أفلام الثورة اقتصرت على تمجيدها ثم على انتقاد رمزها وزعيمها بعد رحيله!

فنانون ونقاد مصريون ينتقدون سينما ثورة يوليو ويؤكدون لـ«المجلة»:

* حسن يوسف: شاركت في فيلم «في بيتنا رجل» بدافع حماس الشباب فقط وكان يتناول فترة من الفترات المهمة في تاريخ مصر، و«كان فيلم وشه حلو على عمر الشريف»
* عزت العلايلي: لا توجد أعمال أدبية وفكرية عبرت عن المعنى الحقيقي لثورة يوليو وفخور بتجربتي مع «الأرض»، وهناك أفلام شهيرة عن الثورة أرى أنها «تهريج»
* لبنى عبد العزيز: «أنا حرة» حمل فكرة الحرية  بمعناها الواسع الذي يمتد ليشمل حرية الوطن وتحرره من قيود الاستعمار والأفكار الرجعية
* هدى نجيب محفوظ: أبي لم يكن ناصرياً وانتقده في كتاباته... وأفلامه عن الثورة لا تعبر بالضرورة عن رؤيته  بشكل صحيح
* الناقد طارق الشناوي: السينما نافقت رجال ثورة يوليو وأقحموها في أفلام لا تمت لها بصلة ولم تقدمها بشكل عميق 
 
القاهرة: في الذكرى الثامنة والستين لثورة يوليو، أعرب فنانون ونقاد عن عدم رضائهم عما قدمته السينما المصرية من أفلام خاصة بهذه الثورة، وقالوا لـ«المجلة» إن هذه الأفلام ركزت على جوانب وأهملت جوانب أخرى مهمة كان لا بد من التطرق إليها ووصفوا أفلاما شهيرة مما ارتبطت بهذه الثورة بأنها «تهريج» رغم أنها ظلت لفترة طويلة ولا زالت تعتبر «أيقونة» الأعمال السينمائية الخاصة بثورة يوليو. كما حمل فنانون الكتاب والأدباء عبء التقصير في تقديم أعمال معبرة بصدق عن الثورة ونتائجها، مشيرين إلى وجود جوانب كثيرة سلبية وإيجابية تتعلق بمرحلة ما بعد ثورة يوليو تجاهلتها السينما المصرية عبر هذه السنوات الطويلة.
في الثالث والعشرين من يوليو عام 1952 قامت مجموعة من الضباط المصريين ممن عرفوا باسم «الضباط الأحرار» بثورة على الملك فاروق ملك مصر آنذاك وعلى أعوانه وانتهى الأمر بخروجه من مصر قبل أن يصبح زعيمها جمال عبد الناصر رئيسا لمصر بعد أن أصبحت جمهورية، لتشهد مصر في عهده العديد من الأحداث والتطورات والتي تسببت في إثارة الجدل الكبير حول تقييم الفترة الناصرية ومعها ثورة يوليو التي ارتبطت ارتباطا وثيقا بتلك الفترة. واعتاد المصريون في احتفالاتهم بهذه الثورة كل عام على مشاهدة مجموعة من الأفلام الكلاسيكية المرتبطة بأحداث ثورة يوليو أو تلك التي حملت إرهاصاتها الأولى، ومنها «القاهرة 30»، «في بيتنا رجل»، «رد قلبي»، «أنا حرة»، «الباب المفتوح»، «الأيدي الناعمة»، وأضيف إليهما مؤخرا «ناصر 56»، و«أيام السادات».




 عزت العلايلي



ومع ذلك لا زال هناك جدل واسع حول مدى مصداقية هذه الأفلام في التعبير عن ثورة يوليو، ونتائجها، كما اعتبر نقاد مصريون أن بعضها تم مجاملة للرئيس عبد الناصر ورجاله وجعلوها محل انتقاد كبير.
وفي ذكرى ثورة يوليو المصرية الثامنة والستين استطلعت «المجلة» آراء بعض الفنانين والنقاد حول سينما الثورة.
في البداية كان اللقاء مع الفنان حسن يوسف الذي شارك في أكثر من عمل سينمائي شهير من الأعمال التي حملت إرهاصات الثورة منها «في بيتنا رجل». وعن هذا الفيلم قال لـ«المجلة»: «أسعد كلما تذكرته  فهو من الأفلام المحببة لقلبي وكان دوري فيه حلو جدا وكنت سعيدا جدا به وسط كوكبة من الأبطال منهم حسين رياض وعمر الشريف وزبيدة ثروت وزهرة العلا ورشدي أباظة». وأضاف الفنان حسن يوسف أن فيلم «في بيتنا رجل» كان يتناول فترة من الفترات المهمة في تاريخ مصر، وقال: «كان فيلم وشه حلو على عمر الشريف»، مشيرا إلى أنه تم اختياره  لدوره في فيلم «لورانس العرب» أثناء عمله في هذا الفيلم لينطلق بعدها للعالمية.
وعن تقييمه للأفلام التي عبرت عن ثورة يوليو بصدق كشف حسن يوسف لـ«المجلة» عن عدم اقتناعه بالثورة المصرية لما نتج عنها من أخطاء جسيمة- على حد وصفه- وقال إن كل الرؤساء الذين حكموا مصر بعد ثورة يوليو لا زالوا يعانون من هذه الأخطاء. وبرر الفنان حسن يوسف مشاركته في أفلام تمجد الثورة لم يقتنع بها، بأنه كان بدافع حماس الشباب والفرحة بالتمثيل مع فنانين كبار.
الفنانة لبنى عبد العزيز كانت بطلة لأحد الأفلام الشهيرة التي عبرت عن فترة الثورة وذلك في فيلم «أنا حرة» وعنه قالت لـ«المجلة»: «هذا الفيلم كان من المفترض أن يصبح أول أعمالي السينمائية قبل (الوسادة  الخالية) لولا إصرار عبد الحليم على تقديم فيلمه أولا. وفيلم (أنا حرة) يحمل قضية ورسالة وهو من أجمل الأعمال التي كتبها الأديب الكبير إحسان عبد القدوس وعلى الرغم من أنه يبدو فيلما نسائيا بحتا يدافع عن حقوق المرأة إلا أنه في واقع الأمر كان يحمل فكرة الحرية  بمعناها الواسع الذي يمتد ليشمل حرية الوطن وتحرره من قيود الاستعمار والأفكار الرجعية . وقد تواكب تقديم هذا الفيلم عام 1956 مع فكر ثورة يوليو الرائج آنذاك كما يحمل رمزية عالية في نهايته في مشهد يريد أن يقول إن حرية الإنسان لا تكتمل إلا بتحرر وطنه أيضا. كما أن إبراز قيمة المرأة في الفيلم كان انعكاسا أيضا للقيمة التي حصلت عليها بعد الثورة حينما أصبحت برلمانية ووزيرة واقتحمت مختلف مجالات العمل التي كانت حكرا على الرجال». وأضافت عبد العزيز أنها تعتز جدا بتقديم دورها في هذا الفيلم الذي يمثل نافذة قامت بفتحها أمام المرأة المصرية للانطلاق نحو الأمام في خضم التحولات الاجتماعية التي شهدتها ثورة يوليو.



لبنى عبد العزيز



وفي تصريحات خاصة لـ«المجلة» أكد الفنان عزت العلايلي أن السينما المصرية لم تعبر عن ثورة يوليو على الإطلاق وأن الأفلام التي  قيل إنها تناولتها لم تكن كذلك، لأن هناك موضوعات كثيرة مرتبطة بها ولم يتم تناولها وتوقفوا فقط عند مسألة ذهاب الملك وخروجه من مصر واختصار عملية الإصلاح الزراعي في قرار إعادة توزيع الأراضي على الفلاحين بمعدل 5 أفدنة لكل واحد، وقال: «إنني أرى في هذا أمرا مثيرا للسخرية مع الاعتذار». وأضاف: «نحن كفنانين حاولنا التعبير عن هذا الحدث قدر الإمكان لكن للأسف الشديد لا توجد أعمال أدبية وفكرية كثيرة عبرت عن المعنى الحقيقي لثورة يوليو كفكر وآيديولوجيات وللأسف الشديد توقفت معظم الأفلام عند مستوى سطحي للمعالجة والتناول. فهناك نتائج للثورة كالنكسة والتي أوصلتنا لحرب أكتوبر ولمجموعة من النتائج التي تجمع بين الإخفاقات والنجاحات كان لا بد من التعبير عنها إلا فيما ندر. وكنت أتمنى مثلا أن تناقش إشكالية المسمى الحقيقي لهذا الحدث، هل كان ثورة حقا أم انقلابا؟ لكن لا توجد أفلام ناقشت هذه الإشكالية وهي قضية عميقة جدا تحتاج إلى فلاسفة يكتبون وكتاب عظماء، كي نعرف ما الذي حدث لمصر في هذا التاريخ»، وأكد قائلا: «طبعا أنا مع التجديد والثورة في العلم والثقافة بشرط أن تأتي بإيجابيات لا بسلبيات».
واستطرد العلايلي في تصريحاته لـ«المجلة» أن قليلا جدا من الأفلام السينمائية هو الذي استطاع تناول هذه المسألة بعمق، مشيرا إلى أن فيلم «الأرض» للمخرج يوسف شاهين والذي شارك بطولته مع كوكبة من الفنانين الكبار منهم محمود المليجي ونجوى إبراهيم وحمدي أحمد ويحيى شاهين، هو أحد تلك الأفلام التي يعتبرها نموذجا للأعمال السينمائية التي تناولت ثورة يوليو بشكل غير مباشر.
وقال العلايلي إن فيلم «الأرض» عكس واقعا سلبيا كان موجودا قبل الثورة وهو الإقطاع كما كان الفيلم يحمل رسالة مفادها الدعوة إلى التغيير من أجل مصلحة المجتمع، وأكد أنه أثناء قيامه بدوره في «الأرض» كان على يقين بأنه يتناول قضية الثورة مما جعله يؤديه بقناعة كاملة.
وعن هذا الفيلم قال العلايلي إنه جاء في أعقاب نكسة يونيو (حزيران)، وتحديدا عام 1968 وكان كاتب السيناريو هو حسن فؤاد، وهو قيمة فكرية عظيمة، وكان يشغل مناصب صحافية، منها رئيس تحرير مجلة «صباح الخير» وله تاريخ نضالي، وكتب سيناريو الفيلم باقتناع وبفكر محترم جدا، والمأخوذ عن قصة الكاتب الكبير عبد الرحمن الشرقاوي. وأضاف: «أعتبر أن فيلم (المواطن مصري) أيضا من الأفلام التي تعطي ملمحا من ملامح الثورة وكان يتناول فترة الحرب ومعاناتها وهي إحدى توابع الثورة».



مشهد من فيلم «الكرنك»



وعن رأيه في  الأفلام الشهيرة التي ارتبطت في أذهان الجمهور بثورة يوليو، مثل «رد قلبي»، و«في بيتنا رجل» قال عزت العلايلي إنها أعمال مسلية وظريفة، لكنها لم تعبر عن الثورة، وأخشى أن أصفها بأنها «تهريج».
وأشار إلى أن هذا التقصير- على حد تعبيره-  يقع على كاهل الأدباء والمفكرين في ذلك الوقت والذين لم يجيبوا على سؤال هام هو: هل كانوا مقتنعين بثورة يوليو حقا أم لا؟! وقال أنا أجزم بأنهم لم يكونوا مقتنعين بالثورة ولذلك لم يكتبوا جيدا عنها. ويرى العلايلي أن نجيب محفوظ كان أكثر الكتاب مصداقية في الكتابة عن ثورة يوليو بشكل موضوعي ولو أنه كان «بيخاف شوية» في فترة عبد الناصر- على حد قوله- مؤكدا أنه في عهد جمال عبد الناصر كانت كل الناس «بتخاف» وكان هذا الخوف هو أحد أسباب عدم الكتابة بصورة حقيقية عن الواقع. وأعرب عن أمنياته بأن يكون هناك عمل سينمائي كبير يعبر عن هذا الحدث التاريخي المفصلي في التاريخ المصري وهي مهمة تقع على عاتق الأدباء والمنتجين.
وإذا كان فنانون يرون أن سينما أديب نوبل نجيب محفوظ من أكثر المواد التي تناولت ثورة يوليو من عدة زوايا بما فيها السلبيات والإيجابيات، فإن ابنته هدى نجيب محفوظ لها رأي خاص في هذا الصدد، وقالت لـ«المجلة»: «إن أبي لم يكن ناصريا ولا يوجد أحد في العائلة ناصري، وكان ينتقد ثورة يوليو في كتاباته  وقدم أعمالا كثيرة في هذا الاتجاه وتحولت إلى أفلام شهيرة، منها (الكرنك) وهو عمل ما كان من الممكن أن يقدم على شاشة السينما لولا الرئيس أنور السادات الذي وافق على تقديمه. كما أن الرئيس جمال عبد الناصر سمح في أواخر حياته، وخاصة بعد نكسة يونيو بتقديم عمل مثل (ميرامار)».
وعن تغير موقف أفلام نجيب محفوظ من ثورة يوليو وانتقادها بعد أن قدم أفلاما تمجد لها في مرحلة سابقة، قالت هدى نجيب محفوظ: «عندما تناول والدي الثورة في البداية كان يكتب من باب الإعجاب بمبادئها والآمال والأحلام المعقودة عليها لتحقيق الديمقراطية، ولكنه صدم فيها عندما فوجئ بعدم تحققها على أرض الواقع فبدأ ينتقد الممارسات الخاطئة التي تسببت في هذا الإخفاق واستعان بالرمزية في كتاباته كما فعل في رواية أولاد حارتنا».



مشهد من فيلم «الأرض»



وأضافت هدى محفوظ أن والدها كان يعلم أن الأفلام التي تقدم على الشاشة بما فيها أفلام الثورة كانت تتضمن تغييرات كبيرة عن كتاباته وكان يتفهم ذلك جيدا ويعي الأسباب التجارية الكامنة وراء هذا التغيير لذلك كان يقول دائما «لا تحاسبوني على أفلامي ولكن حاسبوني على كتاباتي»، فمن يريد أن يعرف ما كتبه عن ثورة يوليو عليه أن يقرأ كتبه لا أن يشاهد أفلامه، لأنه لا يعتبرها معبرة بصدق عن رؤيته ورأيه في ثورة يوليو.
من ناحية أخرى هناك من يرى أن أفلام ثورة يوليو أو بعضها جاء مجاملة لرجال الثورة وقياداتها، وهو ما أكده الناقد الفني طارق الشناوي في تصريحاته الخاصة لـ«المجلة»، حيث قال إن ثورة يوليو حينما قامت كان رجالها يركزون على السينما «وعيونهم عليها» وطالب محمد نجيب بمنع الرقص في الأفلام وعقدوا اجتماعا وأصدروا بيانا وقتها بهذا المعنى، وفي المقابل أخذت السينما تنافق رجال الثورة لدرجة أن بعض الفنانين كانوا يحرصون على ارتداء الملابس «الكاكي» وهو نفس لون ملابس العسكريين لإظهار تأييدهم. كما ظهرت أعمال فنية تم إقحام الثورة فيها وإظهار تأييدها بشكل صارخ، منها فيلم «يسقط الاستعمار» و«اللص». بل إن اسماعيل ياسين نفسه أضاف مونولوج في أحد أفلامه بعنوان «20 مليون وزيادة»، والغريب أن هذا المونولوج يعكس عدم القدرة على إيجاد اسم معين لما حدث في مصر آنذاك هل هي ثورة ام حركة مباركة أم انقلاب، ولذلك نجد إسماعيل ياسين يقول في المونولوج: «الجيش ونجيب عملوا ترتيب» ولم يقل عملوا ثورة! وطبعا بعد قيام الثورة لم يسمح بظهور صورة الملك فاروق كما تم التركيز على انتقاد العهد الملكي وإبراز مساوئه. ومن هذه الأفلام مثلا «الأيدي الناعمة» لتوفيق الحكيم، كما تم إقحام الفكر الاشتراكي والدعاية للثورة في الأفلام بما فيها الأفلام الرومانسية والدرامية فنجد في فيلم «موعد مع الحياة» الذي قامت ببطولته فاتن حمامة وشادية، يكرس لفكرة زواج ابن الجنايني أو ابن العامل البسيط من بنت الباشا وهي نفس الفكرة  في فيلم «رد قلبي» لكننا لم نجد فيلما يعمل على تحليل ثورة يوليو والتعمق فيها حيث لم يكن يجرؤ على ذلك أي أحد في  تلك الفترة. ولم يحدث تغير في اتجاه هذه الأفلام إلا بعد أن سمح عبد الناصر بفتح الباب قليلا بعد نكسة يونيو، لذا ظهر فيلم مثل «شيء من الخوف» بطولة محمود مرسي وشادية، وفيلم «القضية 68» ويبدو من اسمه تاريخ إنتاجه وفيه تم كسر بعض التابوهات حيث تناول الاتحاد الاشتراكي الذي كان يعد من المقدسات في تلك الفترة وانتهى به الأمر لتأجيره مفروش!
وأضاف الشناوي أن الرئيس السادات كان صاحب الفضل في السماح والموافقة على ظهور أفلام مثل «الكرنك»، مؤكدا أن خلاصة تأمل سينما الثورة هو أنه لا توجد أفلام قدمت الثورة بشكل عميق واقتصر بعضها إما على تمجيد ثورة يوليو أو على انتقاد رمزها وزعيمها جمال عبد الناصر بعد رحيله.



مشهد من فيلم «شيء من الخوف»