مواجهة إيرانية- أميركية عبر البوابة الصينية

تداعيات اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين طهران وبكين

* معارضون للاتفاقية: الصين حصلت على حق الصيد بشكل غير محدود مما سيؤدي إلى تدمير النظم البيئية النباتية والمائية في الخليج وبحر عمان
* رضا بهلوي: الاتفاقية مخزية وباطلة تنهب الموارد الطبيعية لإيران... وتعتبر خيانة لا يمكن إنكارها للمصالح الوطنية الإيرانية
* تعزيز العلاقات بين إيران والصين يمثل ضرورة لبلد أنهكه الفقر وإن كنا لا نعرف بعد كيف تنظر الدولة الصينية إلى هذه الاتفاقية الهامة والمغرية؟

واشنطن وطهران:أثارت اتفاقية الشراكة الاستراتيجية التي أبرمتها إيران والصين بضوء أخضر محتمل من المرشد علي خامنئي ردودا وجدلا واسعين في إيران. وتم التفاهم حول الاتفاقية بين البلدين أثناء زيارة الرئيس الصيني إلى إيران في 2016. وصادقت حكومة الرئيس حسن روحاني الخميس 23 يونيو (حزيران) 2020 على الاتفاقية التي تمنح امتيازات اقتصادية وصناعية وعسكرية كبيرة للصين مما يشكل تحديا آخر للمنطقة، ويؤدي إلى تعقيد الأوضاع الجيوستراتيجية بشكل أكبر، وقد يشكل تحديا للعلاقات بين دول الخليج والشرق الأوسط من جهة والصين من جهة أخرى.
وكشفت مجلة «بتروليوم إيكونوميست» في سبتمبر (أيلول) 2019 ولأول مرة عن الاتفاقية وأفادت تفاصيل حولها نقلا عن مسؤول مطلع في شركة النفط الوطنية الإيرانية.
وتشير المعلومات التي نشرتها المجلة إلى أن النظام الإيراني قام بتسليم أجزاء واسعة من قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات والنقل وحتى الصناعة العسكرية إلى الصين بشروط «لا تصدق».
وأضافت المجلة أن الاتفاقية انعقدت في أغسطس (آب) 2016 تحت عنوان «التعاون الاستراتيجي الشامل بين الصين وإيران» ووقع عليها وزير الخارجية الإيراني ونظيره الصيني وانغ يي. وبموجبها ستحصل الصين على خصومات كبيرة تصل إلى 32 في المائة لشراء النفط والغاز والمنتجات البتروكيماوية الإيرانية، وبإمكانها الاستثمار في هذه القطاعات. وبناء على الاتفاقية فإن للصين الحق في تأخير السداد لمدة تصل إلى عامين، كما أن الصين لديها الأولوية في تولي مشاريع تنموية. ويسمح اتفاق الشراكة للصين بوضع 5 آلاف جندي صيني في إيران لحماية المنشآت.
وتابعت المجلة: «تقوم الصين باستثمارات بقيمة نحو 280 مليار دولار في قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات وتقوم باستثمار بقيمة 120 مليار دولار في قطاع النقل الإيراني».
وبعد نشر التقرير، قامت وسائل الإعلام الحكومية بنفي الخبر، معتبرة أنه مجرد «إشاعة»، و«أخبار ملفقة» حول العلاقات بين الصين وإيران، والسبب في ذلك يعود إلى القلق الغربي من العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين.
وبعد شهر من نشر تقرير «بتروليوم إيكونوميست»، قال وزير الخارجية الإيرانية إنه «لا أساس له من الصحة بتاتا»، مضيفا: «كل ما في الأمر أن إيران قدمت اقتراحا لتنظيم برنامج للعلاقات الثنائية لمدة 25 عاما وليس هناك أي اتفاق مما يعني أنه ما من بنود وتفاصيل حوله. هناك اقتراح لتنظيم برنامج للعلاقات لمدة 25 عاما وبعد ذلك يجب أن نجلس على الطاولة ونقوم بكتابة نص الاتفاق».
وقد قامت صحيفة «نيويورك تايمز» بنشر نص الاتفاق المكون من 18 صفحة، وقالت إنه نص المسودة النهائية للاتفاق. وقدمت الصحيفة تفاصيل أوفى حول اتفاق الشراكة الاستراتيجية بين إيران والصين، لمدة 25 عاما.
وأشارت الصحيفة إلى أن الوجود الصيني سيتوسع بشكل كبير في البنوك والاتصالات والموانئ والسكك الحديدية وعشرات المشاريع الأخرى في إيران، قائلة: «إن الصين ستقوم بالاستثمار في المشاريع الاقتصادية والعسكرية، وفي المقابل ستحصل على إمدادات منتظمة مخفضة للغاية من النفط الإيراني لمدة 25 عاما».
إلى ذلك، قال نائب رئيس منظمة حماية البيئة في إيران، أحمد رضا لاهيجان زاده، إن الصين حصلت على حق الصيد بشكل غير محدود مما سيؤدي إلى تدمير النظم البيئية النباتية والمائية في الخليج وبحر عمان، وذلك بسبب عمليات الصيد من قبل الصين، وأضاف: «يجب منع الصين من ارتكاب إحدى أكبر الجرائم بحق البيئة في المنطقة».
ومع ذلك فإن المسؤولين الإيرانيين يحاولون جاهدين أن يقدموا وثيقة التعاون الاستراتيجي بين البلدين على أنها في مصلحة الشعب الإيراني، وتهدف إلى التنمية الوطنية، حيث قال المتحدث باسم وزارة الخارجية، عباس موسوي، إن الاتفاقية تبعث على الفخر بالنسبة للإيرانيين. واعتبر النائب الأول لروحاني، إسحاق جهانغيري، أنه «ينبغي دعم توسيع العلاقات الاستراتيجية بين البلاد والصين بكل جرأة».
يمتنع المسؤولون وموالو هذه الاتفاقية في إيران عن إعلان تفاصيل أخرى بشأنها، بذريعة أن «الاتفاقية لم تحسم بعد»، وبالتالي يتم التستر عليها وعدم مشاركة تفاصيلها أمام الرأي العام الإيراني زاعمين أنها مجرد اتفاق شراكة استراتيجية تهدف إلى وضع إطار للتعاون الشامل. كما تستدل هذه الفئة بأن اتفاقية الشراكة الاستراتيجية لـ25 عاما تشكل الملجأ الوحيد لإنقاذ البلاد من العقوبات الأميركية المتواصلة وذلك في ضوء العقوبات الأميركية المشددة والأوضاع الاقتصادية المتدهورة والعجز في بيع النفط وارتفاع أسعار العملة.
وقد رحبت الصحف المقربة من المرشد والحرس الثوري، على غرار صحيفتي «جوان»، و«كيهان» بالاتفاقية. واعتبرت جريدة «جوان» أن هذا هو التوقيت المناسب لانعقاد الاتفاقية قائلة في تقرير لها إن «الولايات المتحدة تشعر بأنها في (موضع ضعف) أمام الصين، وتعتبر الصين مصدر تهديد لها».
ونشرت صحيفة «كيهان» المقربة من المرشد، تقريرا تحدثت فيه عن تشكيل جبهة ائتلاف مكونة من إيران والصين وروسيا تهدف إلى إعادة تشكيل النظام العالمي.




رضا بهلوي، نجل الشاه السابق



في المقابل، فإن طيفا واسعا من معارضي النظام الإيراني خارج البلاد ومجموعة من السياسيين في داخل إيران، على غرار الجماعة المقربة من الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، وعدد من نواب البرلمان، أكدوا أن المسؤولين يتسترون على تفاصيل اتفاقية التعاون الشامل بين البلدين لمدة 25 عاما، معتبرين أن هذه الاتفاقية تبيع إيران ومواردها الطبيعية للصين، حيث ستصبح إيران مستعمرة صينية تدور في فلك الصين الاقتصادي وهذا الأمر خيانة للمصالح الوطنية الإيرانية.
وكشف الرئيس الإيراني السابق، وعضو مجمع تشخيص مصلحة النظام في دورته الحالية، محمود أحمدي نجاد، لأول مرة، عن تفاصيل هذه الاتفاقية، وقال في تصريحات له في محافظة غيلان يوم 27 يونيو (حزيران): «لقد سمعت بأنهم يجرون مفاوضات ويسعون إلى التوقيع على اتفاق جديد مع دولة أجنبية للتعاون لمدة 25 سنة، ولا أحد يعلم بذلك. هل أنتم أصحاب هذه البلاد لتعقدوا اتفاقا كهذا دون علم الشعب وتمنحوا موارد الشعب للآخرين؟».
وكتبت صحيفة «جمهوري إسلامي» مقالا انتقدت فيه إخفاء نص الوثيقة عن الرأي العام، قائلا: «تحاول الصين وإيران منذ عام واحد التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن التعاون الاستراتيجي الثنائي لـ25 عاما. لماذا يتم إخفاء أمر بهذا القدر من الأهمية عن الشعب؟ لقد زعم البعض أنهم كانوا على علم مسبق بمفاد الاتفاقية. لو كان الأمر صحيحا فلماذا يتم إخفاؤه عن عامة الشعب؟».
وتنص المادة 77 في الدستور الإيراني على أن «الاتفاقيات والصفقات الدولية يجب أن تحظى بمصادقة البرلمان». لذلك فإن بعض النواب المحسوبين على التيار المتشدد في الدورة الحالية للبرلمان يلقون اللوم على حكومة حسن روحاني بسبب إبرام هذه الاتفاقية. على سبيل المثال أكد النائب محمود أحمدي بيغش خلال برنامج تلفزيوني في 16 يوليو (تموز) صحة الأنباء التي تحدثت عن مشروع تسليم جزر إيرانية إلى الصين كجزء من الاتفاقية الاستراتيجية، قائلا: «لم يكن الهدف تسليم الجزر للصين ولكن كان مقررا أن يتم منح صلاحيات كاملة للصين في هذه الجزر، ولكن هذا لن يحدث بإذن الله».
وبعد يومين من هذه التصريحات قام محمود أحمدي بيغش خلال حوار مع وسائل إعلام حكومية بسحب أقواله، ولكن قبل ذلك، اعتبرت وزارة الخارجية الإيرانية أن تصريحات بيغش «لا أساس لها من الصحة»، وأشارت إلى أن هذه الأقوال ستقوض المصالح الوطنية بشدة وطالبت هيئة رئاسة البرلمان بضرورة التحقيق مع النائب بشأن تصريحاته.
واعتبرت وكالة أنباء «سبوتنيك» الروسية في تقرير لها بعنوان «الاتفاق النووي الشرقي» أن الاتفاقية التجارية بين الصين وإيران عبارة عن «معاهدة تركمانجاي أخرى» تهدف إيران من خلالها إلى إجبار الصين على استخدام حق النقض بشأن مسودة قرار تمديد حظر الأسلحة على إيران.
وأضاف التقرير: «وجدت إيران نفسها مضطرة إلى العودة مرة أخرى إلى الشرق، بسبب الإبهام في السياسة الأميركية حول إيران وعجز الأخيرة عن إقناع الأوروبيين بضرورة دعمها رغم السياسة الإيرانية بشأن التوجه غربا منذ سنوات».
وترى الأطراف المعارضة للاتفاقية، ومنهم الولايات المتحدة، أن إبرام الاتفاقية يشكل تحديا جديدا يهدف إلى توجيه ضربة للإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب وتوتير العلاقات بين الصين وأميركا أكثر من الوقت الراهن.
ونشرت وزارة الخارجية الأميركية تغريدة بالفارسية جاء فيها: «يسعى الحزب الشيوعي الصيني إلى استغلال المصادر الطبيعية في إيران بهدف تحقيق أهدافه السلطوية في بحر الصين الجنوبي والبلطجة ضد الدول الأخرى في المنطقة. وبالطبع فإن النظام الإيراني لن يعارض ذلك لأنه يعتمد على نفس القيم الاستبدادية التي تتبناها بكين. يصر وزير الخارجية ظريف على أنه لا شيء سري في الاتفاقية مع الصين. لم يكن هناك شيء سري في معاهدة تركمانجاي أيضا غير أن الشعب الإيراني دفع ثمنها باهظا. الاتفاق بين إيران والصين هو معاهدة تركمانجاي أخرى وسيكلف الشعب الإيراني مرة أخرى».
وكانت الدولة القاجارية قد وقعت مع الإمبراطورية الروسية معاهدة تركمانجاي عام 1828 تنازلت إيران بموجبها عن إقليمي إيران ونخجوان لروسيا.
وقال لین خودورکوفسکي أحد المستشارين في الخارجية الأميركية في تغريدة له إن حكام إيران «سيبيعيون» إيران للصين من خلال هذه الاتفاقية التي تمهد «لتدمير الاقتصاد الإيراني بالنسبة للجيل القادم».
وتجمع عدد من المواطنين الأميركيين من أصول إيرانية في واشنطن أمام السفارة الصينية، للاحتجاج على الاتفاقية، وأصدروا بيانا بعنوان مجموعة «الاتحاد الوطني للديمقراطية في إيران». وقال البيان: «نحن المواطنين الإيرانيين الأميركيين نعرب عن دعمنا للديمقراطية وفي الوقت ذاته نشعر بالقلق إزاء هذه الاتفاقية، ولكننا لن نسكت أمام هذه الاتفاقية المخزية لتسليم السيادة الوطنية للصين».
واعتبر رضا بهلوي، نجل الشاه السابق، أن الاتفاقية «معاهدة مخزية وباطلة تنهب الموارد الطبيعية لإيران»، وأضاف: «تعتبر هذه الصفقة التي أبرمها نظام الجمهورية الإسلامية بدعم وموافقة مباشرة من زعيمه خيانة لا يمكن إنكارها للمصالح الوطنية الإيرانية».
في المقابل، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، عباس موسوي، إن الانتقادات والاحتجاجات الواسعة على الاتفاقية بين إيران والصين لا أساس لها من الصحة وإنها صادرة من جهات «مناهضة للثورة».
واتهم مدير مكتب حسن روحاني منتقدي الاتفاقية في إيران بأنهم «يتبعون» وسائل إعلام خارجية ومناهضة للنظام.
وأطلق مستخدمو الشبكات الاجتماعية المستاءون في إيران هاشتاغات بالإنجليزية وبالفارسية بعنوان #iranNot4SELLnot4RENT و«#ترکمنچای چینی» (تركمانجاي صيني) معتبرين أن «الجمهورية الإسلامية جاهزة لقبول الذل والعار من أجل بقائها في السلطة»، وأن «الجمهورية الإسلامية رمت البلاد في أحضان الصين، وأنها جاهزة أن تعرض كل البلاد في مزاد للبيع».
على كل حال، فإن الجمهورية الإسلامية ومن خلال هذه الاتفاقية تمهد الطريق لتعاون طويل الأمد بين إيران وبلد يبلغ عدد سكانه نحو مليار و500 مليون نسمة، وبالتالي فإن الصين لديها شهية كبيرة للنفط الإيراني كما أن الاتفاقية تنافي القيم الوطنية الإيرانية.
وقالت صحيفة «نيويورك تايمز» أن الصين التي تتصدر العالم في استيراد النفط، تستورد نحو 75 في المائة من نفطها من الخارج، حيث استوردت أكثر من 10 ملايين برميل للنفط يوميا العام الماضي.
وأدت إعادة فرض العقوبات الشاملة الأميركية على إيران في فترة دونالد ترامب الرئاسية وانسحاب ترامب من الاتفاق النووي إلى انخفاض كبير في الصادرات النفطية الإيرانية وفرض قيود وتحديات كبيرة على تأمين مصادر مالية لتنفيذ المشاريع والمبادلات البنكية في البلاد. لذلك فإن تعزيز العلاقات بين إيران والصين يمثل ضرورة لبلد أنهكه الفقر وإن كنا لا نعرف بعد كيف تنظر الدولة الصينية إلى هذه الاتفاقية الهامة والمغرية وهل ستحسم أمرها أم لا؟