التسوية الضائعة

* قد تبدو الأسباب غير مقنعة للبعض، ولكنها بالتأكيد هي ما تكرره أوساط الحريري وما كرره هو نفسه مراراً: لا رغبة في الحرب، أي حرب... ومهما كان ثمن رفض هذه الحرب.
لكن السؤال: إن كان الحريري مقتنعاً بأن التسوية هي من حمت لبنان أو أجلت وقوعه النهائي، فلماذا قرر الانسحاب منها؟

في أكتوبر من العام 2016 أعلن رئيس تيار المستقبل، سعد الحريري، قبوله بدعم ترشيح رئيس تكتل التغيير والإصلاح آنذاك ميشال عون لرئاسة الجمهورية، ليصبح عون الرئيس رقم 13 للجمهورية اللبنانية. جاء قبول الحريري بدعم ترشيح عون بعد أكثر من عشرة أشهر على اتفاق معراب، الاتفاق الذي تم بين أكبر حزبين مسيحيين في لبنان، التيار الوطني الحر، والقوات اللبنانية، وسحب حينها رئيس حزب القوات سمير جعجع ترشحه للانتخابات الرئاسية، معلنا تأييده لانتخاب الجنرال عون رئيسا للجمهورية اللبنانية، في خطوة قيل يومها إنها جاءت كردة فعل على دعم الحريري لترشيح سليمان فرنجية، وبعد عدة جلسات فشلت فيها قوى الرابع عشر من مارس (آذار) من تأمين الأصوات الكافية لجعجع، وهذا ما نفاه جعجع لاحقا.
عرف الاتفاق بين الحريري وعون- باسيل، والذي جاء على أثره عون رئيسا، بالتسوية الرئاسية، فأنهت هذه التسوية فراغا في موقع رئاسة الجمهورية استمرلأكثر من عامين ونصف العام، ومما قاله الحريري في كلمته التي أعلن فيها قبوله ودعمه لترشيح عون: «هناك حالة لامبالاة دولية تجاه لبنان، وعلينا النظر جدياً إلى سوريا والعراق واليمن وليبيا. وأنا لم أتسلم القيادة السياسية كي يصل أهل بلدي إلى هذا المصير».
عارض كثير من اللبنانيين التسوية، حتى إن عددا من نواب كتلة الحريري نفسه رفضوا القبول بها وامتنعوا عن التصويت لصالح عون الذي لم ينجح رغم تأييد أغلب الكتل النيابية من جلسة الانتخاب الأولى في مجلس النواب. بينما قوبلت التسوية بترحيب حذر إقليميا ودوليا، كونها أنهت سنوات من الفراغ الرئاسي الذي كاد يطيح بالمؤسسات والدستور. كانت زيارة عون الخارجية الأولى بعد انتخابه رئيسا إلى المملكة العربية السعودية، في محاولة منه لإزالة الالتباس الذي ساد علاقة دول الخليج بلبنان في وقت سابق، كما ذكرت مصادر القصر الجمهوري يومها، وكعادة المملكة أعلنت أنها مع كل ما يتفق عليه اللبنانيون. لم يستمر عون وفريقه طويلا بلعب دور الحياد لصالح لبنان، فسارع لاحقا ليعلن جبران باسيل صهر الرئيس ووزير الخارجية انحياز العهد الكامل لمحور إيران المعادي للدول العربية.
استمرت هذه التسوية إلى ما بعد انطلاق «حراك 17 تشرين الأول»، أي ما يقارب الثلاث سنوات، خسر خلالها الحريري الكثير من رصيده الشعبي كما خسر عددا كبيرا من مقاعده في مجلس النواب، بعد أن جرت انتخابات بعد تأجيل وتمديد لمرتين، لتتم عبر قانون انتخابات هجين أعطى حزب الله الأكثرية.
وحتى بعد استقالته من رئاسة الحكومة، بعد أسبوعين على انطلاق المظاهرات في مختلف المناطق اللبنانية، لم يعلن سعد الحريري استقالته من التسوية ولم يعلن انسحابه من الاتفاق الذي تم بينه وبين عون- باسيل، بل حاول المحافظة على الحد الأدنى من التوافق مع رئيس الجمهورية، وحفظ «خط الرجعة»، إلى أن أتت الذكرى الخامسة عشرة لاغتيال والده الرئيس رفيق الحريري في شهر فبراير (شباط)، فجاءت كلمته بالمناسبة بمثابة نعي للتسوية وإعلان  القطيعة مع العهد.
حتى اليوم، وبعد مضي أشهر على نعي الحريري للتسوية، لا يزال قسم كبير من الللبنانيين يحملونه تبعات هذه التسوية ويعتبرونه المسؤول الأول عن وصول عون إلى الرئاسة، وإن كانت الوقائع تثبت أنه كان آخر من قبل بتأييد وصول عون للرئاسة، ولكن هذا لا يعني أن الحريري بريء مما وصلت إليه الأمور.
بعيدا عن الكيدية السياسية التي تريد إلقاء كامل مسؤولية ما وصل إليه لبنان على إرث رفيق الحريري السياسي أولا، وعلى نجله الرئيس سعد الحريري ثانيا، متجاهلين بشكل كامل حقبة الوجود العسكري السوري في لبنان، ومغامرات حزب الله الداخلية والخارجية وتجاهله لمصالح لبنان واللبنانيين، إلا أن الحريري الابن أخطأ في إدارة الكثير من الملفات، وقد تكون البداية من رضوخه لاتفاق معراب وقبوله بترشيح عون، مرة بحجة «هذا ما اتفق عليه المسيحيون»،وكأن موقع رئاسة الجمهورية والذي هو موقع مسيحي، لا يمثل إلا المسيحيين، ومرة أخرى بحجة «المهم أن ينتهي الفراغ»، مرورا بقبوله بقانون انتخابات كانت نتائجه معروفة سلفا، وأيضا بحجة أن «المسيحيين»يرون أن هذا القانون هو الذي يحقق لهم صحة التمثيل، وأن لبنان أمام خيار إما السير بهذا القانون وإما لا انتخابات، وصولا إلى سكوته (بأفضل الأحوال) عن ممارسات جبران باسيل.
استمر الحريري لسنوات يكرر أنه «أم الصبي»وأنه مستعد لتقديم كل ما يملكه من التنازلات للحفاظ على السلم الأهلي والمحافظة على اتفاق الطائف، وكي لا يتحول الوضع في لبنان إلى ما يشبه الوضع في البلدان المجاورة، وتحديدا سوريا والعراق. وكان زعيم الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط يجاريه بل ويسبقه أحيانا بخطوة إلى التسويات، ومجددا كانت الذريعة هي السلم الأهلي، وحساسية الجبل والتعايش الدرزي المسيحي، والمحافظة على مصالحة الجبل التاريخية.
فهل نجح الرجلان؟ مما يعيشه لبنان اليوم، يبدو أنهما فعلا قد نجحا بتأجيل هيمنة حزب الله المطلقة على لبنان بشكل تام ونهائي، ولكن هل كان نجاحهما ليستمر لو استمر الحريري بالتسوية، واستمر جنبلاط بدعمه لخط الاعتدال التسووي الذي يمثله الحريري؟ 
منذ استقالة الحريري يعيش لبنان أزمة هي الأسوأ بتاريخه، وأسوأ ما فيها هو غياب أي أفق للحل. 
مع حكومة كحكومة حسان دياب، بات حزب الله يسيطر على مواقع ومفاصل كان من الصعب أن يحصل عليها بسبب المحاصصات الطائفية والحزبية، وما يحصل عليه حزب الله مرة لن يتخلى عنه لاحقا، ومثالثة اتفاق الدوحة مثال حي يعيشه اللبنانيون عند كل استحقاق حكومي.
مفاصل أساسية مرت على لبنان منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، قد تكون الدافع الأساسي وراء نهج التسويات الذي اتبعه الرجلان، بداية بسلسلة الاغتيالات والتفجيرات التي طالت قيادات في قوى الرابع عشر من آذار، مرورا بالسابع من أيار واجتياح ميليشيا حزب الله للعاصمة بيروت والجبل وما نتج عنه من سقوط شهداء وإحراق مؤسسات إعلامية، وما انتهى إليه ذلك اليوم المشؤوم بالتوصل إلى اتفاق الدوحة وتنصل حزب الله ومعه حلفاء بشار في لبنان مما يفرضه عليهم هذا الاتفاق، إلى مصالحة الكويت التي نادى بها الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز واتفاق السين سين (السعودية سوريا) وتنصل الأسد منه، وأخيرا وليس آخرا ما آلت إليه الأوضاع في سوريا، دون أن ننسى أن ذلك حصل فيما كانت القوة الأكبر في العالم أي الولايات المتحدة الأميركية في عهد أوباما تفاوض الإيراني وتدفع له سلفا من دماء ومصالح دول المنطقة وشعوبها، وما اتفاق الكيماوي الذي حصل في سوريا إلا مثال صارخ على هذا الأمر.
قد تبدو الأسباب غير مقنعة للبعض، ولكنها بالتأكيد هي ما تكرره أوساط الحريري وما كرره هو نفسه مراراً: لا رغبة في الحرب، أي حرب... ومهما كان ثمن رفض هذه الحرب.
لكن السؤال: إن كان الحريري مقتنعاً بأن التسوية هي من حمت لبنان أو أجلت وقوعه النهائي، فلماذا قرر الانسحاب منها؟