دعوة «حياد لبنان» تتفاعل محلياً ودولياً

حزب الله يواجه البطريركية المارونية برداء «مذهبي»
* «حياد لبنان».. دعوات البطريرك الراعي تصطدم بـ«لاءات الممانعة»... وباسيل يحيّد حزب الله
* الراعي: دخولنا في أحلاف سبب لنا عزلة تامة والحياد وحده مصدر الاستقرار
* المجلس الشيعي يرد على البطريرك الراعي: مستعدّون أن ننحت من ‏الصخر قوتاً ولن نمرّر صفقة بيع البلد
* مصطفى علوش: دعوة الراعي جدية وواعية للمخاطر، لكنها لن تلقى آذاناً صاغية لدى المعنيين أي حزب الله
* نبيل بومنصف: حزب الله وضع مرجعيتين دينيتين بمواجهة بعضهما البعض وهذا له انعكاسات خطيرة
* ماريو عون: «تخطي» حزب الله بمسألة الحياد يعني جرّ البلاد إلى ورطة أمنية وعسكرية وسياسية لا تحمد عقباها

بيروت: لا تزال الصرخة التي أطلقها البطريرك الماروني بشارة الراعي في عظته يوم 5 يوليو (تموز) الحالي بدعوته إلى «حياد لبنان» ومناشدته رئيس الجمهورية ميشال عون التدخّل لرفع الحصار عن الشرعية والقرار الوطني الحر وتطبيق القرارات الدولية، وعدم إقحامه في الصراعات الإقليمية وإلحاقه بركب المحاور، لا تزال تتفاعل محلياً وتلقى اهتماماً دولياً وعربياً. إلا أنه يبقى مصير هذه الدعوة مجهولاً في ظل استمرار الانقسام بشأنها على حاله، تبعاً للاصطفافات السياسية، وفي ظل صمت مطبق من قبل حزب الله.
وفيما تتجه الأنظار إلى ما ستنتجه زيارة الراعي إلى الفاتيكان قبل نهاية الشهر الحالي، جدّد البطريرك موقفه، الاثنين الفائت، ‏بقوله إن «دخولنا في أحلاف سبب لنا عزلة تامة، والحياد وحده مصدر الاستقرار».‎‎
وأكد الراعي أن «الحياد وحده مصدر الاستقرار والازدهار ويعيد للبنان دور الجسر بين الشرق والغرب».

 




مصطفى علوش


في هذا السياق، أكد عضو المكتب السياسي في تيار المستقبل، النائب السابق مصطفى علوش، في حديث لـ«المجلة»أن «البطريركية المارونية هي أكثر طرف معني بوجود لبنان، لأن لبنان تأسس على أساس سعي البطريرك إلياس الحويّك، وعملياً فكرة لبنان والموارنة والمسيحيين في الشرق مترابطة بعضها ببعض، وبالتالي إحساس البطريرك والكثير من اللبنانيين بأن فكرة لبنان بحدوده وتركيبته أصبحت بالفعل في خطر من أن تنفجر في أي لحظة بسبب الوضع القائم، لذلك جاءت صرخة الراعي ودعوته للحياد».
ورأى علوش أن «دعوة الراعي جدية وواعية للمخاطر، لكنها في الوقت نفسه لن تلقى آذاناً صاغية لدى المعنيين، أي حزب الله»، مشيرا إلى أن «صمت الأخير يترجم بسبب الإحراج الكبير الذي تسبب به كلام الراعي»، مشيرا إلى أن «الحزب في مرحلة من المراحل استطاع استدراج جزء من المسيحيين لا سيما التيار الحر، وفي بعض الأحيان استدرج أيضا قوى مسيحية أخرى خاصة في معركته ضد داعش، إذ اعتبره البعض ضمانة للقضاء على التطرف الإسلامي»، وتابع: «لكن في هذه اللحظة بدأ التيار الحر يستشعر الخطر بسبب الضغوطات وتدهور الوضع الاقتصادي، مع العلم أن جزءا كبيرا من مصالح التيار العوني ليست موجودة مع إيران، إلا أن التيار غير قادر على رفع الصوت ومواجهة البطريرك، لكن قد يخرج أمين عام حزب الله حسن نصر الله بالتأكيد على سلاح المقاومة دون التوجّه بشكل مباشر للراعي».
 
حملات ضد الراعي
وكان اللافت، اتخاذ الانقسام الحاصل حيال طرح الراعي، طابعاً سلبيا حادا، بعدما بدأ يستقطب مروحة واسعة وعابرة للطوائف من التأييد. وبدا ‏واضحاً أن المؤشرات السلبية الأولية لمواقف بعض الفئات من هذا الطرح راحت تتطور ‏في الساعات الأخيرة في اتجاه تصعيد الحملة على الراعي وطرحه، خصوصاً بعدما مضى ‏البطريرك الماروني في تأكيد تمسّكه بهذا الطرح منادياً بالتعامل معه من منطلق مبدئي ‏وتاريخي أولاً ومؤيداً بقوة فكرة إطلاق الحوار حوله، إذ سجلت الأيام الأخيرة تطورات على صعيد تنظيم حملات احتواء للطرح، ومن ثم تصعيد حملات تستهدف البطريرك شخصياً من قبل الجيش الالكتروني لحزب الله على مواقع التواصل ‏الاجتماعي من جهة، ومن جهة ثانية تكليف حزب الله مرجعيات دينية (شيعية) للتصدّي المباشر وبمواقف حادة جداً ‏لطرح الراعي وتصويره على أنه يستهدف مذهبا بعينه. وهو ما يطرح تساؤلات حول مصير هذه الدعوة في ظل هذه الأجواء الانقسامية الحادة.
 
حزب الله يضع المرجعية الشيعية بمواجهة الراعي
وعلى الرغم من استثناء البطريرك الراعي التزامه بالإجماع العربي الداعم لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة من جهة وبالصراع مع إسرائيل من جهة ثانية، اكتسب الموقف الهجومي الحاد الذي شنّه، يوم الاثنين الفائت، المفتي الجعفري ‏الشيخ أحمد قبلان، باسم «الشيعة كأكثرية مكوّنة»دلالات خطيرة، إذ اتسم بنبرة مذهبية ‏خالصة من دون تحفّظ، كما أوحى بأنه «الرد البديل»للفريق النافذ المعروف. ففي موقف ‏أشدّ تصلباً من الدعوة البطريركية الى حياد لبنان، قال الشيخ أحمد قبلان: «إن الحقيقة ‏الوحيدة التي نؤمن بها هي: لبنان بلد لأهله وناسه وكل مكوّنيه، لكنه بلد مقاوم لا يقبل أن ‏يكون فريسة للصهاينة أو الأميركيين أو أقنعتهم»، معتبراً أن «المائة سنة الماضية لم تكن ‏صحية للبنان واللبنانيين الذين كانوا يتوقون إلى لبنان الوطن والدولة والمواطن، ولم ينفعنا ‏في يوم من الأيام مجلس الأمن ولا الأمم المتحدة، وخصوصاً عندما كنا نُقتل أمام أعينهم ‏وأعينكم، فلا تتكلّفوا العناء في الذهاب والإياب».
وأضاف:«نحن أمّ الصبي وتاريخنا من القرون الماضية أكبر دليل على بذلنا في سبيل هذا البلد. ولذلك نحن مستعدّون أن ننحت من ‏الصخر قوتاً ولن نمرّر صفقة بيع البلد. وعلى البعض أن يتذكر أن زمن عودة المارد للقمقم ‏صار في خبر كان».

 




نبيل بو منصف


 
ولكن بعدما وصلت ردود الفعل إلى حد التهديد والترهيب، هل يتراجع الراعي عن موقفه؟
رأى نائب رئيس التحرير في صحيفة «النهار»، الصحافي والمحلل السياسي نبيل بومنصف، في حديث لـ«المجلة»أن «دعوة الراعي لن تلقى صدى، فالمكتوب واضح من عنوانه بدليل ردود الفعل عليها، وهو ليس أمرا مفاجئا، لأن هذا الطرح يؤثر على القوى الممسكة بالقرار السياسي في لبنان، خصوصا حزب الله»، لافتا إلى أن «الاستقطاب العابر للطوائف يزعج حزب الله، ولذلك بدأت تظهر تداعيات ذات طابع مذهبي بدلا من أن تكون ذات طابع مبدئي».
وأشار بومنصف إلى أنه كان يتمنى لو أن حزب الله ردّ بشكل مباشر على الراعي، بدلا من تكليف المجلس الشيعي الأعلى لهذه المهمة، عبر وضع مرجعيتين دينيتين بمواجهة بعضهما البعض، وتابع أن «هذا الأمر ستكون له انعكاسات سيئة، مع العلم أن طرح الراعي أمر مبدئي وما كان سيترجم في القريب العاجل».
أما الأسوأ من هذا الأمر، بحسب بومنصف فهو قطع الطريق على الراعي باعتبار أنه يمنع منعا باتا التعرّض لمحرمات من هذا النوع في لبنان، وهو الأمر الذي أظهرته دعوة الراعي مؤخرا، مشيرا إلى أنه «إذا بدا أنه مجرّد التعرّض أو المس بسلاح حزب الله، فإن الأخير جاهز لافتعال أزمة طائفية وليس فقط على الصعيد السياسي، وهو ما يجري اليوم».
إلى ذلك، رأى بومنصف أن دعوة الراعي لن تنتهي هنا، نظرا لإصراره على موقفه، لا سيما بعد ما لمس تأييدا وتمسكا واسعا بمبدأ الحياد وبناء دولة أحادية الطرح وحماية لبنان من الصراعات القائمة».
وعن هدف الراعي من إطلاق هذه الصرخة في الوقت الراهن، قال بومنصف إن «ثمة خوفاً كبيراً من توظيف لبنان المنهك في المزيد من الصراعات السياسية في المنطقة ودفعه المزيد من الثمن نتيجة لهذه الخيارات»، مشيرا إلى أن هذا الخوف مبرر جدا والراعي ليس وحده قلقا على مصير لبنان، فالراعي ترجم مخاوفه عبر طرح موضوع الحياد لعلّ وعسى من خلال مشاورات مع قوى سياسية محلية وكذلك مشاورات دولية لا سيما الفاتيكان»، كاشفا أنه «قريبا سوف نسمع تأييداً لطرح الراعي من قبل وزير الخارجية الفرنسي في لبنان إذ تتمسك فرنسا بمبدأ النأي بالنفس، والحياد يصب في السياق نفسه لكنه متطور أكثر وذو مفهوم أوسع».
وتأسف بومنصف من «الرد على البطريرك باللغة المعتادة والتي تجرف البلاد إلى أماكن خطيرة، عبر اعتماد الأسلوب الترهيبي ومن ثم إرغامه على التراجع خوفا من الوقوع في فتنة مذهبية».
وختم بومنصف بأن «لبنان اليوم يمرّ بأسوأ أزمة في تاريخه الحديث، لم يشهد لها مثيل حتى في زمن الوصاية السورية»، مشيرا إلى أن «لبنان لطالما مرّ بأزمات إلا أنه لم يكن معزولا إلى هذه الدرجة، فهذه المرة لا وجود لوصاية ولا لاحتلال، هناك إرادة ذاتية داخلية وقوى محلية ذاتية»، لافتا إلى أن «ميزان القوى المختل الذي يضع يده على السلطة اللبنانية اليوم ويصفي حساباته مع محاور إقليمية ودول هو السبب الأساسي للوضع الحاصل في لبنان، وبالتالي ما من أحد مستعد لوضع لبنان كأولوية، ونحن مهددون اليوم بأن نترك لمصيرنا وبالحد الأقصى سيحصل لبنان على مساعدات إنسانية كي لا نجوع».
 
تبادل أدوار وتحييد حزب الله عن طرح الراعي
على الرغم من محاولات تطويق موقف الراعي من قبل ثلاثي رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة، والنائب جبران باسيل، إلا أن الراعي بقي مصرا على موقفه عبر تأكيد أن حياد لبنان هو الباب الوحيد لخلاصه، إذ بدا واضحا التناغم في مواقف عون ودياب وكذلك باسيل، بالدعوة إلى طرح حياد لبنان على طاولة الحوار، بحسبان أنه مادة خلافية تتطلب التوافق حولها، ما يعني بشكل غير مباشر اشتراط موافقة حزب الله على هذا الطرح. علما بأن رهان البعض على تبدّل موقف الراعي لم يكن في محله، خصوصاً أنه يحرص في لقاءاته، على تزويد موقفه بجرعات تفسيرية منعاً للالتباس.
إلا أن اللافت، كان في تصريحات باسيل عند زيارته للبطريرك الراعي في الديمان، عارضا عليه «تسهيل الحياد وليس عرقلته»مدخلا البطريرك وكل اللبنانيين من خلفه في متاهة حول تحديد مفهوم «التحييد الذاتي»و«الحياد»، إذ لم يتخذ باسيل موقفاً واضحاً وعميقاً في السياسة من خطوة بكركي، فقد أحاطها بكثير من الألغام من خلال تسويقه لعبارة «الحياد الذي يحافظ على مصادر قوة لبنان»، ويعني بذلك حزب الله وسلاحه، وهكذا يكون باسيل قد حيّد الحزب بشكل كامل عن طرح «الحياد».
في هذا السياق، رأى بومنصف أن زيارة باسيل إلى الراعي، يوم الأحد الفائت، هي محاولة لاحتوائه بدلا من الدخول معه في صدام، عبر توزيع الأدوار، لأن التيار الوطني لا يستطيع التمايز عن موقف حزب الله، مشيرا إلى أن «موقف باسيل كان مراوغا ولم يكن إيجابيا للحياد، بدليل أنه وضع شروطا يعلم سلفا أنها لن تتحقق».

 




ماريو عون


من جهة ثانية، رأى عضو تكتل «لبنان القويّ»النائب ماريو عون، في حديث لـ«المجلة»، أن «طرح الراعي منذ البداية كان محيرا، لأن حقيقة الوضع في لبنان تجعل هذا الطرح الجاذب للبنانيين غير واقعي، إذ ليس من السهل تحقيقه، ومن هنا كان كلام باسيل حول الحياد والتحييد والنأي بالنفس لأنه في الواقع طرح مطاط».
وشدّد عون على أن التيار الحر لا يرى سهولة في عملية تحقيق الحياد، لا سيما بوجود أفرقاء سياسيين يعارضونه، كالثنائي الشيعي، وخاصة حزب الله، مشيرا إلى أنه «في النتيجة ينسى البعض أنهم لبنانيون ونسيج لبناني ويمثلون أكثر من ثلث الشعب اللبناني، وبالتالي لا يمكن تخطيهم عبر تحييد لبنان، وهو ما يعني جرّ البلاد إلى ورطة أمنية وعسكرية وسياسية لا تحمد عقباها».
كما أكد عون أنه شخصياً يؤيد طرح الراعي بحياد لبنان خصوصا أنه منذ البداية تأسس على أنه بلد محايد، لذا بعد كل ما يشهده لبنان من أزمات وانهيار اقتصادي ومالي يجب تحييده ولكن الحل عبر توافق اللبنانيين جميعا لتحقيق هذه الغاية، ودون ذلك يعني الذهاب نحو مشروع فتنة يؤدي الى صراع داخلي وهذا ما لا نريده».
وأشار إلى أنه بالنسبة للتيار الحر، أن نبقى فقراء أفضل من أن نصل إلى عملية دمار وتدمير وانحلال الشعب والبلد بأكمله، ومن هنا أكد باسيل على ضرورة إجراء حوار داخلي من أجل التوصل إلى تفاهم وطني حول نداء الراعي».
وختاما، شدّد عون على أن «التيار الوطني ليس عقبة، بل على العكس نحن أكثر المسهلين لمواضيع من هذا النوع، ولكننا واعون في الوقت نفسه بأن الطرح جيد لكن تطبيقه مستحيل».