سوريا: 15 عاماً من المطالبات بتغيير سلوك النظام

قد لا يرغب العالم بتغيير النظام السوري، ليس حبا فيه، ولكن لأنهم يعرفون أنه وحده القادر على التحكم في كثير من المجموعات الإرهابية التي صنعها أو تمكن من اختراقها عبر السنين

أيام قليلة تفصلنا عن جلسة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، للنطق بالحكمفي قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري.
15عاما مضت على اغتياله بتفجير موكبه بأكثر من1000 كيلوغرام من مادة (TNT)، اتهم حينها نظام بشار الأسد بالوقوف وراء الاغتيال، لتوجه لاحقا وبعد التحقيقات أصابع الاتهام إلى حزب الله.
استمرت الاغتيالات في لبنان، حتى بات كل معارض أو منتقد لسياسة النظام السوري أو لسياسات حزب الله عرضة للتصفية الجسدية، ولم يتوقف مسلسل الاغتيالات والتفجيرات نسبيا إلا بعد أن توقف الضغط السياسي على نظام الأسد، وفتحت فرنسا ساركوزي باب التطبيع معه.
بعد أشهر من اغتيال الرئيس الحريري، بدأت الأصوات تصدر من واشنطن لتؤكد أن المطلوب هو تغيير سلوك النظام لا تغيير النظام نفسه.
بعد 15 عاما على جريمة الاغتيال، وبعد 9 سنوات على جريمة القتل المستمر في سوريا على يد نفس النظام بحق السوريين، لا نزال نسمع مطالبات بتغيير سلوك النظام. 
في اجتماع عقد في العام 2005 بين مسؤول أميركي كبير و قادة منظمات يهودية أميركية، ‏نقل صحافي بجريدة «الأهرام»المصرية يومها عن المسؤول الأميركي أن سبب عدم الإقدام على التخلص من النظام السوري والمطالبة بذلك علنا‏ أن «المؤشرات الخاصة بعملية اغتيال الحريري خلقت آلية ديناميكية جديدة ومؤثرة من أجل الضغط على النظام السوري لتغيير سلوكه،‏ وهذه الآلية سوف تتواصل وتتصاعد مع اقتراب التحقيق من نهايته، وإذا أدت هذه الآلية مع الوقت إلى تغيير النظام السوري‏، فهذا سيكون أمرا جيدا، ولكن لايمكننا أن نعلن حتى الآن أن ذلك‏(إسقاط النظام‏)‏ هو هدفنا الرسمي،بل يجب الضغط على النظام بقسوة لتغيير سلوكه، وأنا على ثقة من أنه بإمكاننا أن نبلغ الأسد رسالة واضحة عبر الوسائل الدبلوماسية أننا لن نقبل باستمرار قيامه بإرسال المقاتلين إلى العراق عبر حدوده أو بالتدخل في الشأن اللبناني، ودعم المنظمات الفلسطينية الإرهابية.تركيزنا الأساسي الآن هو على تغيير سلوك سوريا بغض النظر عمن يحكم سوريا».
أكثر من 15 عاما مرت على هذا الكلام، وتغيرت ثلاث إدارات أميركية، ولا يزال الكلام الأميركي الرسمي هو نفسه، المطلوب تغيير سوك نظام الأسد لا تغيير الأسد.
‏وإن كان البعض يرى أن التصريحات الأميركية عن تغيير سلوك النظام لا تدل بشكل قطعي على الموقف الأميركي بقدر ما هي التزام بالقانون الدولي والأعراف بين الدول، ولا يمكن لأي دولة أيا كانت أهميتها أن تعلن عن رغبتها في تغيير النظام في دولة أخرى.
اللافت في الأمر أن نظام الأسد، والذي ذكرنا سابقا جزءا من العمليات الإرهابية التي وقف وراءها منذ وصول بشار إلى الحكم بعد وفاة أبيه، لطالما كان ماهرا باللعب على موضوع دعم الإرهاب ومحاربته في آن، ومن أقدر على ضبط الإرهابيين ممن صنعهم.
في لقاء عقده مسؤول لبناني مع الرئيس الفرنسي آنذاك نيكولا ساركوزي في العاصمة الفرنسية باريس، حاول ساركوزي إقناع المسؤول اللبناني بضرورة وقف الحملات ضد النظام السوري وإعادة التطبيع معه.وفي معرض محاولاته ذكر ساركوزي أن الاستخبارات السورية ساعدتهم أكثر من مرة على كشف خلايا إرهابية في فرنسا قبل تنفيذهم لعمليات إرهابية، فما كان من المسؤول اللبناني إلا أن ضحك وأجابه: «بالتأكيد إن كانوا هم من يرسلون الإرهابيين فهم أيضا قادرون على كشفهم».
عشرون عاما والأسد يرسل الإرهابيين إلى العراق ولبنان، ويقتل السوريين، وكلما علت الأصوات الداعية لمحاسبته زاد منسوب الجرائم التي يرتكبها، وكلما ظهر له ساركوزي ما، من مكان ما، وأعاد تأهيله، تراه يأخذ استراحة المحارب من لعبته الخبيثة، فتتوقف فجأة الاغتيالات والتفجيرات ولكن لمدة محددة فقط، فهو لا يعرف لغة أخرى غير القتل والتفجير. 
قد لا يرغب العالم بتغيير النظام السوري، ليس حبا فيه، ولكن لأنهم يعرفون أنه وحده القادر على التحكم في كثير من المجموعات الإرهابية التي صنعها أو تمكن من اختراقها عبر السنين، ولكن هل يعقل وبخضم رفضنا للفوضى والإرهاب والإجرام أن يبقى العالم أسير ابتزاز نظام مجرم وإرهابي؟ في الواقع وأيا تكن التصريحات الأميركية، فإن فكرة تغيير سلوك النظام أمر غير قابل للتطبيق، ومع الأخذ بالاعتبار فشل المعارضة الذريع بطرح نفسها كبديل عن نظام الأسد، حيث ظنوا أن الحكم والإدارة يبدآن وينتهيان عند اللقاءات مع وفود ومسؤولين من الدول الصديقة، فإن سوريا دخلت حلقة مفرغة لن يستطيع أن يحكمها الأسد بعد كل الجرائم التي ارتكبها، ولا بوادر لأي حل يؤمن العدالة للسوريين ويضمن أن «البعبع»الذي رباه الأسد لن يهرب من القفص دون القدرة على التحكم به.