تركيا تقضم العراق

خارطة الأطماع التركية... بين منطقة الموت والمنطقة الآمنة

* الأتراك يقولون إن عملياتهم بالاتفاق مع بغداد، فيما لم تكشف بغداد حتى اليوم عن أي اتفاقية أمنية تم توقيعها مع تركيا

* يتكرر مع كل عملية جديدة تعلن عنها تركيا في العراق جدلية مشروعية العمليات التركية وحقيقة سريان اتفاقها الموقع مع صدام حسين في هذا الشأن، واتفاقية أخرى جرى الحديث عنها عام 2007 زمن حكومة نوري المالكي

* هل عدم قدرة الحكومات العراقية المتتالية على التصدي لحزب العمال الكردستاني، يعطي المشروعية للجيش التركي باجتياح العراق؟

* صوّت برلمان إقليم كردستان في 12 مايو 2003 على قرار إخراج القوات التركية من مناطق إقليم كردستان

* في 2016 صوّت البرلمان العراقي، على قرار يدين وجود القوات التركية على الأراضي العراقية واعتبرها قوة احتلال

* في مايو 1983، أطلقت تركيا أول عملية عسكرية خارج حدودها بالاتفاق مع الحكومة العراقية وشارك فيها آلاف الجنود الأتراك

* عدد القواعد التركية المعلنة أو الدائمة داخل إقليم كردستان أكثر من 20 قاعدة، وأكبر القواعد هي قاعدة بامرني شمال مدينة دهوك، وهي قاعدة عسكرية لوجيستية وفيها مطار

* القوات التركية تخترق الحدود العراقية بواقع 400 كم، في منطقة لا وجود فيها لعناصر حزب العمال الكردستاني إطلاقاً، ولكنها منطقة استراتيجية مهمة وتسيطر من خلالها تركيا على محافظتي نينوى وأربيل

* أعداد القوات التركية الموجودة في العراق تعتبر من أكبر القوات الأجنبية في البلاد، والتي يصل عددها لحوالي 10 آلاف مقاتل، وساهمت في عمليات قتل وقصف وتهجير لمئات المواطنين من مناطقهم

* حققت إيران مكاسب كبيرة في اتفاقية الجزائر عام 1975 في الحصول على أراض ومياه عراقية لقاء خنق الحركة الكردية في كردستان العراق

 

أربيل:

أتمنى أن أهديها ساقاً...

«أي نوع من المدنيين تتجنب الطائرات والمدافع التركية قصفهم بصواريخها وقنابلها، وكيف لي أن أتوقع وقوع صاروخ على رؤوسنا في منطقة سياحية يقصدها آلاف السياح، المنطق أنها أبعد ما تكون يوما ما عن أن تكون هدفا عسكريا... لا قواعد عسكرية ولا حتى مقرات حزبية، لا مسلحين ولا مقاتلين»، يصمت برهة ويستدرك قائلا: «ماذا سيعوض زوجتي عن ساقها؟ وأنا عاجز عن تحقيق ذلك».

كيوان كاوا (30 عاما) مالك المتجر، الذي كان هدفا عشوائيا لغارة جوية تركية الشهر الماضي، استهدفت متجره الصغير في قرية كونا ماسي، التقته «المجلة» في السليمانية التي لجأ إليها لعلاج عائلته المكونة من زوجته باتمان وطفليه، من آثار شظايا الصاروخ العابر للأخلاق العسكرية وأخلاق الحرب كما يصفه كيوان.

ويحكي كيوان لـ«لمجلة» اللحظات الأولى التي قلبت حياته رأسا على عقب، قائلا: «في 25 يونيو (حزيران)، قرابة الساعة 5:40 عصرا، ذهبت إلى المتجر حيث زوجتي وطفلي كانا قد سبقاني إلى هناك، كان هناك رجل يريد شراء البيض، هممت لإعطائه طبق البيض، وبينما كان يساعدني في لف الطبق بشريط لاصق، رفة جفن فصل صوت ضجيج كبير، وأمطار من الحجارة وقطع معدنية، ليتحول المكان إلى كتلة لهب، أنا وزوجتي وطفلي سقطنا أرضا، أما الرجل فقد تطاير جزءه العلوي... الحريق اندلع في كل مكان، ثم خرجنا من المحل بمساعدة الأهالي».

ويكمل: «عندما تم إخراجنا من بين الحطام واللهيب، كانت زوجتي قد فقدت إحدى ساقيها، والأخرى احترقت بالكامل... لا أنسى صوت بكاء طفليّ وهلعهما، شعرت أن قفصي الصدري يتهشم»، متابعا: «المنظر في الخارج لم يكن مختلفا كثيرا... القصف استهدف أيضا سيارة علمت لاحقا أنها السيارة التي كانت تقل ذلك الرجل، وكان هناك أيضا أناس آخرون قريبون من المتجر أصيبوا في الغارة إذ إن كونا ماسي يأتيها كثير من العائلات فهي منطقة سياحية تبعد عن مدينة السليمانية فقط 30 كم، وفي ذلك اليوم كان هناك العشرات من العائلات افترشت جانبي النهر، ولولا سقوط إحدى القذائف على المتجر لكنا أمام مجزرة ضحاياها بالعشرات».

وعن الشظايا التي استقرت في ذاكرة عائلة كيوان قبل أجسادهم يقول إن «عدة شظايا لا زالت موجودة في صدري، أما ابني فلديه كسور في الرأس وشظية قريبة من الدماغ، وإذا بقيت هذه الشظية في الرأس فستزداد حالته سوءًا، وقد يصاب بالشلل، ويقول الأطباء إن إزالة الشظية ستمثل خطرا كبيرا على الصبي، أما حالة زوجتي فقد بترت ساقها بالإضافة إلى كسور أخرى في الجسم، وخضعت مؤخرا لعدة عمليات لساقها الأخرى، أما ابنتي فقد تمزقت طبلة الأذن لديها، مما يسبب لها حالة عصبية دائمة».

كيوان وزوجته كانا قد فتحا متجرهما قبل الغارة بشهر واحد فقط، والآن لا يمكنه العودة، يقول: «لا أستطيع طلب ذلك من عائلتي سيظل الخوف في قلبهم دائما.. لن تعود الأمور لسابق عهدها أبدا».

ويستدرك قائلا: «لكنني لست الضحية الأخيرة، ولم أكن وعائلتي أول ضحايا الغارات التركية على إقليم كردستان، متسائلا: «إلى متى سيظل الناس ضحايا لهذه الهجمات».

وكان مصيف كونا ماسي الواقع في منطقة شارباجير بمحافظة السليمانية، قد تعرض لهجوم جوي تركي يوم 25 يونيو (حزيران)، والذي أسفر عن إصابة 8 أشخاص مدنيين، بينهم أطفال ونساء، فيما أعلن حزب الحياة الحرة الكردستاني (بيجاك) عن مقتل أحد أعضائه وإصابة 3 آخرين في ذلك الهجوم.




باتمان زوجة كيوان كاوا

الغارة التركية كانت تستهدف عناصر حزب معارض لنظام الملالي الإيراني، الذين توقفوا أمام متجر كيوان لشراء بيض، والرجل الذي شاهده كيوان ولقي حتفه كان أحد المقاتلين، الذي تمزق جسده بحسب كيوان.

لا يخفي كيوان حزنه على مقتل الرجل، ويقول كان الرجل يرتدي ملابس مدنية، علمت لاحقا أنه من أهالي مدينة بوكان في شرق كردستان (كردستان إيران)،  يقول: «كلنا كرد».

ولدى سؤالنا بماذا تفكر الآن؟ لم يتردد كيوان في الإجابة قائلا: «أريد أن أهدي زوجتي ساقا».

كيوان هو ضحية جديدة في عملية جديدة للجيش التركي داخل العمق العراقي، ليضاف إلى آلاف الضحايا ولتضاف العملية إلى عشرات العمليات المشابهة.

فجر يوم 17 يونيو، أعلنت وزارة الدفاع التركية، انطلاق عملية عسكرية جديدة في منطقة هفتانين، إقليم كردستان العراق، بزعم مطاردة عناصر من حزب العمال الكردستاني.

جاء ذلك بحسب تغريدة نشرتها الوزارة التركية، على حسابها الرسمي بموقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، لتكون ثاني عملية من نوعها ضد حزب العمال الكردستاني خلال أيام قليلة.

وقالت الوزارة في تغريدتها: «لقد انطلقت عملية (المخلب- النمر)، فعناصر وحدات الكوماندوز موجودون حاليًا في منطقة هفتانين».

 

وجود خارج القانون

ومثل ما سبقها من العمليات انهالت الاستنكارات العراقية مع وقوع أول الضحايا نتيجة الغارات والتوغل الجديد، ومجددا وصفتها خرقا للسيادة، واستدعي السفير التركي في بغداد مرتين وتسلم مذكرتي احتجاج، وتوالت التصريحات من قيادات حزبية وأعضاء برلمان مع توالي الغارات، ومجددا هجر الأهالي القرى، ووقع ضحايا مدنيون وقصف مخيم للمدنيين ومنتجع سياحي وأراض زراعية وتعرضت ممتلكات المواطنين لخسائر مادية، أما السفير التركي لدى العراق فاكتفى بالقول إن العملية ستستمر.

الأتراك يعتبرون أن عملياتهم هي بالاتفاق مع بغداد، فيما بغداد لم تكشف لحد اليوم عن أي اتفاقية أمنية تم توقيعها مع تركيا، ليتكرر مع كل عملية جديدة تعلن عنها تركيا جدلية مشروعية العمليات التركية وحقيقة سريان اتفاقها الموقع مع صدام حسين في هذا الشأن، واتفاقية أخرى جرى الحديث عنها عام 2007 زمن حكومة نوري المالكي، هل من حق تركيا التمسك بتلك الاتفاقية والتي لم تقم أي من الحكومات العراقية المتعاقبة بعد عام 2003 بإلغائها أو تعديل بنودها؟! وهل عدم قدرة الحكومات العراقية المتتالية التصدي لحزب العمال الكردستاني، يعطي المشروعية للجيش التركي باجتياح العراق؟

في حوار لـ«المجلة» مع الخبير القانوني طارق حرب أجاب على تساؤلاتنا التي تتعلق بالجانب القانوني للتوغل التركي، ووجود العمال الكردستاني في العراق.

يؤكد حرب على أن الاجتياح التركي لمناطق إقليم كردستان، شمالي العراق غير قانوني ولكن وجود قوات العمال الكردستاني غير قانوني أيضا، وبكل الأحوال هذا لا يعطي مبررا لتركيا بتوغل قواتها للعمق العراقي.

ويضيف: «كما أن الاتفاقية التي عقدت زمن النظام السابق لم تؤشر لدى الأمم المتحدة وأصلا الاتفاقية للملاحقة وليس التوغل»، موضحا: «إن اتفاق صدام حسين وتركيا بشأن دخول القوات التركية قد انتهى منذ نهاية الحرب العراقية الإيرانية سنة 1988 ولم يقم صدام بتجديده لأنه ضمن تأييد تركيا للعراق في حرب صدام مع إيران وبما أن الحرب قد انتهت فلم يجدد صدام هذا الاتفاق».

ويلفت الخبير القانوني إلى أن «صدام حاول إلغاء هذا الاتفاق فعليا، لكن بسبب إنشاء المنطقة المحمية في شمال العراق عجز عن إنهاء هذا الاتفاق واقعيا، كذلك فإن هذا الاتفاق بين صدام وتركيا لا يمكن أن يعتبر اتفاقية بالمعنى المحدد بموجب دستور 1970 الذي كان نافذا لحين سقوط صدام، ولا يمكن كذلك أن يعتبر اتفاقية بموجب قانون عقد المعاهدات السابق رقم (111) سنة 1979، كذلك لا يمكن أن يعتبر هذا الاتفاق اتفاقية بموجب قانون عقد المعاهدات الجديد رقم (35) لسنة 2015 لأنه اشترط في المادة (17) موافقة مجلس النواب بأغلبية الثلثين على عقد المعاهدات الأمنية والعسكرية ومعاهدات الحدود والمعاهدات التي تمس السيادة».

وينوه طارق حرب إلى أن «الاتفاق المبرم بين صدام وتركيا لا يعتبر اتفاقية بموجب القانون الدولي لأن هذا الاتفاق لم يتم ايداعه لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة طبقا لأحكام المادة (102) من ميثاق الأمم المتحدة، وطبيعي أن هذا الاتفاق يخالف الدستور الحالي، وبالتالي فإن دخول القوات التركية تحت ذريعة الاستشارة أو التدريب أو القتال يخالف أحكام القانون الدولي ويخالف أحكام الدساتير والقوانين العراقية بصرف النظر عن الهدف من انتهاك السيادة العراقية».

ويشير إلى أن «الحكومات العراقية لم تتول منذ سقوط صدام سنة 2003 لحد الآن تجديد هذا الاتفاق»، مضيفا أن «حكومة إقليم كردستان لا علاقة لها بهذا الموضوع لأن هذا الموضوع من المواضيع الأمنية وهو من اختصاص الحكومة الاتحادية في بغداد طبقا للمادة (110) من الدستور، كما أن قرار مجلس الأمن الدولي (2249) لم يعط للدول حق انتهاك سيادة واستقلال الدول الأخرى بحجة محاربة الإرهاب».

وحول الاتفاقية الأمنية في أغسطس (آب) 2007 التي وقعها وزير الداخلية الأسبق جواد البولاني خلال زيارة له إلى أنقرة، وهل يمكن البناء على اتفاقية سابقة بعقد اتفاقية جديدة، خاصة أن الجانب التركي كشف عنها والعراق لم ينفها، يجيب جازما: «كل الاتفاقيات من 2003 لحد اليوم ما لم يصدق عليها من مجلس النواب العراقي بقانون فلا قيمة لها، لأن الدستور العراقي يقول الاتفاقيات يجب أن تعتمد من قبل البرلمان بالتصويت عليها، ولم يحصل أن تسلم البرلمان العراقي مشروع أو مسودة اتفاقية من البولاني أوغيره»، مؤكدا أن «التوغل التركي خرق للسيادة العراقية ووجود العمال الكردستاني خرق للسيادة».

ويلفت في نفس الوقت إلى أن «البرلمان العراقي في حال اجتمع على قرار إخراج القوات التركية من العراق وحتى يكون هذا القرار ملزما للحكومة العراقية يجب أن يشرع كقانون حاله حال قانون الاتفاقية الاستراتيجية مع أميركا والتي صوت عليها مجلس النواب العراقي كمشروع قانون وليس كقرار».

وكان برلمان إقليم كردستان في 12 مايو 2003 قد صوت على قرار إخراج القوات التركية من مناطق إقليم كردستان.

وفي 2016 صوت البرلمان العراقي، على قرار يدين وجود القوات التركية على الأراضي العراقية واعتبرها قوة احتلال، داعيا الحكومة العراقية إلى اتخاذ الإجراءات للحفاظ على سيادة العراق ومفاتحة الأمم المتحدة ومجلس الأمن والجامعة العربية، من أجل إخراج القوات التركية من شمال العراق.

 



ضباط أتراك في قرية كردية في إقليم كردستان

بانوراما العمليات

في مايو (أيار) عام 1983، أطلقت تركيا أول عملية عسكرية خارج حدودها بالاتفاق مع الحكومة العراقية وشارك فيها آلاف الجنود الأتراك.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 1984، وأغسطس (آب) 1986، أطلقت حملتان عسكريتان، إلا أن كلتيهما لم تنجحا في القضاء على مقاتلي العمال الكردستاني.

وفي عام 1991 أطلقت حملة عسكرية رابعة تحت اسم «العصا» زادت من عدد مقارها العسكرية.

وفي عام 1992، شنت تركيا حملة عسكرية أخرى شارك فيها 15 ألف جندي واستخدمت فيها الدبابات والمدافع الثقيلة والطيران الحربي، إلا أنها لم تنجح، فانسحبت القوات بعد 20 يوما من إطلاق الحملة.

وفي أعوام 1993 و1994 و1995 أطلقت تركيا عدة حملات بمشاركة عشرات الآلاف من الجنود، وشارك في الأخيرة 30 ألف جندي بالتعاون مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، ودامت مدة 45 يوما للسيطرة على منطقة هفتانين، إلا أنها لم تنجح وانسحبت بعد شهر ونصف من الهجوم.

وحتى عام 1999 وصل عدد الحملات التي أطلقتها تركيا داخل إقليم كردستان للقضاء على مقاتلي حزب العمال الكردستاني إلى 24 حملة.

وفي أعوام 2000 و2007 و2008 أطلقت تركيا حملات عسكرية أخرى بتسميات مختلفة.

إذن من عملية الفولاذ (20 مارس – 4 مايو 1995)، إلى عملية المطرقة (12 مايو – 2 يوليو 1997) وعملية الفجر (25 سبتمبر – 15 أكتوبر 1997)، إلى عملية الشمس (21-29 فبراير 2008) وعملية المخلب 1 و2 و3 (28 مايو 2019 - 14 يونيو 2020)، دخلت آلاف مؤلفة من القوات التركية إلى الأراضي العراقية وأنشأت قواعد عسكرية واستخباراتية لها...

 

خارطة الوجود... القوات التركية أكبر قوة أجنبية في العراق

الباحث في الشأن الأمني هاوكار جاف يكشف لـ«المجلة» معلومات عن عدد القواعد العسكرية التركية في إقليم كردستان ونينوى، ويفيد بأن «عدد القواعد التركية المعلنة أو الدائمة داخل إقليم كردستان أكثر من 20 قاعدة، وأكبر القواعد هي قاعدة بامرني شمال مدينة دهوك، وهي قاعدة عسكرية لوجيستية وفيها مطار، إضافة إلى قواعد تركية مؤقتة وهؤلاء يدخلون بشكل يومي ويخرجون داخل حدود الإقليم، وتوجد قواعد استخباراتية».

 ويضيف جاف: «هناك قواعد أخرى في أطراف مدينة زاخو ومناطق هفتانين منها قواعد باطوفة وكاني ماسي وسنكي وقاعدة مجمع بيكوفا وقاعدة وادي زاخو، وقاعدة سيري العسكرية في شيلادزي وقواعد كويكي وقمريي برواري وكوخي سبي ودريي دواتيا وجيل سرزيري، إضافة إلى عدد من القواعد الاستخباراتية موجودة في تلك المناطق»..

ويشير إلى وجود «قاعدة خارج الإقليم، تحديدا في منطقة بعشيقة في ناحية زلكان، حيث إن القوات التركية توجد فوق جبل بعشيقة بسهل نينوى منذ أكثر من خمس سنوات، والقوات التركية الموجودة في قاعدة بعشيقة هم عناصر من الجيش والمخابرات التركية، وهم عبارة عن قوة مدرعة تصلهم الإمدادات العسكرية والغذائية عن طريق الطائرات التي تهبط داخل القاعدة التي تحتوي على مدرجٍ عسكري»، موضحا: «هذه القوات دخلت الموصل بمبرر الحرب على داعش ولم تطلق رصاصة على داعشي، ولحد الآن هذه القوات موجودة في بعشيقة ويقدر عددهم بحوالي 1000 جندي تركي مدججين بكافة أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة ورغم تحرير الموصل من داعش والطلبات المتكررة لإخلاء هذه القاعدة إلا أنهم لا يبالون بكل هذه الدعوات وما تزال القاعدة موجودة لحد اليوم في منطقة حيوية ومأهولة وتشكل خطرا على أمن واستقرار المنطقة».

 ويلفت إلى أن «القوات التركية تخترق الحدود العراقية بواقع 400 كم، في منطقة لا وجود فيها لعناصر حزب العمال الكردستاني إطلاقاً، ولكنها منطقة استراتيجية مهمة وتسيطر من خلالها تركيا على محافظتي نينوى وأربيل، كونها توجد على قمة جبلية مرتفعة تقع بين المحافظتين المذكورتين»، منوها إلى أن «أعداد القوات التركية الموجودة في العراق تعتبر من أكبر القوات الأجنبية في البلاد، والتي يصل عددها لحوالي 10 آلاف مقاتل، وساهمت بعمليات قتل وقصف وتهجير لمئات المواطنين من مناطقهم».

وكان بن علي يلدريم، رئيس الوزراء التركي السابق في مؤتمر صحافي ببغداد أعلن في يونيو 2018، عن وجود 11 قاعدة عسكرية، وقال يلدريم: «قمنا بإنشاء 11 قاعدة عسكرية وضاعفنا عدد جنودنا وقواتنا في تلك القواعد».

وتوجد القواعد التركية بعمق 40 كم داخل الإقليم، بحسب مصادر مطلعة في الإقليم وفيها قواعد كاملة للمخابرات وعناصر الأمن التركي، في مناطق شيلادزي والعمادية وبامرني وسنكي وسيري وكومري وسري زير وديانا وجومان القريبتين من جبال قنديل، ومناطق خنير وخاوكورك وكيلاشين كلها باتت مناطق شبه عسكرية هجرها غالبية أهاليها وغالبا ما يتجول الجنود الأتراك بين الأهالي مما يثير غضبهم. وفي مطلع عام 2019 خرجت مظاهرة في شيلادزي التابعة لمحافظة دهوك، وهاجم المحتجون قاعدة عسكرية تركية هناك وأطلق الجنود الأتراك النار على المحتجين مما أدى إلى وقوع عدد من الضحايا، إضافة إلى المحاولات الدؤوبة من قبل الاستخبارات التركية شراء الذمم في المناطق التي أنشأوا فيها مقراتهم والاختلاط المتعمد بالمناطق المأهولة في القرى القريبة من قواعدهم وبالتالي توسيع خارطة انتشارهم.

 




كيوان كاوا وطفلاه

خارطة المطامع

وبالفعل نشرت مديرية الاتصالات بالرئاسة التركية على حسابها على «تويتر» خريطة أظهرت خلالها «الوضع العام في العراق حتى 6 يونيو 2020، مما أثار انتقادات حادة في تركيا والعراق، حيث إن الخريطة تظهر وجود 37 موقعا عسكريا تركيا ضمن حدود شمال شرق إقليم كردستان العراق، وبعمق يصل في بعض المناطق إلى 40 كيلومترا داخل الأراضي العراقية، كما تظهر نشر تركيا وحدات عسكرية بالقرب من عاصمة الإقليم أربيل، وكذلك بالقرب من مدن زاخو ودهوك وبعشيقة.

في تركيا حذر رئيس لجنة سياسات الأمن الوطني بحزب الخير التركي، أيتون تشيراي، في تغريدة له على حسابه في «تويتر»، من خطورة هذا الإجراء، مشيرا إلى أن نشر رئاسة الاتصالات خريطة مقسمة للعراق، من شأنها أن تعطي شرعية لجهات رسمية في دول أخرى، لنشر خرائط مماثلة لتركيا ذاتها، مشددا على أن نشر خريطة مقسمة للعراق يتعارض مع موقف تركيا المعلن عن تمسكها بوحدة الأراضي العراقية.

أما في إقليم كردستان فيجري الحديث، عن نوايا تركية في إقامة شريط أو منطقة عازلة تقضم مناطقها الحدودية وتكون مشابهة للمنطقة الآمنة التي سعت لها تركيا على حدودها مع سوريا، وتزامن ذلك مع ما كشفته صحيفة «ملييت» التركية، بأن قوات بلادها، تخطط لإنشاء منطقة آمنة بعمق 40- 50 كيلومترا، تمتد داخل الحدود العراقية، بعد السيطرة على منطقة هفتانين.

المخطط التركي ليس بجديد؛ ففي أكتوبر 2016 كشف رئيس الوزراء التركى بن على يلدريم، عن مساعي تركيا لإقامة «منطقة آمنة» في العراق وذلك على غرار ما قامت به في الأراضي السورية المتاخمة للحدود التركية.

وأوضح رئيس الحكومة التركية أن المنطقة الآمنة داخل العراق تشبه نظيرتها فى سوريا، مؤكدا وجود رغبة مشتركة في هذا الصدد من حيث المبدأ مع الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، لأن الخطر مشترك بالنسبة للجانبين وهو حزب العمال الكردستاني، بحسب وكالة الأناضول التركية.

وفي يونيو 2018 كشفت تركيا مجددا أنها تعمل على إقامة خط (منطقة مسيطر عليها) بعمق 26 إلى 27 كيلومترا داخل الأراضي العراقية، بهدف «تجفيف منابع الإرهاب»، في إشارة إلى حزب العمال الكردستاني الذي يقاتل أنقرة منذ عقود انطلاقا من شمال العراق جاء ذلك على لسان وزير الداخلية التركي سليمان صويلو في تصريحات لقناة «إن تي في» أن «التقدم يتم خطوة بخطوة باتجاه جبال قنديل.. وهي ليست هدفا بعيد المنال بالنسبة إلينا.. ولن تتخلى تركيا عن السيطرة على جبال قنديل، والموضوع مسألة وقت».

وبحسب محللين سياسيين، فإن الهدف الاستراتيجي الذي تطمح تركيا لتحقيقه في الوقت الحاضر، هو خلق منطقة يسيطر عليها بعمق 50 كيلومتراً داخل الأراضي العراقية، تبدأ من منطقة هفتانين الحدودية وحتى معسكر بعشيقة في سهل نينوى، الذي توجد فيه القوات التركية، وهو ما يجعلها متحكِّمة بالعديد من الممرات الاستراتيجية التي تربط هذه المنطقة بمدن سنجار وقنديل والزاب وأفشين وباسيان، فضلاً عن ربط هذه المنطقة بمنطقة هاكورك على الحدود الإيرانية في جنوب شرق تركيا، والهدف من ذلك كله السيطرة على الشريط الحدودي الشمالي الرابط بين العراق وسوريا.

 الأوساط السياسية العراقية هي الأخرى بدأت تتحسس من الطارئ على خارطة العمليات العسكرية التركية والتي على ما يبدو ستتوسع لخارج الإقليم، وترصد بقلق تحوّل الخطاب التركي من الحديث عن مجرّد عمليات ملاحقة خاطفة لعناصر حزب العمال الكردستاني، إلى التلويح بإقامة منطقة آمنة تركية في العمق العراقي.

 

اتفاق وليس اتفاقية

عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية العراقية، النائب كاطع الركابي، يعتبر أن «الهجوم التركي على الأراضي العراقية لم يكن وليد الصدفة وإنما هو اعتداءات متكررة ليس فقط بعد 2003 وإنما حتى في زمن النظام السابق، تركيا تبرر هجماتها بالاعتماد على اتفاق وليس اتفاقية مع نظام صدام حسين على دخول القوات التركية بمسافة 5 كم لملاحقة عناصر العمال الكردستاني ولكن بعد 2003 تغيرت الموازين سواء كان بالنسبة للعلاقة الجديدة مع تركيا أو ما يتعلق بالوضع القائم في كردستان».

ويقول الركابي في حوار مع «المجلة»: «المطامع التركية ليست جديدة بالنسبة للعراق،  الميزانية التركية لحد الآن في كل سنة تخصص ليرة للموصل، تعبيرا عن أحلام تركيا في العراق، أحلام وردية جدا يتصورون العراق لقمة سائغة».

ولدى سؤالنا على ما تستند تركيا في التوغل في الأراضي العراقية، خاصة أن تركيا دائما ما تعلن أن الجانب العراقي على اطلاع مسبق بالعمليات التي تقوم بها في مناطق الإقليم أو في نينوى، يجيب قائلا: «هذا ادعاء ليس في محله، في الدستور العراقي الجديد يمنع استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على دولة جارة ولا نسمح لأي جهة سواء معارضة لذلك النظام أو أي شيء معين هم يتحججون بوجود حزب العمال الكردستاني (بي كا كا) في الأراضي العراقية، لماذا لم يحاربوا (بي كا كا) في الأراضي التركية، الحزب موجود في الأراضي التركية وعملياتهم في الأراضي التركية، لكن الحقيقة أن أطماع تركيا غير محدودة وعلى مرأى من العالم يخرج الرئيس التركي وأمامه الخريطة الجديدة التي هي خريطة تركيا في عام 2023 وتظهر فيها بعض المحافظات العراقية ضمن الخارطة التركية، اليوم تركيا تتعدى على ليبيا والمشكلة أنه يقاتل بمرتزقة سوريين... وله قوات في قطر، فالأطماع التركية واسعة».

ويضيف: «دعوت أكثر من مرة الحكومة المركزية أن تقدم شكوى رسمية للأمم المتحدة ولمجلس الأمن ضد هذه التعديات»، مستدركا: «لكن الرد الأمثل على الاعتداءات التركية هو أن يكون هناك رأي واحد بين الإقليم والحكومة الاتحادية، إذا لم يكن هناك تفاهم بين الإقليم والمركز على الوجود التركي لا يمكن أن نقوم بأي شيء».

وسألناه: متى يمكن أن يجتمع البرلمان العراقي على التصويت على قانون ملزم وليس على قرار لإخراج القوات التركية من العراق؟»، يجيب: «مع الأسف هناك بعض الأطراف الموجودة داخل البرلمان لديها رأي آخر، هناك وجهات نظر مختلفة حول هذه القضية، ونحن لا نريد أن يكون هناك اختلاف واضح في الآراء تحت قبة البرلمان وتعلمون أن هذه الاعتداءات حدثت في زمن اشتد فيه وباء كورونا وتم تعطيل البرلمان وأتصور أنه بعد انعقاد جلسات البرلمان يمكن أن يكون هناك موقف تجاه الاعتداءات التركية».

ويؤكد أن لجنته النيابية طالبت الحكومة باتخاذ الأساليب الممكنة، التي تجعل تركيا تتراجع عن هذا الخرق السافر واستخدام القوة تجاه الأراضي العراقية، ودعت الحكومة إلى تقديم شكوى لدى الأمم المتحدة لإثارة هذا الموضوع، فإن استمرار الضربات الجوية التركية على الأراضي العراقية، يعد خرقًا للمواثيق الدولية ومواثيق حسن الجوار فيما بين البلدين، ولا يوجد مبرر لدى القوات التركية لضرب هذه المناطق والقرى العراقية».

ويتابع: «إننا نحتاج إلى وقفة جادة وصريحة وقوة رادعة إزاء هذه التجاوزات، لافتا إلى أن الحكومة العراقية أمامها ثلاثة خيارات: الأول اللجوء إلى القانون الدولي ورفع شكوى دولية ضد تركيا، والثاني الدعوة لعقد اجتماع لمجلس الجامعة العربية، والثالثة استخدام الورقة الاقتصادية، حيث يبلغ حجم التبادل التجاري بين العراق وتركيا سنويا أكثر من 20 مليار دولار».

ويذكر أن «السفير التركي وعندما استدعته وزارة الخارجية لم يقدم اعتذارا، ولم يقدم أي مبرر، وإنما أكد استمرار هذه العمليات، وهذا الأمر لا يعد منطقا دبلوماسيا يمثل دولة جارة»، مستغربا من «ظهور الرئيس التركي مرتديا الملابس العسكرية ويؤشر على الخارطة التركية الجديدة التي تظهر فيها محافظات عراقية، ويقول إن هذه هي الخارطة بعد معاهدة لوزان خلال السنوات الثلاث المقبلة».

وختم مشددا: «لن يحقق الأتراك مشروعهم بإقامة منطقة آمنة على الشريط الحدودي العراقي، لا يمكن أن يتحقق هذا لأن العراق يختلف عن سوريا».

 




الباحث التاريخي د. جبار قادر

خلفية تاريخية

ورغم شدّة الخطاب الدبلوماسي العراقي، فإن أنقرة تدرك قلّة ما يمتلكه العراق من أوراق لوقف تدخلّها العسكري في أراضيه، كما تدرك تماما المشاكل السياسية والاقتصادية والأمنية الداخلية المعقّدة التي يعيشها والتي تضعف من قدرته على أي ردّ فعل عملي ومؤثّر، وبالتأكيد التاريخ يلقي بظلاله على فهم البلدين للتفاهمات غير المباشرة حول الحدود المتحركة بين البلدين.

دائما الأمثلة عديدة والتاريخ يعيد نفسه في الكثير من مفاصل العلاقات المعقدة بين البلدين وبدل أن يراجع العراق الاتفاق الأمني بين تركيا والنظام العراقي السابق، اجترت حكومة المالكي الاتفاقية بشكل آخر رغم أنها لم تمض إلى حد التصويت في البرلمان العراقي، ففي 2007 في أنقرة، اتفق العراق وتركيا على توقيع اتفاقية أمنية بين وزيري الداخلية التركي بشير أطالاي ونظيره العراقي جواد البولاني، تضمنت الاتفاقية السماح للجيش التركي بملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني في شمال العراق وفتح مكتبي ارتباط بين بغداد وأنقرة لتبادل المعلومات الاستخباراتية والأمنية بين البلدين، إلا أن اختلافا حول ترجمة بند في الاتفاقية الأمنية العراقية- التركية حال دون إكمال التوقيع عليها، إذ إن النص التركي يجيز للقوات التركية دخول الأراضي العراقية، ومن ثم يبلغون الحكومة العراقية فيما يقول النص العراقي أن دخول القوات التركية إلى الأراضي العراقية لا يتم إلا بعد الحصول على إذن الحكومة العراقية، ولم تعرض الاتفاقية على البرلمان العراقي، وهذه ليست الاتفاقية الوحيدة بل هناك تاريخ بين البلدين حافل بالتفاهمات والاتفاقيات الأمنية، ومنها اتفاقية ترسيم الحدود بين العراق وتركيا سنة 1926، والتي تخلت أنقرة بموجبها عن المطالبة بالموصل، مقابل أن تدفع الحكومة العراقية لتركيا 25 في المائة من عائدات النفط في الموصل لمدة 25 عاما.

 

الكرد المادة الخام في أرشيف الاتفاقيات

 الدكتور جبار قادر المختص في التاريخ الحديث، يفصل العلاقة الجدلية التاريخية بين العراق وتركيا ويعتبر أن الأساس الذي كانت تبنى عليه الاتفاقيات من عام 1926، كان لقمع حركات التحرر الكردية أو الثورات والانتفاضات الكردية.

وفي حوار أجرته «المجلة» مع الباحث التاريخي يرى أنه يجب أن يتم الربط بين ما يجري وجرى وقضية الموصل التي ظلت عالقة في مخيلة الأتراك ليومنا هذا، ففي 5 يونيو 1926 جرى توقيع اتفاقية بين بريطانيا والعراق من جهة باعتبار أن بريطانيا كانت الدولة المنتدبة على الأراضي العراقية وبين تركيا من جهة ثانية، بموجب هذه الاتفاقية جرى الاعتراف بقرار عصبة الأمم في ديسمبر (كانون الأول) 1925 والقاضي بإلحاق ولاية الموصل بالعراق بما معناه إلحاق الموصل وكردستان العراق أو كردستان الجنوبية كما كانت تسمى في ذلك الوقت بالعراق، المطلب التركي كان 10 في المائة من نفط الموصل لمدة 25 سنة، بريطانيا وافقت على هذا المبدأ ولكن الأتراك بسبب حاجتهم إلى الأموال، بسبب العمليات العسكرية الكبيرة التي قاموا بها في كردستان الشمالية (كردستان تركيا) ضد حركة الشيخ سعيد بيران، باعت تركيا نصيبها لقاء 500 ألف باوند إسترليني».

ويضيف: «مجمل الاتفاقيات اللاحقة كانت تتضمن بندا بنفس المفهوم وهو أن الطرفين سيعملان على محاربة العشائر أو القبائل والمنظمات التي تعمل على زعزعة أمن واستقرار البلدين، طبعا الكل يعرف أن الكرد هم من يقطنون على طرفي هذه الحدود»، معبرا عن اعتقاده بأن «اتفاقية 1926 شكلت أساسا لمجمل العلاقات الإقليمية في منطقة الشرق الأدنى بالذات بين هذه الدول الأربع والتي كانت تهدف بمجموعها إلى قمع الحركة الكردية والانتهاء من القضية الكردية».

ويوضح قائلا: «مثلا في عدة حالات كان الفرنسيون يسمحون للقوات التركية بأن تعبر الأراضي السورية لمطاردة الثوار الكرد عام 1925 وفي عام 1930 يحدث نفس الشيء من جانب إيران التي تسمح للقوات التركية بأن تدخل لقمع حركة أرارات، وفي 1930 و1932 جرى توقيع اتفاقيات بين العراق وتركيا وكذلك بين العراق وإيران وهذه الاتفاقيات بالإضافة إلى بنودها الأخرى المتعلقة بتعاون الدولتين والتبادل التجاري والتمثيل الدبلوماسي... إلخ. دائما كانت تتضمن كل الاتفاقيات بندا يتعلق بالتعاون في مواجهة الكرد وقمع الحركات الكردية التي كانت نشطة في ذلك الوقت، فمثلا في كردستان العراق كانت هناك حركات شيخ محمود الحفيد وبعد ذلك حركات الشيخ أحمد البارزاني. وفي كردستان الشمالية (كردستان تركيا) كانت سلسلة انتفاضات 1925 وعام 1932 إلى عام 1937 و1938 في مرسين، وأيضا بالنسبة لكردستان الشرقية (كردستان إيران) أيضا كانت هناك حركات إسماعيل آغا الشكاك المعروف بسمكو فكانت الانتفاضات الكردية موجودة في ثلاثة أجزاء مهمة من كردستان، وبالتالي وجدت هذه الدول من مصلحتها أن تتفق وتتعاون في مجال قمع الانتفاضات الكردية على جانبي الحدود».

ويتابع: «مع انبعاث الحركة القومية الكردية، شكّل الكرد، المادة الخام التي تصنع منها الاتفاقات بين تركيا وإيران والعراق وسوريا، تلك الاتفاقات الهادفة في جزءٍ منها إلى تطويق ‹الخطر› الكردي، ومع الوقت أصبحت الأرضية مهيأة لقيام حلف جديد، ففي عام 1937 وقع ميثاق (سعد أباد) وهو اتفاقية أمنية مشتركة بين أربع دول هي تركيا والعراق وإيران وأفغانستان، لكن بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بدأت المحاولات لشيء آخر، حيث كان العراق دائما المبادر إلى هذا التعاون مع تركيا لأنه كما نعرف أن عددا كبيرا من الذين حكموا العراق خلال النصف الأول من القرن الماضي كانوا من خلفيات تعليمية تركية أي خريجي الكليات العسكرية التركية، وكانوا حتى في مجالسهم الخاصة يتحدثون بالتركية العثمانية، بدءا من الملك فيصل الأول وانتهاء بنوري السعيد، ومعظم السياسيين المعروفين على الساحة العراقية آنذاك كانوا من خريجي المدرسة التركية أو يمتلكون ثقافة تركية، في فبرلير 1955 تم توقيع اتفاقية بين العراق وتركيا وهذه الاتفاقية تحولت فيما بعد إلى أساس لما عرف لاحقا بحلف بغداد، طبعا بعد خروج بغداد منه، بعد 14 يوليو 1958».

ويضيف: «ما حدث في العراق عقب انقلاب 1958 أثار حفيظة تركيا أكثر خاصة قضية اعتراف النظام الجديد بشراكة الكرد والعرب في العراق من ناحية، والسماح للثوار الكرد الذين كانوا يعيشون في موسكوا بالعودة إلى العراق، وفي الستينات بعد 11 سبتمبر (أيلول) 1961 واندلاع الحركة المسلحة الكردية في كردستان العراق بعد تراجع عبد الكريم قاسم عن وعوده للكرد وتوترت علاقاته مع الجانب الكردي، رحبت إيران وتركيا بهذه التطورات وتعاهدتا بدعم الحكومة العراقية لكن الدعم والتحالف جرى في عام 1963 عندما جاء البعث لأول مرة إلى السلطة، كان هناك دعم واضح وحتى كان هناك لجان تنسيق من الضباط الإيرانيين والأتراك،  حيث كان الأتراك في الموصل والإيرانيون كانوا في كركوك، وحتى سوريا دخلت ايضا وأرسلت قوات إلى كردستان العراق لضرب الحركة الكردية لكن هذه القوات ألحقت بها الهزيمة في وقت مبكر».

ويكمل: «في ذلك الوقت كانت هناك خطة سميت خطة خنق الحركة الكردية بدعم مباشر من الناتو، بدعم خاص من بريطانيا وأميركا وحتى ألمانيا التي قدمت الدعم المادي للعراق، فيما قدم البريطانيون والأميركان أسلحة للحكومة العراقية، لاحقا استغلت إيران الحركة الكردية لإضعاف العراق وفرضت شروطها على العراق وبالتالي كان هناك نوع من الصراع الخفي بين العراق وإيران لكن تركيا كانت دائما متحالفة مع أي جهد عراقي في قمع الحركة الكردية».

ويلفت إلى أن «إيران حققت مكاسب كبيرة في اتفاقية الجزائر عام 1975 في الحصول على أراض ومياه عراقية لقاء خنق الحركة الكردية في كردستان العراق»، مضيفا: «في السبعينات أيضا كان العراق هو المبادر إذ قام صدام حسين عندما كان نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة- كما كانوا يسمونها- في فبرلير 1977 بخطوة كانت بمثابة الخطوة الأولى لاتفاقية جديدة بين تركيا والعراق والتي جرى التوقيع عليها في 25 أغسطس (آب) 1978 هذه الاتفاقية حاول الجانب العراقي أن يخفيها ولكن جريدة «ملييت» التركية نشرت نصها في 25 أغسطس وكانت النقاط الرئيسية تسليم مواطني الدولتين المتعاهدتين، عندما يدخلون أراضي الدولة الأخرى بشكل غير شرعي، أي الهاربين من الملاحقات السياسية وإقامة نقاط المراقبة والسيطرة على الحدود ومنع عبور الحدود وإعلام الدولة المعنية عند عبور مواطنيها الحدود ويقوم الطرفان باتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف أعمال التهريب».

 





خريطة تركية، تحدد أماكن نقاطها العسكرية ضمن حدود شمال شرقي إقليم كردستان العراق حتى حدود زاخو، بالإضافة إلى ثلاث نقاط عسكرية، قرب كل من أربيل وبعشيقة ودهوك

منطقة الموت

بموجب اتفاقية عام 1979 دخلت القوات التركية بعمق 20 كم داخل أراضي كردستان العراق لمحاربة البيشمركة وفي 1982 عقدت اتفاقية سرية في أنقرة بين العراق وتركيا وهذه الاتفاقية أكدت بنود اتفاقية 1978 عقب الانقلاب العسكري في تركيا، الذي تزعمه الجنرال كنعان إيفرين الذي قام بزيارة إلى العراق، وهناك جرت المداولات لخلق منطقة سميت بمنطقة الموت في المثلث الحدودي بين تركيا وإيران والعراق أو مثلث الموت، حيث جرى الاتفاق على إفراغ هذه المنطقة من سكانها، حدث ذلك خلال زيارة كنعان إيفرين عام 1978عندما ذهب إلى العراق بعد توتر الأحداث في إيران وهناك عبر الطرفان عن مخاوفهما بأن الأوضاع في إيران ستؤدي أيضا إلى ظهور حركة كردية، وبالتالي انطلاقا من ذلك وجب على الطرفين أن يفكرا في إيجاد منطقة يسمونها منطقة الموت وهي منطقة خالية من الحياة من خلال إفراغها بعمق 20 كم وتم وفقها هدم القرى وبعض المدن والقصبات الكبيرة بعمق 20 إلى 30 كم طبعا، في ذلك الوقت كان العراق يمتلك ثروات هائلة وبالتالي استطاع أن يعطي أموالا لأصحاب الأراضي كتعويضات لأهالي القرى الحدودية مقابل مغادرتهم مناطقهم وإفراغها، بمبرر أنها مناطق أمنية حدودية وقامت تركيا من جانبها بنفس الشيء».

ويضيف: «أعلن العراق عن رغبته في بناء نقاط مراقبة على الحدود بين تركيا والعراق وأعلن العراق أنه سيتحمل كل التبعات المادية والتكلفة لبناء هذه النقاط وحتى إطعام الجنود الأتراك لأن الأتراك أعلنوا عجزهم عن تأمين التوفير المادي والإمكانيات، بينما العراق دولة غنية وأسعار النفط في ارتفاع وموارد العراق هائلة لذلك العراق أبدى استعداده لذلك، طبعا كان للتفرغ للإيرانيين على جبهات الحرب مع إيران».

ويشير إلى أنه «في 26 مايو 1983 قامت تركيا بحملة عسكرية واسعة على جنوب كردستان (كردستان العراق) وحسب المصادر دخلت القوات التركية بعمق 30 كم لمطاردة قوات الحزب الديمقراطي الكردستاني والأحزاب الأخرى المؤتلفة معه سواء من الحزب الشيوعي ومن الحركة الاشتراكية وغيرها، وكانت العملية وفق المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية بهدف حماية الأمن القومي التركي... خلال هذه العمليات حسب الوثائق المنشورة في الصحافة الغربية جرى تدمير خمسين قرية، وقتل ألفي كردي، وفي 15 أكتوبر 1984 وقع وزيرا خارجية العراق وتركيا بروتوكولا في بغداد حول التعاون للقيام بالعمليات العسكرية المشتركة ضد المقاتلين الأكراد على جانبي الحدود. وفي التسعينات كانت هناك اجتماعات دورية ثلاثية بين إيران وتركيا وسوريا حول المسائل الأمنية والحدودية، وتركيا دائما كانت مبادرة لعقد هذا النوع من الاتفاقيات ولكن دائما كانت الأعمدة الرئيسية لهذه الاتفاقيات هي تركيا والعراق وليس إيران وسوريا».

وختم دكتور جبار: «دروس التاريخ تنقل لنا ما معناه أنه بالنظر إلى تاريخ العراق سنرى أن السبب الرئيسي في كل ما حصل في العراق هو الموقف من القضية الكردية، وفي إلحاق ولاية الموصل بالعراق، في نص قرار عصبة الأمم كانت هناك ظروف يجب أن تتوفر لهذا الإلحاق، مثلا الموظفون في المنطقة الكردية يجب أن يكونوا حصرا من الكرد وأن تدرس اللغة الكردية في المدارس ويجب أن تكون اللغة الكردية لغة المحاكم، لكن الدولة العراقية بداية الأمر أقرت بهذه المسائل إلى أن دخلت كعضو إلى عصبة الأمم عام 1932 وبعد ذلك تنكرت لكل ذلك... وشيئا فشيئا ومع نمو التيار القومي العربي الشوفيني عند ذلك بدأ التطاول على كل ما كان يحق للكرد إلى أن وصلنا إلى مرحلة الإبادة الجماعية، وبالتالي لم يبقوا طريقا آخر أمام الكرد إلا اللجوء إلى السلاح والجبال، ولذلك الدولة بدأت تصرف كل أموالها على الجهد الحربي لتدمير كردستان والحركة الكردية بالمقابل اضطرت أمام الحصار والدمار أن تبحث عن أي جهة تقدم الدعم، واستغلت الدول الأخرى هذا الشيء، فاضطر العراق أن يقدم تنازلات لإيران، ولكن فيما بعد حتى هذه التنازلات لم تنفعهم، فخرج صدام حسين في سبتمبر 1980 ومزق اتفاقية الجزائر وبدأت الحرب، وعاد بعد 8 سنوات وكتب للحكومة الإيرانية بعد احتلاله للكويت يقول أنا مستعد للعودة إلى اتفاقية الجزائر، ولحد الآن القوى المتحكمة في بغداد لا زالت تحمل نفس الأفكار».