على مصائر الجميع، لأغراض اقتصاديّة بحتة. كل شخص يعمل من أجل السلام يزعج هؤلاء القادة ومن ثمّة يتعرّض للإزعاج. 

 

* كلمة أخيرة:

- سلام إلى كلّ روح تبغي التنفّس

لأنّ الفكر حرّ

والحرّ لا يصمت.