مشاكل لبنان التعليمية

بين أزمة كورونا... والحرمان المالي

 

* بذل المعلمون الوقت والجهد لتحضير الدروس وشرحها عن بُعد ليحضرها طالب واحد أو اثنان

* يتصل الأهل بالمدارس ويطلبون منهم حجز مقاعد لأولادهم للعام المقبل ويؤكدون أنهم غير قادرين في الوقت الراهن على دفع رسوم التسجيل. ولهذا السبب ينتقل عدد كبير من الطلاب من المدارس الخاصة إلى المدارس الرسمية

* أثبت التعليم عن بعد عدم فعاليته وسط هذه الفوضى. فنظرًا للوضع المالي الراهن، لم تكن جميع العائلات قادرة على تحمل رسوم خدمة الإنترنت التي تعد في لبنان من بين الأغلى في العالم

 

بيروت: يتدهور الوضع في لبنان منذ سنواتٍ عديدة. ولا شك أن قطاع التعليم، من بين العديد من القطاعات الأخرى، قد تلقى ضربةً قاسية مؤخرًا بسبب الظروف المالية والاقتصادية الحالية التي تلوح في الأفق بالإضافة إلى جائحة فيروس كورونا المستجد.

وليس سرًا أن قطاع التعليم ينهار منذ عدة سنوات. فقد أغلقت العديد من المدارس الخاصة أبوابها بسبب نقص الأموال، وفقد في المقابل الآلاف من المعلمين وظائفهم وما زالوا ينتظرون رواتب أشهر كثيرة لم يحصّلوها من أصحاب العمل السابقين الذين وعدوهم باستلامها «بمجرد تحسن الأزمة الاقتصادية».

تكمن المشكلة الحقيقية والأساسية في لجوء الأهل إلى تسجيل أولادهم في المدارس الخاصة بدلاً من المدارس الرسمية ليتمكنوا من الحصول على مستوى تعليمٍ جيد مقابل رسوم عالية جدّا تطلبها تلك المدارس. وفقد الأهل ثقتهم في معظم المدارس الرسمية بسبب ازدحام الفصول الدراسية والإهمال وعدم قيام وزارة التعليم بأي محاولة لتحسين ظروف التعلم فيها من خلال توفير المزيد من الموارد مثل مواقع على الإنترنت تتيح للأهل متابعة تعليم أولادهم واللوحات الذكية وهكذا.

الجدير بالذكر أن نظام التعليم اللبناني عفى عليه الزمن وبحاجة ماسة للإصلاح، إذ إنه ما زال يعتمد على طرق التدريس القديمة. وليس لدى الفصول الدراسية في معظم المدارس اتصال بالإنترنت ولا طرق تفاعلية للتدريس والتعلّم.




 عمال لبنانيون يرشون مطهرًا في فصول دراسية وقاعات مدرسة في بلدة الرميلة الساحلية، على بعد 35 كم جنوب العاصمة بيروت، يوم 2 مارس 2020، في محاولة لمنع تفشي فيروس كورونا المستجد في لبنان.

المعاناة في المدارس الرسمية

تحدثت «المجلة» مع أستاذة في إحدى المدارس الثانوية الرسمية اللبنانية والتي تناولت العديد من القضايا المهمة التي تواجهها معظم المدارس الرسمية. وأوضحت أنه رغم الوضع الاقتصادي الذي يعيشه لبنان إلّا أن العام الدراسي بدأ بشكلٍ جيد، ولكن تغير الوضع بعد ثورة 17 أكتوبر (تشرين الأول). فقد تم إغلاق المدرسة لمدة شهر تقريبًا، وعندما استؤنف العام الدراسي تصرف الطلاب بتمرد وعدم مسؤولية. لقد رفضوا الحضور بحجة أن الأساتذة لا يأخذون بعين الاعتبار وضع البلد ويعطونهم الكثير من الدروس والواجبات التي لا يسمح لهم مزاجهم بالقيام بها. وعندما عاد التلامذة ليتأقلموا مع الواقع ويقللوا من تمردهم بدأت أزمة جائحة فيروس كورونا وعندها ساء الوضع: ولجأت وزارة التربية والتعليم إلى التدريس عن بعد وكانت ترسل كل فترة برنامجًا تعليميًا جديدًا ليستخدمه الأساتذة. واحتج الأهل بسبب ارتفاع أسعار تكلفة الإنترنت التي لا يستطيعون تحملها وانقطاع الكهرباء شبه الدائم. ووصل الأمر إلى بذل المعلمين الوقت والجهد لتحضير الدروس وشرحها عن بعد ليحضرها طالب واحد أو اثنان.

والمحبط أكثر إصدار وزير التربية والتعليم تصريحات عقدت الأمور أكثر بدل حلّها. على سبيل المثال، أعلن ذات مرة أن التعلم عن بعد ليس إلزاميًا ولن يتم احتسابه ضمن المنهاج الدراسي للعام الحالي، مما قلل عزيمة الطلاب أكثر، ولكنه أصر أيضًا على أن يرسل المعلمون ما يتم تدريسه أسبوعيًا إلى الوزارة. وبالتالي، لم تدفع المدارس للمعلمين بدوامٍ جزئي بسبب توقف التلاميذ عن الحضور. ويتم دفع أجور هؤلاء المعلمين كل فصل دراسي في العادة، ولكنهم لم يتلقوا أي راتب حتى الآن.

بعدها جاءت معضلة إلغاء الامتحانات الرسمية وإنهاء العام الدراسي، إذ لم تستطع الوزارة تحديد كيفية نقل الطلاب إلى الصفوف التالية.

أولاً، تم اقتراح نقل الطلاب إلى العام الدراسي المقبل دون أي شروط. ثم اقترحت نقلهم بناءً على درجاتهم خلال الفصل الدراسي الأول، ولحقها اقتراح نقل الطلاب بناءً على درجات الفصل الدراسي الأول بالإضافة إلى 20 في المائة من حضورهم الصفوف عن بعد. وطرح هذا الوضع المحير سؤالا مهمًا: كيف يمكن إدراج حضور الصفوف عن بعد لتحديد درجات الطلاب إذا كان الوزير نفسه قد أعلن مسبقًا أن حضورهم ليس إلزاميا؟

ومنطقيًا، يجب نقل جميع الطلاب إلى الفصل التالي وإلغاء الامتحانات الرسمية بسبب هذه الجائحة، وهذا ما حدث بالضبط. فقد تم نقل جميع الطلاب وأوقفت المدارس الرسمية التعليم عن بعد في 13 يونيو (حزيران)، وأنهت العام الدراسي في 25 يونيو، وتركت الوزارة المدارس الخاصة تقرر متى تنهي العام الدراسي.

ولكن يتساءل البعض: «هل من العدل نقل جميع الطلاب والمساواة بين الذين كانت درجاتهم  فوق المعدل بقليل والمتفوقين؟ وهل كانت استجابة وزارة التربية والتعليم فعالة وكافية؟ وهل كان يجب عليها التصرف بشكلٍ مختلف؟».

 

الضغط على المدارس الرسمية

أعلنت وزارة التربية والتعليم قبل بضعة أيام أنه يتعين على جميع الطلاب التسجيل للعام الدراسي المقبل 2020-2021  في الفترة بين 16 و30 يونيو. وتكمن المشكلة في الصعوبات المالية التي يواجهها الأهل وعدم استطاعتهم دفع أي رسوم، فهم يتصلون بالمدارس ويطلبون منهم حجز مقاعد لأولادهم للعام المقبل ويؤكدون أنهم غير قادرين في الوقت الراهن على دفع رسوم التسجيل. ولهذا السبب ينتقل عدد كبير من الطلاب من المدارس الخاصة إلى المدارس الرسمية. فهل تستطيع المدارس الرسمية تحمل كل هذا الضغط؟

وإذا تم تطبيق إجراء التباعد الاجتماعي خلال العام الدراسي المقبل، فهذا يعني أن كل فصل لن يتعدى 15 طالبا. ويعني ارتفاع الطلب الحالي على التسجيل في المدارس الحكومية أنه قد تضطر هذه المدارس إلى فتح فصول صباحية ومسائية لاستيعاب جميع الطلاب، الأمر الذي يتطلب مضاعفة عدد الأساتذة والموظفين وبالتالي زيادة الضغط على الحكومة اللبنانية.

 

التعليم عن بُعد كذبة كبرى

أثبت التعليم عن بعد عدم فعاليته وسط هذه الفوضى. فنظرًا للوضع المالي الراهن، لم تكن جميع العائلات قادرة على تحمل رسوم خدمة الإنترنت التي تعد في لبنان من بين أغلى الأسعار في العالم. بالإضافة إلى ذلك، لا تستطيع كل أسرة شراء جهاز كمبيوتر أو حاسوب محمول. ويجب الأخذ بعين الاعتبار انقطاع التيار الكهربائي لفترة طويلة من اليوم وهو أمر يشتهر به لبنان.

وبالتأكيد لم يتم تدريب معظم الأساتذة على أساليب التعليم عن بعد ولم يحصلوا على أي مساعدة أو توجيه من وزارة التربية والتعليم التي تركتهم يخوضون هذه المعركة وحدهم. وأثبت التعليم عن بعد أنه غير موثوق به أيضًا، إذ صحح أحد الأساتذة 20 اختبارًا منسوخًا. ولجأ بعض الطلاب الآخرين إلى الغش خلال الامتحان أو الواجب المدرسي عن طريق طلب المساعدة من أحد أفراد العائلة لكتابة إجابات صحيحة.




 وزير التربية والتعليم طارق المجذوب يصل لحضور الجلسة الافتتاحية لمجلس الوزراء في القصر الرئاسي في بعبدا شرق العاصمة بيروت، يوم 22 يناير 2020 (غيتي)

هل كان أداء المدارس الخاصة أفضل؟

 

لجأت بعض المدارس الخاصة إلى التدريس عن بعد بينما ارتأت مدارس أخرى أنه يكفي تحميل مقاطع فيديو يشرح فيها الأساتذة الدروس ليشاهدها الطلاب. ولكن لم ترض هذه الطرق الأهل الذين لم يجدوها كافية مقابل المبالغ التي كانوا يدفعونها. وعلى الرغم من تعاون بعض الأهالي مع المدارس لإنجاح هذه الطرق التعليمية، إلا أنهم فقدوا اهتمامهم مع مرور الوقت.

وعلى الرغم من أن الأساتذة عملوا بجد لتحقيق أقصى استفادة من هذا الوضع المحبط من مواردهم المتاحة، إلا أنهم لم يتلقوا سوى القليل من المساعدة من مدرستهم أو من وزارة التعليم. وعلاوةً على ذلك، دفعت بعض المدارس نصف رواتب الأساتذة فقط (وليس أول الشهر كالمعتاد) بينما لم يتلق البعض الآخر رواتبهم منذ بداية هذه الأزمة المستمرة. وعندما يتواصلون مع الإدارة لمعرفة ما إذا كانت ستدفع لهم أي مبلغ من راتبهم، كان الرد الوحيد أنها تنتظر الأهل لدفع رسوم العام الدراسي الحالي ورسوم التسجيل للعام الدراسي المقبل. وهذا يعني أنه لن يتم حل مشاكل المعلمين المالية قريبًا.

وتحدثت «المجلة» أيضًا مع مديرة مدرسة خاصة سلطت الضوء على الوضع الراهن وقالت إن الأزمة بدأت مع تزايد عدد حالات الإصابة بفيروس كورونا في لبنان واتخاذ الوزير قرار إغلاق المدارس. ولجأت المدرسة إلى التعليم عن بعد عن طريق إرسال مقاطع فيديو تعليمية للطلاب لأنها لا تستخدم الكتب في مناهجها الدراسية في الأساس بل الموارد الأخرى ومجموعات الأدوات. وأضافت أنه في البداية  كان جميع أولياء أمور الطلاب تقريبًا متعاونين جدًا ويتابعون مع الأساتذة من خلال مكالمات الفيديو عبر تطبيق «واتساب» ولكن أحبط تفاقم الأزمة الاقتصادية في لبنان من عزيمة الأهل. وفي النتيجة، بقي نصفهم فقط متفاعلين. وأردفت قائلةً إن التعلم عن بعد قد يكون فعالاً إلى حدٍ ما في الصفوف العليا ولكنه ليس فعالاً للأطفال بسبب نقص التفاعل والتواصل. ومع ذلك، ليس من المفيد تمامًا اتباع مبدأ التعلم عن بعد كطريقة تدريس دائمة في المستقبل.

ومما أثر سلبًا على عملية التعليم عن بعد عدم تدريب الأساتذة بالكامل على الرغم من تزويدهم بالموارد الكافية والمطبوعات. واستطاعوا تقديم دروس إلكترونية تفاعلية، ولكنهم لم يتمكنوا من تقديم منهج كامل عبر الإنترنت. ومما زاد الطين بلة، أن المدرسة- مثل معظم المدارس في لبنان- لم تتلق أي مساعدة من وزارة التربية والتعليم. وتأثرت بالتالي سلبًا وزادت أعباؤها مع تزايد النفقات التي صاحبت الوضع المؤسف. وقالت إن المدرسة تحملت أعباءً مالية منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، مع استمرار الاحتجاجات وتدهور الوضع الاقتصادي. ثم، فاقمت الجائحة الوضع لأنها أجبرت المدارس على الإغلاق، وتوقف بعض الأهل عن دفع رسوم أولادهم، بينما طالب آخرون باسترداد ما دفعوه بالفعل. وفي النتيجة، لم تمتلك المدرسة أموالًا كافية لدفع رواتب موظفيها. وحاولت إدارة المدرسة حل المشكلة من خلال منح الأهالي خصمًا بنسبة 30 في المائة، ومع ذلك، لا يزال الوضع المالي غير مستقر في ظل انتظار الأهل ليدفعوا ما يترتب عليهم من أقساط، خاصةً مع التقلب اليومي في سعر صرف العملة المحلية.

ولكن بالنظر إلى الجانب المشرق، فإن المدرسة مستعدة للعام الدراسي 2020-2021 بغض النظر عن الصعوبات الشديدة التي قد تواجهها. وسيتم تطبيق إجراء التباعد الجسدي وليس الاجتماعي على الطلاب. ولكن نخشى أن تؤثر الأسعار المرتفعة جدّا في لبنان على المعايير المعتادة للمدرسة من ناحية توفير الموارد اللازمة.

وفي الختام، من الضحية الحقيقية؟ هل هم الأساتذة الذين يعملون بجهد ويقدمون كل وقتهم في إعطاء دروس عن بعد بموارد محدودة ودون تدريب مسبق ودون دخل على الإطلاق؟ أم التلاميذ الذين فقدوا بطريقةٍ ما عامًا دراسيًا كاملًا أثناء محاولتهم التكيف مع أسلوب التدريس الجديد غير الفعال؟ أم أن الأهل هم الضحايا لاضطرارهم إلى دفع رسوم دراسية لخدمة لم يتم تسليمها بالكامل، وكذلك دفع ثمن الأجهزة الإلكترونية والإنترنت التي بالكاد استطاعوا تحمل تكاليفها؟ ماذا عن مديري المدارس؟ هل سيكونون قادرين على الدفع لأساتذتهم مقابل وظيفة يزعمون أنها لم تتم بشكل فعال؟

لا شك أن العام الدراسي المقبل يحمل الكثير من عدم اليقين والغموض. ولهذا السبب، من المنطقي أن نسأل متى ستتقدم وزارة التعليم وتكشف عن خطة معقولة ومدروسة بشكل جيد تظهر أي تقدّم؟