على مقهى في الشارع العربي

تاريخ العدد 13 مايو (أيار) 1983 
 
قال الشاب في حيرة
-لا شك أن هناك شيئاً جديداً قد حدث.. فإن تطوراً عنيفاً بدأ يفرض نفسه بعد أن كنا نعتقد أن الهدوء سيشمل المنطقة كلها فترة طويلة إلى أن نجد طريقا لتحقيق السلام، أو على الأصح الاستسلام..
ولكن فجاة عادت النار واشتعلت في المنطقة، وبدأت الاغتيالات والانفجارات.. وقتلوا عصام السرطاوي وبعد أيام نسفوا دار السفارة الأميركية في بيروت.. وفي الوقت نفسه كانت المفاوضات بين الملك حسين وياسر عرفات قد فشلت.. فماذا حدث؟ 
ما هو الجديد الذي دفع العنف يفرض نفسه على الهدوء؟!
وقال العجوز في هدوء ساخر:
- لم يحدث في العالم كله من جديد إلا ظهور حاكم جديد للاتحاد السوفياتي..
وقال الشاب في حدة:
- وهل هذا يكفي لكل هذه التطورات التي تحدث على أرضنا.. إن الحاكم الأميركي أيضاً يتغير كل أربع سنوات فهل نتغير معه هو الآخر..
وقال العجوز بهدوئه الساخر:
- هناك فرق كبير بين الحاكم الأميركي، والحاكم الروسي.. الحاكم الأميركي يحكم بقانون، والحاكم الروسي هو القانون.. ولذلك فكل حاكم جديد لروسيا هو قانون جديد.. أقصد سياسة جديدة.. وقد بدأنا نكتشف أن أندروبوف له سياسة جديدة تختلف عن السياسة التي كان يسير بها بريجنيف.. ورغم أنه استقبل على أنه أكثر هدوءا سياسيا عن بريجنيف.. وتفاءل الأميركان باحتمال التفاهم معه.. إلا أنه ثبت أنه أشد عنفاً.. ومرت شهور كان خلالها ينظم نفسه كحاكم ثم بدأ العنف ينطلق إلى آخره حتى وصل إلى أن بدأ القتال يعود من جديد بين فيتنام والصين، أي بين الاتحاد السوفياتي والصين..
وقال الشاب في دهشة:
لم يحدث تغير في وضع الاتحاد السوفياتي بالنسبة إلى بلادنا عما كان عليه أيام بريجنيف..
وقال العجوز في إصرار:
- حدث..  وبريجنيف كان عجوزاً وسياسة العواجيز تميل إلى اليأس.. وأندروبوف يحاول أن يحتفظ ببقايا شبابه فيتعلق بالأمل.. وقد دفعه الأمل إلى تغيير السياسة.. كان بريجنيف بخيلاً في تصدير الأسلحة لسوريا ولباقي الدول المرتبطة بالسوفيات.. وكان يترك العراقيل الإدارية تعرقل كل ما يتفق عليه.. وكان يضع خطاً لا يمكن أن يتخطاه لإنقاذ صديقه من الغرق حتى لو غرق فعلاً.. ولكن أندروبوف تحرر من البخل في تصدير السلاح إلى الأصدقاء.. وألقى الرئيس الأسد أخيراً خطاباً قال فيه ما معناه إن الموقف السوفياتي قد تغير لصالح سوريا حتى إنه أمدها بأسلحة لا يوجد منها في البلاد الاشتراكية الأخرى.. وأنه إذا استطاعت إسرائيل أن تدمر صاروخاً على أرض سوريا فسيحل محله فوراً صاروخان.. وأن أندروبوف يحب العرب.. ولم يكن الرئيس الأسد متفائلاً كل هذا التفاؤل أيام بريجنيف.. 

وقال الشاب وكأنه يرفض الاقتناع:
- ما علاقة كل هذا بعودة العنف إلى كل المنطقة.. عنف الاغتيالات والانفجارات والاعتداءات.. العنف الذي لا يصور حرباً بين دولتين، ولكنه يصور حرباً بين كل بني البشر.. العنف الذي يجعل من إطلاق النار اللغة الوحيدة للكلام.. 
وقال العجوز وكأنه يحلم بخبايا العالم: 
- إن الاتجاه السياسي السوفياتي الجديد كما أنه أبعد فاعلية وكرماً فهو أيضاً أكثر صراحة.. وصدرت الأوامر إلى المسؤولين السوفيات بأن يصارحوا المسؤولين العرب بأن مشروع ريغان معناه الوحيد هو طرد السوفيات من المنطقة كلها.. وتأييد هذا المشروع معناه تأييد طرد السوفيات.. والسكوت عليه معناه السكوت على طرد السوفيات.. وترك من يسمون أنفسهم بالمعتدلين أو الواقعيين يسعون أحراراً معناه تكوين جيش لمحاربة السوفيات.. أي إن المطلوب هو إعلان الحرب على مشروع ريغان وعلى من يؤيدونه.. وبدأت الحرب فعلاً.. وكان أول ما وصلت إليه من انتصارات هو وقف المحادثات بين الملك حسين وياسر عرفات.. وهي في طريقها للقضاء على كل من يسمون أنفسهم بالمعتدلين.. كما أنها تسعى لأن تضع أميركا في حالة دائمة للدفاع عن النفس داخل المنطقة حتى لا تتميز عن السوفيات بأنها الأمل الوحيد لإقناع إسرائيل بالجلاء وبالسلام. 
وقال الشاب في دهشة:
- وما هو الحل الذي يسعى إليه الاتحاد السوفياتي؟
وقال العجوز:
- إنه لا يسعى إلى حل، ولكنه يسعى إلى وضع.. والوضع الذي يريده هو أن لا يبعد أبداً عن أي محاولة للوصول إلى حل.. أي أن يعود مثلاً انعقاد مؤتمر جنيف الذي يشترك فيه السوفيات مع الأميركان والدول العربية.. ورغم أنه مؤتمر محكوم فيه بالفشل مقدماً إلا أنه يكفي أنه يجمع بين أميركا والسوفيات..
وقال الشاب في زهق:
- إنك دائماً تنسب كل الأحداث إلى الاتحاد السوفياتي أو أميركا.. وما دامت الحرب مستمرة بينهما إلى الأبد حتى لو لم تكن حرباً معلنة فسنبقى نحن في حرب إلى الأبد..
وقال العجوز: 
- الحل الوحيد هو أن نحقق الوحدة بينهما..
وصاح الشاب في دهشة:
- كيف؟
وقال العجوز بلا رنة أمل: 
- بأن نحقق الوحدة بيننا.. فعندما يعجز الأميركان أو السوفيات عن انفراد أي منهما ببلد داخل المنطقة فسيضطران إلى أن يتعاونا معا ويجدا وسيلة للوجود معا.. وبذلك لا يحاول أي منهما تسليط بعضنا على بعض لتستمر حوادث الاغتيالات والانفجارات..
وقال الشاب ساخراً:
- من أين نستورد السلاح الذي ندافع به عن أنفسنا ضد إسرائيل؟ 
وقال العجوز في استسلام:
- من كليهما نستورد السلاح الروسي والسلاح الأميركي، كما نستورد الكافيار والهوت دوغز.. وما دمنا ندفع الثمن.. 
وقال الشاب صائحاً: 
- لقد أصبحت أحلامك تصل إلى حد التخريف.. فلم يحدث هذا في أي بلد من بلاد الدنيا.. فإما أن تكون أميركا أو روسيا، أو أن المنطقة مقسمة بينهما.. وأنا أفضل أن تبقى بلادنا مقسمة بينهما ومهما عانينا، فإننا نعاني أقل من أن نكون لأحدهما.