قضايا التحرش تعيد الجدل للشارع المصري

شكاوى وجرأة في مناقشة المسكوت عنه
* المجتمع الذكوري يعزز من التجاوزات ضد المرأة منذ الصغر
* الأمية والفقر والجهل وسوء التنشئة الاجتماعية من العوامل المسببة للظاهرة 
* الدراما والتعليم الضعيف من أسباب تناول العلاقة بين الشاب والفتاة بشكل غير لائق
* الأعمال الدرامية الهادفة تحاول توصيل رسائل مهمة للمجتمع وإزالة المفاهيم الخاطئة، والأعمال السيئة تزيد الأمر سوءاً
* الأسرة والتعليم، وبناء الإنسان وسيادة القانون أسس مهمة لمناهضة التحرش

* الأزهر يطالب بدعم ضحايا الاعتداءات الجنسية وتشجيعهن على الشكوى من أي تجاوزات
* الآثار النفسية المترتبة على التحرش مؤلمة ويمتد تأثيرها النفسي على المتحرش به، خصوصاً الفتيات، إلى مجموعة من الاضطرابات النفسية المختلفة
* ظهور التيارات الإرهابية التي فرضت الوصاية على المجتمع ونشر التدين الظاهري أدى إلى تجريف المجتمع من الأخلاق والأصالة
 
 

القاهرة:  فتحت عدد من قضايا التحرش الجنسي الباب مجددا لحالات جدل واسعة في مصر حول تنامي هذه الظاهرة بعد ظهور عدد من الوقائع المشينة التي تم تداولها في أروقة الرأي العام لأشخاص وحالات فردية أخذت زخما إعلاميا خاصة على وسائل التواصل الإعلامي، وحركت المياه الراكدة خاصة مع حساسية الحديث عن مثل هذه القضايا في واحد من المجتمعات العربية التي تتمتع فيها المرأة بحصانة أسرية واجتماعية ودينية من واقع ثقافة ممتدة عبر التاريخ تم انتهاكها من قبل بعض النماذج السيئة التي تأثرت للأسف بواقع إعلامي هزيل، وتداول للأخبار- سواء الصحيحة أم الخاطئة- بشكل سريع جدا، وتضارب معلوماتي في زمن أصبحت فيه «الفبركات»صناعة ولها متخصصون.
وقائع التحرش الأخيرة تم ربط بعضها بعدد من المشاهير من الفنانات خاصة بعد ظهورهن من خلال «السوشيال ميديا»للتشهير بالمتحرشين، وكذلك الحديث عن بعض الشخصيات العامة أحدهم من العاملين في الوسط الأدبي، بعد شكوى بسبب تعرضهم لعدد من النساء المتعاملات معه، وشكاوى ضد آخرين بعضهم استغل مهنته في القيام بالتحرش، مما دفع الكثيرين للشكوى من أمثلة تعرضن لها وبعضها مر عليها وقت طويل ومن بينهم حالات لأطباء ومدرسين ومدرسات.
 
إجراءات جنائية
فيما كشف النقاب عن قضية تحرش طالب بالجامعة الأميركية بأكثر من 100 فتاة وسيدة عن طريق الابتزاز بعد تداول وسائل التواصل الاجتماعي القضية وتعدد البلاغات في هذا النوع من القضايا، مما أثار حفيظة المجتمع فقامت الحكومة المصرية بتعديل قانون الإجراءات الجنائية في الجرائم التي تباشرها الهيئات القضائية مثل هتك العرض وفساد الخلق والتعرض للغير والتحرش، للحفاظ على سرية أقوال المجني عليهن، حيث فرض عقوبة الحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر أو بغرامة لا تتجاوز خمسمائة جنيه مصري، لكل من أفشى أمورا خاصة ببيانات وأقوال المجني عليهن.
وعللت الحكومة سبب التعديل إلى حماية سمعة المجني عليهن، من خلال عدم الكشف عن شخصيتهن في الجرائم الواردة في قانون العقوبات وقانون الطفل، خشية إحجام المجني عليهن عن الإبلاغ عن تلك الجرائم. 
وتتمثل فلسفة المشرع في تعديل التشريعات في ضوء مواكبة المستجدات التي تطرأ على المجتمع، ورصد المتغيرات التي أفرزها الواقع العملي والحالات التي تحول دون الكشف عن الجرائم والوصول إلى مرتكبيها.
وأكدت النيابة العامة في بيان لها، أنها تجري تحقيقاتها مع طالب الجامعة الأميركية المتهم بالتحرش بالفتيات بعد ضبطه من قبل قوات الأمن، وتحرير محضر ضده في واقعة اتهامه بالاعتداء على فتيات رغما عنهن، معلنه عدم تلقيها أيَّ شكاوى رسمية أو بلاغات ضد المذكور من أي شاكية أو متضررة منه، سوى شكوى واحدة من إحدى الفتيات قدمتها عبر الرابط الإلكتروني الرسمي؛ لتقديم الشكاوى إلى النيابة العامة؛ والتي أبلغت فيها عن واقعة تهديد المشكو في حقه لها خلال نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2016، لممارسة الرذيلة معها، وجارٍ اتخاذ اللازم قانونًا بشأنها.
وذكرت النيابة في بيان لها أن وحدة الرصد والتحليل بإدارة البيان بمكتب النائب العام تابعت عن كَثَب خلال الأيام المنقضية وحتى تاريخه ما تداول بمواقع التواصل الاجتماعي بشأن الطالب المذكور، وتتخذ الوحدة إجراءاتها بالفحص والرصد والتحليل تمهيدًا لعرض الأمر على المستشار حمادة الصاوي النائب العام لاتخاذ ما يلزم قانونًا.
 
تفاعل من الأزهر
 وسائل التواصل الاجتماعي اكتظت بالعديد من الوقائع واتهامات لمتحرشين سواء بشكل صريح لبعض الأمثلة أو «تلميحا»لعدد من الشخصيات، ورغم حديث بعض الشخصيات الدينية عن مسؤولية ملابس المرأة عن موضوع التحرش إلا أن الأزهر تفاعل مع القضية من خلال جريدة «صوت الأزهر»التي عنونت عددها بهاشتاغ «طمئنوا بناتكم»والتي طالب فيها عدد من علماء الأزهر بدعم ضحايا الاعتداءات الجنسية وتشجيعهن على الشكوى، وعدم الصمت على هذه الجرائم التي تهدد أمن المجتمع وتشجع على انتهاك الأعراض والحرمات، وأن ملابس المرأة ليست مبررا للاعتداء على حريتها وخصوصيتها وكرامتها، وطالبوا بالعقاب الرادع والدعم القانوني والثقافة الدينية والوازع الأخلاقي والحوار داخل الأسرة ووقف الترويج الإعلامي للتحرش والمتحرشين.

 




جانب من مظاهرة في القاهرة ضد التحرش الجنسي في مصر يوم 6 يوليو 2012

 


 
 
مجتمع ذكوري
الدكتورة عزة فتحي أستاذة مناهج علم الاجتماع بجامعة عين شمس قالت لـ«المجلة»: «سبب هذه الظاهرة التربية في الأساس لهذا الشخص المتحرش من قبل امرأة تعيش داخل مجتمع ذكوري يكرس ويرسخ لمفاهيم الذكورة، فما زال حتى هذه اللحظة بعض الأسر- ليس في القرى والصعيد فقط ولكن في القاهرة أيضا- ترسخ لأن الذكر (سوبر) وأنه لا بد أن يمتلك كل شيء، وله اليد العليا على المرأة، ومن هنا يأتي سوء التربية داخل الأسرة الواحدة بتفضيل (الذكر) على (الأنثي)، فمن الممكن أن يقوم الولد الصغير بضرب أخته الأكبر منه، لأنه تربى على هذا الأمر بأن كل شيء بالنسبة له مباح في حين أن الفتاة لا يحق لها فعل ما يفعله أخوها، وتعتبر بعض الأسر وفق ثقافة خاطئة أن الفتاة (درجة ثانية) بعد أخيها».
وتابعت: «وفقا لأسس التربية الخاطئة لدى البعض فإن الرجل حينما يكبر يقوم بمعاملة زوجته بنفس الطريقة، والفتاة عندما تكبر تصبح ضعيفة الشخصية، وحتى إذا حاولت فرض شخصيتها يكون ذلك من خلال الانتقام مما حدث فيها طوال سنوات تنشئتها، وفي نفس الوقت- وللأسف- تربي ابنها بنفس تربية شقيقها، وتؤدي عملية القهر المستمرة لسوء عملية التربية واختلال الشخصية فيما بعد، ولا يشترط فقط موضوع تعرض الأنثى للضرب من قبل شقيقها في الصغر، ولكن هناك بعض الأسر تربي أبناءها للأسف على أحقيته في (معاكسة) الفتيات، والتحرش، بل وفعل ما يريده، وفي المقابل لا تقوم الفتاة بعمل ما تريده، ومثلا إذا تم طلاقها فهذا يعتبر لدى بعض الأسر (عارا)، وإذا تزوجت مرتين فإن ذلك أيضا يعد غير مرغوب فيه، وإذا وصلت لسن العنوسة فهذا يعد- وفق منظور البعض- شيئا سيئا جدا، وفي المقابل فإن ثقافة الذكورة لا تطلق مثل هذه التسميات على الرجل ولا تعامله بالمثل عند تعرضه لمثل هذه المواقف، فالرجل الذي لا يتزوج يعتبر (أعزب)، فالثقافة الذكورية تسيطر على عقول البعض ممن يربي النشء ولا بد أن تتغير».
 
ترويج للخرافات باسم الدين
وأضافت الدكتورة عزة فتحي: «هناك عوامل كثيرة للأسف كرست لمثل هذه الثقافة الذكورية ومن بينها الدراما والتعليم الضعيف الذي لم يتناول العلاقة بشكل صحيح بين الشاب والفتاة، أو حقوق المواطنة الصحيحة بالنسبة للمواطن سواء الرجل أو المرأة. وبصرف النظر عن الجنس أو الديانة أو العرق، وهناك عامل مهم أيضا يتعلق بالتربية الدينية التي لم تهتم بالمعاملات بشكل كاف بين الجميع، رغم أن الأديان جميعا والدين الإسلامي بشكل خاص حث على قضية المعاملات، وكان من بينها أخلاقيات الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، في التعامل مع المرأة، وكذلك تعامله مع جيرانه من اليهود والمسيحيين، وتجاهل البعض هذا الأمر وتم التركيز على أشياء أخرى، ولا شك أن بعض الثقافة الدينية الخاطئة لا زالت مترسخة ليس في مصر وحدها، بل في بعض القرى والمدن، ولكن أيضا في بعض الدول العربية، وهذا يتم باستغلال الأمية والفقر والجهل وسوء التنشئة الاجتماعية لتمرير بعض الخرافات التي ترتبط للأسف بالدين سواء الإسلامي أو المسيحي، والترويج لهذه الخرافات لتحقيق مآرب انتخابية لدى البعض، ولا شك أن مؤسسات التنشئة الاجتماعية لم تقم بدورها على الوجه الأكمل».
 الإعلام يعد من العوامل التي تسببت في تنامي ظاهرة التحرش في المجتمع- والحديث لا يزال للدكتورة عزة فتحي لـ«المجلة»- حيث لا يمتلك أجندة أو آيديولوجيا، وحتى من يهاجمونه أو يدافعون عنه لا يمتلكون الأدوات المناسبة لذلك ويكون النقاش غالبا متهرئا ويغلب عليه «الصوت العالي»و«ليّ الحقائق»،والانتقاص من شيء لصالح نقيضه، وفي المقابل هناك بلا شك أعمال درامية هادفة تحاول توصيل رسائل مهمة للمجتمع، وتحاول تغيير المفاهيم الخاطئة، ولكن يقابلها أعمال أخرى كثيرة توصل رسائل سلبية لها آثار مدمرة للمجتمع، فعلى سبيل المثال ظهرت أعمال درامية ترسخ من ظاهرة التحرش، حيث أظهرت على سبيل المثال مديرا يتحرش بموظفة أو سكرتيرة، وكذلك تصوير المرأة على أنها السبب في ذلك، وأعمال أخرى تتحدث عن الدعارة، وترسخ لهذا الأمر بشكل قميء».
 
بناء الإنسان وسيادة القانون
وتابعت الدكتورة عزة فتحي: «الأساس هو الأسرة والتعليم، وبناء الإنسان وسيادة القانون، والتعليم ليس مجرد تكنولوجيا، ولكن كيف تنشئ مواطنا صالحا، له مواصفات معينة بحيث يكون قوي الصحة والبنيان من خلال ممارسة الرياضة بفتح مراكز الشباب، ومتدينا بشكل صحيح وليس متطرفا، بالإضافة للمعاملات الصحيحة والسوية مع الآخرين والانتماء للدولة، واحترام المرأة شريك المجتمع، وهو ما يؤدي بدوره إلى عدم التحرش، وكذلك تدريس التربية الجنسية للأطفال، وتعليمهم أن الجسد مقدس وأن له كرامة، وتعليم كيفية التعامل بشكل لائق مع الجنس الآخر بالاحترام والتباعد، وعدم التلامس أو التقارب مع الغرباء، والتوعية بموضوع التحرش مثلما يتم في الغرب لمنع الممارسات والسلوكيات الخاطئة من بعض المرضى والمهووسين بالتحرش، وكذلك تطبيق سيادة القانون، ولا شك أن الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام، والقيام بعمليات لتعديل السلوك من قبل كل هؤلاء هو شيء مهم جدا، ولا بد أن يكون الإعلام تنمويا وتربويا وليس كله (هلس) وفرقعات وعري وسلوكيات مشينة».

 




جمل كتبتها نساء مصريات على جدار، ضمن معرض في القاهرة، 18 مايو 2007

 


 
دعوات للحرية
ومن جانيها أكدت مها أبو بكر، محامية فتاة اتهمت صاحب دار النشر الشهيرة في منطقة وسط البلد بالتحرش، على أن المجتمع المصري يعيش فترة غير مسبوقة من توفير كل ما يكفل لمساعدة الفتيات للإبلاغ عن كل ما هو مسكوت عنه في بلاغات ضد المذكور، حيث حرص النائب العام على طمأنة الفتيات عبر عدة إجراءات تماشي العصر أقلها الإبلاغ عبر خدمة «الواتساب»لمن يخشين النزول، وأخذ بلاغاتهم على محمل الجد، لافته إلى أن أهم ما في هذه القضية أن من يدعون الحرية ويتشبثون بتلابيبها لا تدرك عقولهم المغلقة كيفية التعامل مع المرأة ويعتبرونها دائمًا مفعولًا به، وأنه من حقهم التعامل معها واستخدامها.
وكانت فتاة اتهمت صاحب دار النشر الشهيرة بالتحرش بها، وأن أحداث الواقعة تعود لمدة تزيد عن عام ونصف العام، لكنها وقتها خشيت الإقدام على خطوة الإبلاغ، ومع تشجيع فتيات الشاب المتحرش الأخير وإجراءات الدولة والنيابة لتشجيع الفتيات، تشجعت ولجأت للإبلاغ، ومع تدشين هاشتاغ«ما تخافيش واتكلمي»على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»،ارتأت الفتاة أن تأخذ حقها، وقامت بتوثيق الواقعة عبر صفحتها، وتابعت أن الاتهام الموجه لصاحب دار النشر هنا هو هتك العرض، وليس مجرد التحرش، فالفرق بينهما من وجهة النظر القانونية مختلف، فالتحرش يعني التحرش اللفظي أما عندما يتطور الأمر للمس فتتحول هنا لهتك عرض والتي تختلف في عقوبتها عن الأولى حيث تصل عقوبته للحبس سبع سنوات.
فيما نشرت إحدى الناشطات في حركة الاشتراكيين الثوريين المعارضة في مصر على صفحتها في موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»منشورا اتهمت فيه عضوا في الحركة قام بالتحرش بها وقامت الحركة بالتعتيم على الواقعة ثم قاموا بفصلها من التنظيم حيث ترجع الواقعة إلى عام 2012، وذلك في الطريق إلى اجتماع قائلة: «قال لي إنه في اجتماع وهيعدي علي ياخدني بالعربية، وبالفعل ركبت العربية معاه واعتدى علي جنسيا، وصرخت وبهدلت الدنيا وميكروباص معدي سمعنا فده خلاه يمشي بعدها».
 
المعارضة في صفوف التحرش
ومن جانبها ردت حركة الاشتركيين الثوريين قائلة: «تابعت الحركة بكلِّ أسف ما نشرته عضوة سابقة حول اعتداءٍ جنسي تعرَّضت له على يد أعضاء التنظيم في 2012. ونحن ندعم الزميلة دعمًا غير مشروط ونساندها في أيِّ إجراءاتٍ تراها مناسبة. ونؤكِّد أن المعتدي الذي ارتكب هذه الجريمة الوضيعة، ليس له علاقة بالحركة، إذ تم فصله فصلًا نهائيًا في أوائل عام 2013 على خلفية أسباب يتعلَّق بعضها بالتشهير الجنسي، فيما لم تكن لجنة القيادة بالحركة تعلم مطلقًا بواقعة الاعتداء على الزميلة حيث تقدَّمنا باعتذارٍ مباشر للزميلة، ونتقدَّم باعتذارٍ مفتوح، مؤكدين أن المعلومات التي جاءت في شهادتها لم تبلغ علم لجنة القيادة في حينها، وأنه لم يحدث أن أصدرت قرارًا بفصلها على الإطلاق، وأن من أبلغ الزميلة بذلك سيُحاسَب إن كان لا يزال ضمن عضوية الحركة، وأن لجنة القيادة الحالية قد فتحت تحقيقًا فوريًا في الأمر. لا مكان في صفوف الحركة للمعتدين والمتحرشين والمتواطئين معهم».
 
سرية بيانات المجني عليهن
ومن جانبها، كشفت الدكتورة مايا مرسي، رئيسة المجلس القومي للمرأة، أن هناك عددا من الفتيات بدأوا بالتواصل مع مكتب الشكاوى بالمجلس لتقديم البلاغات وسرد أحداث في قضية التحرش بهن على مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أن هناك ضرورة لتشجيع ومساندة هؤلاء الفتيات، مشددة على الأسر المصرية بضرورة مساندة بناتهم من أجل حقوقهن، وأن المجلس يحاول طمأنة الفتيات في مثل هذه القضايا، مشيرة إلى أن بعض البنات يخفن تقديم بلاغات من التشهير والهجوم عليهن، وهذا سبب غير منطقي، لكي يتم انتهاك خصوصية البنات وأعراضهن على وسائل التواصل الاجتماعي على «إنستغرام»ألا تعتبر هذه جريمة وتجب مواجهتها بالقانون؟
وأكدت مرسي على أن التعديل التشريعي الذي صدر مؤخرا من الحكومة المصرية والذي يضمن سرية بيانات المجني عليهن سيساهم في مواجهة التحرش، لأنه من المهم جدًا أن تضمن الفتيات أنهن في حالة تقدمهم بأي بلاغ لن يتم ذكر أسمائهم، لأنه ميثاق أخلاقي، مشددة على الأسرة المصرية أن لا تهدر كرامة الفتاة أمام البنين وتوعي النشء باحترام حقوق الفتيات، حتى نستطيع التخلص من النظرة السلبية التي تعاقب الفتاة الضحية، مؤكده أن مكتب الشكاوى بالمجلس تلقى بلاغات بشأن قضايا تحرش جديدة وصلت إلى 400 شكوى خلال أسبوع.
 
انتشار ظاهرة التحرش
ومن جانبها اعتبرت نهلة عبد السلام خبيرة الإرشادات الأسرية أن المجتمع يعاني من أزمة أخلاق، ونجد هذا واضحاً بقوة في سلوكيات كثير من الشباب والمراهقين، ومن ضمن هذه السلوكيات انتشار ظاهرة التحرش وهو سلوك مشين يقوم به المتحرش سواء لفظياً أو جسدياً يجعل الشخص المتحرش به يشعر بالتهديد والضعف والإهانة والخوف ويتعرض له في كثير من الأماكن كالمنزل والعمل والشارع والمواصلات العامة وأماكن الدراسة. وفي السنوات الأخيرة ظهر التحرش عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتعود أسباب هذه الظاهرة لمجموعة من العوامل كضعف الوازع الديني والتقليد وسوء التربية كإهمال الوالدين والتفكك الأسري والقدوة السيئة وسوء المعاملة وغياب أحد الوالدين وهناك أسباب اقتصادية كالبطالة أو الغنى والترف الزائد وربما يكون المتحرش مصابا بأحد الأمراض النفسية وقلة التوعية الأخلاقية ممثلة في ضعف المناهج التعليمية في المدارس والجامعات بجانب أن الدور الأخطر لانتشار هذه الظاهرة يرجع أيضاً لبعض وسائل الإعلام من خلال المشاهد غير الأخلاقية الموجودة في بعض الأفلام والأعمال الدرامية.
وقالت نهلة، أما بالنسبة للآثار النفسية المترتبة على التحرش فهي آثار مؤلمة ويمتد تأثيرها النفسي علي المتحرش به وخصوصاً الفتيات إلى مجموعة من الاضطرابات النفسية المختلفة بداية من شعور الفتاة بالخوف والإهانة والعجز وفقدان الثقة بالنفس وأعراض أخرى كالصداع واضطراب في النوم والانطواء والشعور بالقلق والتوتر وصولاً بالاكتئاب ومن ممكن أن يتطور الأمر لإقدام الضحية على الانتحار خاصةً لو أن الضحية تتعرض للتحرش بشكل مستمر من أحد الأقارب أو في العمل وتتعرض للتهديد.
وأضافت نهلة لو تناولنا نظرة المجتمع لهذه الظاهرة سنجد الكثير من التناقضات، فهناك من يلقي باللوم على الفتاة المتحرش بها وبأنها هي المذنبة، في محاولة لتبرير هذه الأفعال المرضية للمتحرشين بحجه تبرج الفتاة وملابسها وتصرفاتها رغم الكثير من الإحصائيات التي أثبتت أن الكثير من المحجبات والمنتقيات يتعرضن أيضاً للتحرش، ونتيجة لهذه النظرة يأتي خوف الفتاة من الإفصاح عما مرت به وتبدأ في التكتم خوفاً من أصابع الاتهام ونظرة الناس والفضيحة فيضيع حقها ويستمر المتحرش في أفعاله المرضية.
 
حلول ظاهرة التحرش
 لعلاج هذه الظاهرة أكدت نهلة أنه يجب أن يكون هناك تكاتف من جميع المؤسسات المجتمعية والتربوية المختلفة، مشيرة إلى أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق الأسرة لأن الأسرة هي البيئة الأولى والحصن التربوي في رعاية الأبناء وعملية التنشئة فيجب علي الأسرة تعليم الطفل مبادئ الدين الإسلامي الصحيح والقيم الراسخة وتأخذ بيد أبنائها إلى المساجد ومراكز الشباب وقصور الثقافة التي تمثل خط الحماية الأول لحماية الأبناء من الانحرافات الأخلاقية والفكرية بجانب اختيار أصدقاء أبنائهم ومتابعتهم دراسياً وتنشئتهم دينيا وغرس القيم والمبادئ السليمة، أما بالنسبة للمدرسة فدورها لا يقتصر فقط على تعليم القراءة والكتابة ولكن لها دورا مكملا للأسرة من خلال المناهج التربوية بجانب دور المعلم أيضاً كقدوة حسنة لطلابه أما الجامعة فلا تختلف كثيراً عن دور المدرسة من خلال الندوات العلمية وبرامج التوعية داخل القاعات أو من خلال الرحلات والمسابقات والمساجد أيضاً من خلال التوعية في الخطب.
وكشفت نهلة عن أن الدور الأكبر في مكافحة هذه الظاهرة يأتي من خلال وسائل الإعلام لأنها ساهمت بشكل أو بآخر في انتشار الظاهرة، فلا بد من ترسيخ القيم والمبادئ في عقول الأجيال القادمة وتقديم النموذج الإيجابي والقدوة الحسنة من خلال البرامج والأعمال الفنية الأخرى ونشر الوعي بضرورة مطالبة المتحرش به بحقوقه وعدم خوفه من نظرة المجتمع والتأكيد على محاولة تغيير وتصحيح نظرة المجتمع للمتحرش به وأنه ليس مذنبا أو متهما بل ضحية يجب أن يتكاتف الجميع حولها لأخذ حقها من المتحرش ولا ننسى ضرورة وضع القوانين الرادعة ضد التحرش.

تعديل قانون الإجراءات
واعتبر أحمد غازي النشط في حقوق الإنسان أن خطوة سرية بيانات المجني عليهن في قضايا التحرش والتي صدر بها تعديل لقانون الإجراءات الجنائية مؤخرا من الحكومة المصرية جاءت متأخرة لكنها خطوة إيجابية على الطريق حيث كانت هناك صعوبات كثيرة تواجهنا نحن كحقوقيين في إثبات التحرش لخوف الفتاة من الفضيحة نتيجة لنظرة المجتمع للفتاة في مثل هذه القضايا ومن هنا جاءت صعوبة تقديم بلاغ رسمي بواقعة التحرش وأتذكر التحرش الجماعي الذي تم أمام إحدى دور السينما في العاصمة المصرية في أحد الأعياد، والتي لم تقبل أي فتاة على تقديم بلاغ، رغم أن ذلك التحرش الجماعي تم عرضه على القنوات الفضائية، الأمر الذي دفعنا نحن المهتمين بقضايا حقوق الإنسان للمطالبة بضرورة سرية البيانات حرصا على المجني عليهن.
وطالب غازي الحكومة المصرية بضرورة وجود فرد شرطة نسائي في كل قسم من أقسام الشرطة في مصر لمتابعة مثل هذه القضايا والخاصة بالتحرش والاغتصاب، مع ضرورة سرية البيانات الخاصة بالمجني عليها، حرصا من استغلال الفتاة من قبل بعض المرضي وأيضا نظرة المجتمع لها خصوصا بعد أن زاد التحرش مع انتشار منصات التواصل الاجتماعي بأنواعها والتي كانت سببا في ذلك ولم تعد هذه الظاهرة منتشرة في وسائل المواصلات أو النوادي والميادين، فهناك الكثير من قضايا الابتزاز انتشرت على تلك المنصات، كزوج يهدد زوجته بتوزيع صورتها عارية على الصفحات.
واعتبر غازي أن أي قضية تبنى على إثبات الفعل، ومن ثم يصعب إثبات التحرش في واقعة مضت عليها شهور كثيرة، فالمسافة الزمنية الطويلة والتي تضع القضية كلها أمام عبء الإثبات، لكن من حقها رفع قضية في نفس الوقت، فمن المهم جدا أن تكون الفترة الزمنية قليلة.. والمشكلة التي كنا نواجهها أن لا يوجد تعريف واضح في القانون للتحرش.
 
 التحرش اللفظي بالسيدات
وبحسب كلام عصام شيحة المحامي بالنقض أن قانون العقوبات المصري لم يخل من العقوبة الرادعة في قضايا هتك العرض والانحلال الأخلاقي وبالتالي التحرش بأنواعه، سواء كان لفظيا أو جسديا ولو تم رصد ظاهرة التحرش فهي في أغلب المجتمعات وليست قاصرة على مصر وبالذات ما يتم عن طريق تحرش ذي سلطة مثل صاحب العمل أو المدير في العمل عن طريق الابتزاز، نظرا لظروفها الاقتصادية وهذه هي حالة من الحالات التي يجرمها قانون العقوبات المصري، ومع انتشار منصات التواصل الاجتماعي ظهرت طرق أخرى لابتزاز الفتيات عن طريق بعض الذئاب التي تجاوزت العفة في الكلمات... 
وقال شيحة إن المجتمعات الشرقية في قضايا التحرش تعاقب الفتاة وخصوصا أهلها خوفا من العار والسبب في ذلك التدين الشكلي الذي ظهر في الآونة الأخيرة بعد الاختلاط مع ثقافات أخرة وما وسع دائرة القضايا هي منصات التواصل الاجتماعي عن طريق الرسائل.. وأن تدخل المشرع في تعديل قانون الإجراءات الجنائية نتيجة لظروف فرضتها الظاهرة عليه فهناك متغير جديد في الأخلاق وإساءة استخدام منصات التواصل الاجتماعي بالإضافة إلى بعض الأفلام وغياب القدوة في المجتمع لذلك تدخل المشرع لحماية المجني عليه، لكن هذا لا يعني أن هناك عدم تسريب للبيانات.
ومن جانبها، قالت ماجدة عبد البديع، الناشطة في حقوق المرأة: «إن تعديل قانون الإجراءات الجنائية الأخير شجع الفتيات على تقديم بلاغات ضد متحرشين بهن وهذه خطوة كنا ننتظرها منذ فترة بعيدة، حيث إن فكرة السرية في معلومات المجني عليهن تحميهن من نظرات المجتمع بسبب ما يفرضه المجتمع نتيجة لتحميل الفتاة الذنب في هذه القضايا، فلدينا موروث من الثقافات التي تجرم هذا النوع من القضايا ولكن يتم تحميل الضحية كل الذنب وبسبب هذا التعديل هناك فتيات كثيرات تقدمن ببلاغات للجهات المعنية ضد بعض المتحرشين بهن».
وعللت ماجدة سبب تحرش الشباب بالفتيات قائلة: «فيما مضي كان البعض يحمل الفتاة المتبرجة أسباب التحرش، أما الآن وبعد أن تم التحرش بالمحجبات والمنتقبات وانتشرت الظاهرة، فهل الفتيات والملابس هي السبب؟ وهنا نؤكد على أن التحرش بسبب الظروف الاقتصادية تبرير مجتمعي ليس إلا، فيما مضى كنا ندخل الجامعة بالملابس العادية وفي حفلات السيدة أم كلثوم كانت الملابس عادية وكانت الظروف الاقتصادية أسوأ من ذلك بكثير، ومع ظهور التيارات الإرهابية التي فرضت الوصاية على المجتمع ونشر التدين الظاهري تم تجريف المجتمع من الأخلاق والأصالة ما أحدث فجوة أخلاقية في المجتمع».