«طيارة ورق» تثير أزمة في مصر

فرضت حالة من الجدل في الأوساط السياسية والبرلمانية
* عضو لجنة الدفاع بمجلس النواب المصري يوجه طلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء، حذر فيه من مخاطر الطائرات الورقية على الأمن القومي
* تركيب كاميرات دقيقة أو مستشعرات على الطائرات الورقية أمر سهل للغاية ويستطيع أي شخص أن يفعله، وهي تشبه طائرات الدرونز 
* التجسس لم يعد عملية مضنية أو مكلفة، ولم تعد تحتاج لقدر كبير من الاستعداد كما كان الحال في الماضي
* جيل الشباب يختلف فيما يخص مفهوم  الحريات فهو بطبيعة الحال متمرد وأثرت فيه ثورة الاتصال  والسوشيال ميديا
* هناك ظواهر يغلب عليها التفسير السياسي والإعلامي، وبعض الأطراف توظف ذلك سياسياً للمبالغة 

القاهرة : انتشرت في ربوع مصر خلال الفترة الأخيرة التي شهدت أزمة كورونا صناعة الطائرات الورقية بين الفئات العمرية المختلفة للشباب في مصر، حيث قام الشباب المصري بصناعة طائرات ورقية يقومون باللعب بها في أوقات الحظر، وحتي بعد تخفيف القيود، نظرا لقلة إقبالهم على المولات والمحال التجارية والمقاهي التي أصبحت تغلق أبوابها في أوقات مبكرة، بقرار من الحكومة المصرية، مما دفع عددا كبيرا من الشباب المصري إلى شغل أوقات فراغهم بهواية كانت سائدة قديما، وهي صناعة طائرات ورقية، والتي انتشرت انتشارا كبيرا كهواية بين الصغار والكبار والشباب، في محاولة منهم لإخراج طاقاتهم المكبوتة بسبب الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها السلطة للتصدي لتفشي فيروس كورونا.
وفرضت ظاهرة لعبة الطائرة الورقية التي تملأ سماء مصر حالة من الجدل، وفي نفس الوقت تسببت في موت بعض الصبية، وقد استغلها البعض إعلاميا مشيرا إلى أنها خطر على الأمن القومي المصري. بينما اعتبرها آخرون وسيلة للتعبير عن الحريات بكافة أنواعها سواء سياسية أو إنسانية، لكن اتفق الجميع على أن السبب الأول هو الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الحكومة بسبب تفشي كوفيد-19.
وكشفت بعض وسائل الإعلام عن تسبب الطائرات الورقية  في مقتل 19 آخرين في منطقة المرج والإسماعيلية  شرقي القاهرة، كما تسبب لهو عامل بطائرة ورقية في منطقة نزلة السمان بالهرم، في مقتل شاب يعمل «خيّالا»أمام أفراد أسرته، حيث طعنه أحد الأفراد بمطواة أردته قتيلا في الحال، بعد سقوط الطائرة أعلى منزل الضحية، ورغبة المتهم في الصعود لاستعادتها، فطلب المجني عليه تأجيل الأمر بسبب نومه وأفراد أسرته، لينصرف المتهم ويعود وبصحبته آخرون، ويقتل الضحية أمام زوجته. 
لم يقتصر الأمر على السقوط من أعلى المباني السكنية فقط، ولكن في منطقة شبرا الخيمة لقي شاب مصرعه غرقا في ترعة الإسماعيلية أثناء قيامه باللعب بطائرة ورقية، حيث بدأ الأمر بسقوط الطائرة في مياه الترعة، وعلى الفور بادر الضحية بالنزول إلى المياه لاستعادتها، ولكن لم يستطع الوصول إليها ليلفظ أنفاسه الأخيرة غارقًا في قاع الترعة، فيما تشابكت الطائرات الورقية بأسلاك الكهرباء الممتدة بين «عمدان الكهرباء»وسط الشوارع، وينقطع«خيطها»وتنقطع معه أنفاس الضحية، حيث سقط صريعا بعد صعقة كهربائية عالية لامست جسده أثناء محاولته فك خيوط الطائرة من الأسلاك، تلك كانت بعض الحوادث التي وقعت مؤخرًا لطالب الصف الثالث الثانوي الذي مات بأسلاك الضغط العالي أثناء فكه خيوط طائرته.  
 
خطر على الأمن القومي
ومن جانبه  تقدم خالد أبو طالب، عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب المصري، بطلب إحاطة موجه إلى رئيس مجلس الوزراء، حذر فيه من مخاطر الطائرات الورقية على الأمن القومي، حيث قد يتم تزويدها بكاميرات مراقبة لتصوير المنشآت الهامة والحيوية، بحسب طلب الإحاطة، مشيراً إلى أن لعبة الطائرات الورقية كانت تشكل في الماضي أحد أهم الألعاب وأحد مظاهر الاحتفالات عندما كنا صغاراً، ولكن اليوم مع التطور التكنولوجي الهائل، أصبحت قبل أن تشكل خطورة على حياة الأطفال، فإنها تشكل خطورة على الأمن القومي، باستخدام وسائل التصوير الحديثة وصغيرة الحجم. 
وقال عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بالبرلمان، إن التنافس في اللعبة لم يعد كما كان معتادا، فكل شخص يعلو فوق بنايته ممسكا بطائرته الورقية ويبدأ في تطييرها في الهواء وبارتفاعات كبيرة، لافتا إلى أن هناك حوادث عدة وقعت جراء «الطائرات الورقية»، موضحاً أن من بين الحوادث السقوط من أعلى العقارات، وأخرى من خلال الصعق الكهربائي، مشدداً على أن ذلك يستدعي تدخل أولياء الأمور بتقديم النصح والإرشاد لأبنائهم.
 
إسقاط نفسي على الحظر
وعلل عمرو بدر، رئيس لجنة الحريات بنقابة الصحافيين المصرية، ظاهرة الطائرات الورقية التي انتشرت مؤخراً في سماء مصر، بسبب ما تم من الدولة من إجراءات للتصدي لفيروس كورونا وهو الجلوس في المنزل لفترات طويلة امتددت إلى 3 شهور بسبب الحظر وخصوصا طلاب الثانوية والإعدادية غير المعتادين على مثل هذه الإجراءات الاحترازية، حيث تتوافر لهم ما لم يكن متوافرا لأجيال كثيرة، مثل منصات التواصل الاجتماعي «فيسبوك»،و«توتير»وخلافة، لذلك أصبحت الطائرة إسقاطا نفسيا على فترة حظر التجوال في البلاد، وهذا الجيل يحب الحرية وتأثر بالحظر المفروض، لذلك أخرج طاقته في هذه الظاهرة، وجيل الشباب يختلف عنا فيما يخص الحريات، فهو بطبيعة الحال متمرد أثرت فيه ثورة الاتصال والتقدم الذي حدث في مجال التكنولوجيا  والسوشيال ميديا، غير أن لديهم  مفهوم للحريات.
واعتبر بدر أن الإسقاط النفسي لدى هؤلاء في كافة مجالات الحريات سواء كانت سياسية أو شخصية أو حريات عامة ، حيث اختلف مفهوم الحريات لديهم عن مفهومها لدينا، فالمفهوم لدينا كان يصب في السياسة فقط، لكن لدى هذا الجيل يصب في مناحي الحياة كلها، خصوصا ما يتصل بحرية الإنسان بصفة خاصة وهم يدافعون عنها، لافتا إلى أن ظاهرة الطائرة الورقية أرجعت هذا الجيل إلى الألعاب المصرية بعيدا عن اللعب على جهاز الكمبيوتر والعودة إلى التراث المصري مرة أخرى وإلى ما كان يفعله الآباء وهم في الصغر. 


 
فجوة بين الأجيال
وقال الدكتور سعيد صادق أستاذ علم النفس السياسي إن البرلمان المصري الحالي  يضم  أكبر عدد  من النواب في تاريخ البرلمان المصري، وبالتالي «لا بد من ظهور النائب على الساحة الإعلامية، فوجدنا من النواب من يقول إن الطائرات الورقية خطر على الأمن القومي. ووسط هذا العدد من النواب من يريد الظهور الإعلامي وخلق حالة من الجدل في المجتمع تظهر مثل هذه الأمور. الدليل على ذلك منع رئيس مجلس النواب الدكتور علي عبد العال بث جلسات مناقشات البرلمان على شاشات الفضائيات، ووصل الأمر ببعض نواب هذا المجلس إلى المطالبة بوقف بث مواقع على شبكات الإنترنت».
وأكد صادق أن ظاهرة الطائرات الورقية ظهرت مع غلق المدارس والنوادي والحدائق العامة وغيرها من وسائل الترفية أمام الشباب بسبب تفشي وباء كوفيد-19 والإجراءات الاحترازية التي فرضتها، والسبب في ظهور الجدل حول الظاهرة سواء من اعتبرها خطر على الأمن القومي أو من عللها بالحريات هو أن هناك فجوة بين جيل الشباب والأجيال الأكبر، بما يؤكد أن هناك حربا على الشباب ولم نسمع في أي دولة حدث ذلك  إلا ما حدث في فلسطين من طائرات البنزين لحرق بعض الأراضي بسبب الجفاف، والسبب في هذه الظاهرة معلوم وهو الحظر. وفي نفس الوقت لدى الشباب طاقة لا بد من إخراجها عن طريق مثل هذه الظاهرة تجد من يريد تعطيل خروج هذه الطاقة عن طريق تسييس الأمر، سواء في البرلمان أو استغلالها بشكل أو بآخر في أمور بعيدة كل البعد عما يقصده الشباب، «ووصل الأمر إلى أن أحد الأشخاص علل سبب خطورة الظاهرة بإمكانية وضع كاميرات لتصوير الفتيات... للأسف الشديد كل ما يحدث عبارة عن فرقعات إعلامية للظهور».
وكشف صادق عن أن أغلب القضايا التي أحدثت جدلا في المجتمع المصري من نواب البرلمان لم تنته إلى شيء، ولم تتم مناقشتها في البرلمان، ولم تدرج في جداول الأعمال رغم التغطية الإعلامية التي تمت في أغلب مثل هذه الاستجوابات لم يتم اتخاذ الإجراءات رغم ما تقدم في مثل هذه القضايا، ومن هنا يظهر دور الإعلام في الرقابة على مثل هذه الطالبات ومتابعة الإجراءات التي تتم، وكشفها للجمهور إن كانت حقيقية أم مجرد فرقعة إعلامية. 
 
ظاهرة عامة يصعب تحليلها
واعتبر الدكتور محمد شومان، عميد كلية الإعلام بالجامعة البريطانية أنه من الصعب تحليل الظاهرة إعلاميا، لكن من الممكن تحليلها كظاهرة عامة سواء من جعل طائرة الورق خطرا على الأمن العام أو من جعلها سببا لكبت الحريات، فهناك ظواهر يغلب عليها التفسير السياسي والإعلامي، بمعني أن بعض الأطراف تستخدم ذلك في التوظيف السياسي والمبالغة في تفسير عودة الطائرات الورقية، بينما الواقع من وجهة نظري هو تعبير عن الحبس في المنازل بسبب فيروس كورونا وهذا شيء جميل ومفيد من وجهة نظري التربوية والأسرية، والسبب في ذلك هو وقت الفراغ بعد منع الجامعات ووقف الدراسة بعيدا عن الألعاب الإلكترونية، فكونهم يجدون لعبة من الورق فهذه ظاهرة إيجابية ساعدت الشباب على التحرر من أسر التكنولوجيا والسوشيال ميديا، وتعيد مرة أخرى تقاليد وثقافة مصرية غابت من سنين.
وبحسب رأي شومان، فإن هذه الظاهرة، هي ظاهرة اجتماعية جعلت الآباء ينقلون خبراتهم في هذه الظاهرة إلى أبنائهم، ورغم أن هناك طائرات صينية حديثة إلا أن الغلبة كانت للطائرة الورقية، ومن يعلل خطورتها  بسبب التجسس نقول له: وماذا عن الأقمار الصناعية؟ فلا علم يؤكد ذلك ولا حتى يؤكد خطورتها على الأمن القومي، مؤكداً أنه من الصعب على الإعلام خلق قضية من العدم، لكن متابعة الظاهرة في وسائل الإعلام تؤكد أنه تمت تغطيتها بطريقة مهنية بعيدا عن المغالاة في نفس الوقت لم يتم التركيز على أنها بديل للحريات، ولا حتى خطورتها على الأمن القومي، وحدث تنبيه حول مخاطر الصعود إلى الأدوار العليا بعد حدوث عدة حوادث سقوط للبعض من الأدوار العليا. 
 
أحدث صيحات التجسس الرقمي
واعتبر ياسين غلاب الصحافي في شؤون التكنولوجيا أن التجسس لم يعد عملية مضنية ومكلفة، ولم تعد تحتاج لقدر كبير من الاستعداد كما كان الحال في الماضي؛ بل إن كثيرًا من تقنيات التجسس التي كنا منذ عدة سنوات قليلة نحسبها من الخيال باتت مثل السيف والرمح في الحروب القديمة، ولم يكن  تخوف البعض من الظاهرة  دربا من  الخيال أو مبالغة في التخوف  من أن الطائرات الورقية التي يلهو بها الأطفال هربا من جحيم الحجر الصحي الذي فرضته جائحة كورونا قد تستخدم في عمليات التجسس وبصورة خطيرة ما لم ننتيه لها... وقديما قال الفيلسوف أبو حيان التوحيدي: «الحكم على الشيء فرع عن تصوره»، فالتجسس الرقمي صار في كل شيء نستخدمه مما يفرض علينا سلوكاً مغايرًا لكل ما ألفناه، وبات علينا أن نتحسس الخطى في كل شيء نستخدمه، وأن نلفت كل انتباهنا لسلوك أطفالنا فيما يتعاملون به ومعه من أدوات رقمية؛ جميعها بلا استثناء تقريبا تستخدم أو قابلة للاستخدام في نواحي التجسس اللامحدودة.
وكشف غلاب عن أنه منذ أن طور استخدام مفهوم ما يسمى بإنترنت الأشياء ونحن في ميدان معركة.. كل أطرافها يتجسسون على بعضهم البعض أو يقاومون عمليات التجسس من بعضهم البعض؛ فالكمبيوتر أصبح من السهل التلاعب به من خلال البيانات الشخصية التي تطلبها كل البرامج التي نثبتها عليه، وتلك المواقع التي نستخدمها على الإنترنت وليس أشهرها مواقع التواصل الاجتماعي، والتليفون المحمول وسيلة تجسس متكاملة، فأي تطبيق أو برنامج يمكنه استخدام كاميراته لتصوير أي شيء حوله، وأصبحت التطبيقات الداخلية له المشغلة للرسائل النصية أو الكاميرا... إلخ تطلب البيانات الشخصية وليس تطبيقات شهيرة مثل «الواتساب»أو «الماسينجر»... إلخ؛ بل إن أي برنامج يتم تنزيله من على الإنترنت يجب أن نقرأ اتفاقية الاستخدام جيدًا، فكل هذه البرامج هدفها جمع البيانات الشخصية وحبذا لو كانت صوتا وصورة. 
وقال غلاب إن جميع الأجهزة المتصلة بالإنترنت مثل شاشات التلفزيون الحديثة والثلاجة... إلخ يمكن استخدامها في التجسس؛ وليس فقط الأجهزة الدقيقة المصنوعة خصيصا لإمكانية استخدامها في التجسس مثل ما يعرف بنظارة غوغل أو ساعة اليد الرقمية أو السوار الرقمي فكلها أشياء تزود بكاميرات دقيقة ذات أبعاد ومساحة رؤية واسعة ولكي نحاول أن نقرب الصورة أكثر فإن تقنية تصنيع الكاميرات أصبحت من أهم التقنيات التي يجري وراءها المطورون بل باتت تتربع على عرش التقنيات بلا منازع، وكما صممت لخدمة الإنسان ومساعدته على توثيق لحظات جميلة في حياته؛ تستخدم بكل قسوة في التجسس على أدق أسرار حياته وتعددت أشكال الكاميرات، فمنها ما هو على شكل ذاكرة يو إس بي، أو على شكل جل استحمام يوضع في قاعدته ويصور كل أنحاء الجسم دون أن يؤثر عليها الماء ودون أن يلاحظها من يستحم، وكذلك قد تكون على شكل محول تيار لاسلكي، إذ توضع الكاميرا بين طرفي السالب والموجب ومن هذا النوع ما هو مزود بتقنية الاتصال بشبكة الواي فاي حيث تنقل كل ما يدور حولها في بث مباشر.
 
شاحن الهاتف الذكي 
وأضاف غلاب أن هناك أيضا أنواعا أخرى يمكن زراعتها في علب المناديل الورقية، بحيث لا تثير أي نوع من الشكوك، وتزرع ولا يبدو على علبة المناديل الورقية أن بها ثقبا للكاميرا. بالإضافة إلى أن هناك الكاميرات التي تلصق أو تكون مزروعة في جسم كاشف الدخان الذي يوجد بالمؤسسات الكبيرة أو الفنادق وهي تصور كل شيء داخل الغرفة كونها تكون في سقفها فإذا كان كاشف الدخان لا يعمل، فتوقع أن مكانه كاميرا تجسس ومن بين الكاميرات الغريبة التي لا يتوقع الإنسان العادي رؤيتها تلك الكاميرا المزروعة في شاحن الهاتف الذكي إذ لا يمكن تمييزها بالعين المجردة، ويعتقد الإنسان أنها تبعث ضوءًا ليبين أن الشاحن قيد الاتصال بالكهرباء؛ كما أن من بينها تلك المزروعة في الأحذية الرياضية، لذا فإن تركيب كاميرات دقيقة أو مستشعرات على الطائرات الورقية أمر سهل للغاية ويستطيع أي شخص أن يفعله، فما عليه إلا أن يقف على سطح عال أو في مكان مناسب وإطلاق طائرته الورقية التي تشبه طائرات الدرونز وتصور كل ما يجري تحتها بهدوء ومن على بعد لكي يمكن لصاحبها الفرار متى أحس بالخطر.. فإذا رأيت طائرة ورقية في مكان غير ملائم أو ذات أطوال مختلفة نسبيا فاستشعر الخطر.