حملات في لبنان لـ «فضح المتحرش» ومعاقبته

* عام 2019 شهد انتحار فتاتين بسبب الابتزاز الإلكتروني ومحاولة انتحار لثالثة
«المعاكسة»عندما تتضمن إيحاءً جنسياً، تعتبر تحرشاً ويجب عدم التغاضي عنها
* يجب على الضحية أن تتحمل مسؤولية تجاه المجتمع 

بيروت: التحرش الجنسي من أكثر القضايا التي تثير الجدل في العالم، خصوصا في عصر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث باتت تنتشر قضايا التحرش وحملات «فضح المتحرش» ومعاقبته بشكل واسع بين روّاد التواصل الاجتماعي في جميع أنحاء العالم. ومن أكثر الحملات التي لاقت رواجا وتفاعلا كبيرين في جميع أنحاء العالم ووصلت أصداؤها إلى العالم العربي، هي حملة «ME TOO» التي أطلقتها الممثلة الأميركية أليسا ميلانو على حسابها الشخصي على موقع «تويتر»في 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2017، حيث طالبت النساء بمشاركة قصص التحرش والاغتصاب والاعتداء التي تعرضن لها في حياتهن من أجل تسليط الضوء على معاناتهن.
وتحوّل الهاشتاغ إلى شبه انتفاضة نسائية عالمية، حيث انتشر الوسم الذي أطلقته ميلانو في جميع أنحاء العالم، فكان الباب الذي دفع آلاف النساء لمشاركة قصصهن مع التحرش بالعديد من لغات العالم، وأيضا كان هذا الوسم مناسبة لتضامن النساء مع بعضهن البعض في التصدي لمثل هذه الاعتداءات بحق النساء.
وفي العالم العربي الذي يحتل مرتبة متقدمة في نسب التحرش، تستمر جمعيات المجتمع المدني بدعم من حكومات بعض الدول، والمشاهير بحث النساء على تخطي الخوف والعمل على فضح المتحرش ومحاسبته أمام القانون الذي بات في غالبية دول العالم يدين المتحرش ويقف مع الضحية.
لذلك لا بدّ من تفسير الحالات التي يمكن وصفها بـ«التحرش الجنسي»، عندما يتضمن كلام الشخص للشخص الآخر التلميحات الجنسية، أو طلب خدمات جنسية وأي مضايقات لفظية أو جسدية لها طبيعة جنسية، ويمكن وصف التحرش بأنّه «كل سلوك غير لائق له طبيعة جنسية يضايق المرأة أو يعطيها إحساسا بعدم الأمان».
بالنسبة لمصطلح التحرش الجنسي فيعود تاريخ استخدامه إلى عام 1973 في تقرير إلى رئيس ومستشار معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا آنذاك عن أشكال مختلفة من قضايا المساواة بين الجنسين. ووضع سياسات وإجراءات ذات صلة. معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في ذلك الوقت اعترف أيضا بالإصابات الناجمة عن المضايقات العنصرية والمضايقات التي تتعرض لها النساء ذوات البشرة الملونة. وذكر رئيس معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أيضا أن التحرش يتناقض مع رسالة الجامعة، وكذلك لا يطاق بالنسبة للأفراد.
ومصطلح التحرش الجنسي لم يكن معروفا بين العامة (خارج الدوائر الأكاديمية) حتى بداية التسعينات عندما تكلمت أستاذة الحقوق أنيتا هيل عن تجربتها الشخصية مع التحرش الجنسي ضد المحامي المشهور كلارينس توماسوالمرشح للمحكمة العليا في الولايات المتحدة عندما كانت تعمل لديه، ومنذ أن شهدت هيل أمام لجنة قضائية في 1991 زاد عدد شكاوى التحرش الجنسي في أميركا وكندا بنسبة 58 في المائة وارتفعت بشكل مطرد.
ولأن النساء أكثر عرضة للتحرش الجنسي وعدد الضحايا من النساء أكبر بكثير من الرجال، يتعرض الرجال الذين عانوا من التحرش والابتزاز الجنسي إلى تهميش إعلامي، ولعلّ أكثر القصص وأول القصص التي يمكن أخذها كمثال لما يمكن أن يتعرض له الرجال هي قصة النبي يوسف مع زليخا امرأة عزيز مصر التي ذكرت في القرآن الكريم، وهذه القصة يمكن اعتبارها أول قضية تحرش موثقة في التاريخ، فقد ذكر في القرآن كيف أحبّت زليخا المرأة المتزوجة يوسف الذي تبناه زوجها وعاش كأنّه فرد من العائلة لسنوات إلى أن كبر وأصبح شابا جميل الوجه منمّق الكلام، فحاولت أن تستميله لكنّه هرب منها وعندما وجده زوجها هاربا أخبرته أنّه حاول أن يفعل معها الخطيئة، وعندما اكتشف الحقيقة حبسته لعشر سنوات انتقاما لعدم استجابته لحبّها وأمنيتها.

 




«ما خص شو لابسه.. التحرش جريمة»من مظاهرات في لبنان
 

 


 
الابتزاز الإلكتروني وسيلة جديدة للتحرش الجنسي
 
قبل عامين وتحديدا في العام 2018 قامت منظمة «أبعاد» وهي منظمة غير حكومية تعمل للدفاع عن حقوق المرأة، بتجربة كاميرا خفية، فصورت تجربة لمعرفة ردة فعل المارة في الشارع إزاء التحرش، تظاهرت ممثلة لبنانية بأنها شابة تتعرض للتحرش في شوارع بيروت، وبدت ردود الفعل الأولى للمارة مندهشة وفضولية، أخذ بعضهم ينتقد ملابس الممثلة معتبرين إياها كاشفة، ثم شتموها بأنها «عاهرة». وظهرت في الفيديو شابة ترتدي قميصا قصير الكمّين وتنورة وتمشي في الشارع وقد حل الليل وكان يبدو عليها الخوف وهي تبكي وتبدو تائهة. بعض المارة أوقفوها مستفسرين عن سبب هلعها. فأوضحت لهم أنها تعرضت للاغتصاب، فنظروا إليها بريبة. وسألها أحد المارة إذا كانت قد تعاطت المخدرات، وحاولت امرأة أن تتفحص إن كانت الشابة ثملة، وهناك امرأة أخرى اقترحت عليها الذهاب معها إلى بيتها، لكن الممثلة تظاهرت بالخوف وابتعدت.
هذا الفيديو كفيل بأن يلخّص ما تعيشه النساء في المجتمعات العربية كافة من تنمّر وتهميش وانتقادات لاذعة وكلام مسيء رغم أنّهن ضحايا لوحش مفترس قرّر أن يأخذ منهنّ ما لا يحق له. فالنساء والأطفال في لبنان عرضة للتحرش الجنسي في العمل والشارع والمنزل وفي أي مكان، ولكن مع ازدياد حملات التوعية المتتالية والقصص الصادمة التي تخرج إلى العلن بين الحين والآخر، وآخرها قضية الطفل السوري الذي لم يتجاوز عامه الـ13 والذي تعرّض للتحرش لمدّة ثلاث سنوات على يد 8 شبان والتي شكّلت صدمة في المجتمع، هذه القضية وغيرها باتت تدفع الضحايا وعائلاتهم إلى فضح المتحرش والحديث أكثر عن هذه القضايا والعمل على محاسبة المتحرش.
ومع انتشار استخدام شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، خصوصا بين صغار السنّ بات التحرش الإلكتروني والابتزاز الجنسي من أكثر القضايا الشائعة والمنتشرة التي تعمل الجمعيات وقوى الأمن الداخلي في لبنان على توعية المجتمع من أجل عدم الوقع بها.
فقبل عام تقريبا أطلقت الناشطة لطيفة الحسنية حملة عبر «تويتر»تحت هاشتاغ «ما يبتزك نحن حدك»، للحد من الابتزاز الإلكتروني بعد تفشي هذه الظاهرة التي قد تؤدي إلى الانتحار، بحسب ما كتبت، مضيفة:«تذكر أو تذكري #ما_يبتزك_نحن_حدك».
وانتشرت تغريدة لها تتكلم عن قصة فتاة تجرأت للحديث عما تعرضت له من ابتزاز، مما أدى إلى انتهاء القضية بتوقيف المبتز، وفي التفاصيل، كتبت لطيفة: «حالة ابتزاز لفتاة عمرها 17 سنة؛ رفيقها بعتلها صور مركبة لوجهها على صور عارية؛ البنت حكت مع أهلها. البّي استدرج الشاب اللي طلب 500 دولار. اتفقوا على موعد وكانت قوى الأمن الداخلي حاضرة واعتقلوا الشاب. تجربة نموذج. تحيّة للفتاة وأهلها وتحية لقوى الأمن».
وتطلب قوى الأمن الداخلي في لبنان بشكل دائم على موقعها من المواطنين التنبّه إلى الأشخاص الذين يضيفونهم على شبكات التواصل، وإلى منتحلي الشخصية والمبتزين، والاتصال وإبلاغ مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية التابع لمديرية قوى الأمن الداخلي، هاتفيا أو عبر تقديم شكوى بموقعه الإلكتروني. 
 
الحجر الصحي وارتفاع نسب الابتزاز الإلكتروني
 
ومع جائحة كورونا والحجر الصحي أطلقت منظمة «في- مايل» حملة وطنية تحت عنوان «الشاشة ما بتحمي»، انطلاقاً من الواقع الذي دفع أكثر من مائة امرأة وفتاة للتبليغ شهريًّا عن تعرّضهن للعنف الإلكتروني بكافة أنواعه بحسب أرقام القوى الأمنية، انطلقت منظمة «في- مايل»في حملتها الوطنية تحت عنوان «الشاشة ما بتحمي» للتأكيد على أن النساء والفتيات في لبنان والعالم العربي لهنّ الحقّ في الوصول الى الإنترنت واستخدامه بحريّة وأمان من دون التعرّض للعنف أو التنمّر أو الابتزاز.
تهدف الحملة بحسب الجمعية إلى إعلام النساء والفتيات بحقهنّ في استخدام الإنترنت، ولكن في نفس الوقت إطلاعهن على كافة التهديدات والتحديات التي تترافق مع هذا الاستخدام، وتسليحهنّ ببعض التقنيات من أجل استخدام آمن للإنترنت وخاصةً مواقع التواصل الاجتماعي، كما تهدف الحملة أيضًا إلى إعلام الفتيات والنساء أن المعتدي لا يمكنه الهروب والإفلات من العقاب ولو أن الاعتداء تمّ على مواقع التواصل الاجتماعي فبإمكانهنّ محاسبته وفضحه والتبليغ عنه.
وبحسب منظمة «في- مايل»فقد حصلت على معطيات من المديرية العامة للأمن العام، تؤكّد أنّ العام 2019 شهد انتحار فتاتين بسبب الابتزاز الإلكتروني ومحاولة انتحار لثالثة. وأشارت المديرية الى أنّ أنواع الجرائم الإلكترونية التي تتعرّض لها النساء والفتيات توزّعت بين: التحرش والتعرّض للآداب والأخلاق العامة والابتزاز الجنسي والابتزاز المادي والتهديد بالتشهير وقدح وذم وسرقة حساب إلكتروني وغيرها.
وبحسب مصدر مسؤول في قوى الأمن الداخلي فضل عدم ذكر اسمه أكّد لـ«المجلة» أنّ «البلاغات ارتفعت إلى نسبة تصل إلى حدود 280 في المائة، وهذا الارتفاع الذي بدا ملحوظا خلال فترة الحجر الصحي، تعود أسبابه إلى الحملات المستمرة من قبل الجمعيات والمجتمع المدني وقوى الأمن الداخلي التي زادت من نسبة الوعي لدى ضحايا التحرش والتعرف على حقوقهن، وطبعا الثقة بقوى الأمن الداخلي التي أثبتت حرفيتها وجديتها في التعامل مع مثل هذه القضايا».
وأضاف: «هدفنا من الحملات التي نقوم بها هو، أولا الشرح للمستخدمين الجدد لوسائل التواصل الاجتماعي وخدمات الإنترنت بالمخاطر التي يمكن أن تنتج عن عدم معرفتهم العميقة لما يمكن أن يتعرضوا له عبر هذه الشبكات، وأيضا تشجيع الضحية على التبليغ عن أي حالة ابتزاز تتعرض لها، أو حالة تحرش إلكترونية، لأن أسوأ خيار هو الخضوع للمبتز، والحل الأنسب والأمثل هو التبليغ عنه، خصوصا أن النهايات في حالات الابتزاز إذا لم يتم التبليغ يمكن أن تكون سيئة، مثلا يمكن أن تؤدي إلى انتحار الضحية خوفا من الفضيحة أو الضغط النفسي والمادي الذي يمارسه المتحرش على الضحية، وأيضا يجب على الضحية أن يتحمل مسؤولية تجاه المجتمع وأن يفضح المبتز والمتحرش عبر التبليغ عنه لكي لا يسمح له بابتزاز ضحايا جدد». 
وختم: «بحسب الحالات التي تمّ التبليغ عنها، تعتبر النساء أكثر عرضة للابتزاز الإلكتروني بنسبة تتراوح بين 80 و85 في المائة، بينما تتراوح نسبة الرجال الذين تعرضوا للابتزاز بين 15 إلى 20 في المائة، وغالبا ما تكون أسباب الابتزاز هي اضطرابات نفسية ومرضية تصل إلي حدّ الهوس الجنسي من قبل المبتز وأيضا يمكن أن يستخدم المبتز هذه الطريقة للحصول على مقابل مادي من الضحايا الذين يقعن في فخه».

 




نساء يتظاهرن في بيروت ضدّ التمييز والاغتصاب والتحرش
 
 

 


 
كيف يمكن حماية ضحايا التحرش 
 
رأى الدكتور عصام عبد الصمد، في حديث لـ«المجلة»: «أولا يجب أن لا ننسى أن التحرش اللفظي يبدأ بالمعاكسات، وهذه المعاكسة عندما تتضمن إيحاء جنسيا، فهي تعتبر تحرشا ويجب عدم التغاضي عنها، لأنّها تسبب حالة نفسية سيئة خصوصا للفتيات اللواتي يتعرضن لمثل هذه المضايقات بشكل يومي».
وتابع: «بداية يجب أن يحظى ضحايا التحرش باهتمام كبير لأن حالتهم النفسية تكون سيئة جدا بعد تعرضهم للتحرش، لذلك يجب إرسالهم إلى مراكز للعلاج يشعرون داخله بالأمان، خصوصا أن الضحية في هذه الحالة يشعر بعدم الأمان والخوف من المجتمع. وأيضا من المهم إبعاد الضحية عن مكان الجريمة، وتشجيعه على ممارسة أنشطة مفيدة ومسلية لكي ينسى ما تعرض له، والتأكيد الدائم له بأن الجنس الآخر الذي تعرض للتحرش منه ليس كلّه سيئا وأن من ارتكب هذا الفعل به تتم معاقبته». 
ورأى الدكتور عبد الصمد أن «الأمراض النفسية تعتبر من الأسباب الأساسية التي تدفع بشخص إلى ارتكاب جريمة التحرش بشخص آخر، والصور الإباحية التي تظهر في الأفلام والتي تستثير مشاعر بعض الرجال وتدفعهم إلى ارتكاب فعل التحرش للتنفيس عن مشاعرهم، والإدمان على المخدرات والكحوليات، والتربية المنزلية، والعزلة الاجتماعية، والمشاكل الأسرية، وأحيانا يكون المتحرش نفسه هو ضحية تحرش أو اغتصاب عندما كان صغيرا، كلّها أسباب تدفع بالمتحرش إلى ارتكاب فعل التحرش والابتزاز ضدّ الجنس الآخر وأحيانا ضدّ أبناء جنسه». 
 
الرجال عرضة أيضا للابتزاز الإلكتروني
 
طبعا لا يمكن اختصار قضايا التحرش بالنساء فقط، فالرجال أيضا عرضة للابتزاز والتحرش الجنسي، وخصوصا المشاهير منهم، الذي روى بعضهم كيف تعرضوا للتحرش، مثلاً تحدث الفنان حسين فهمي، خلال لقائه ببرنامج «أنا وأنا»، مع الإعلامية سمر يسري، عن تحرش الفتيات به عدة مرات، «مرة دخلت أسانسير لوحدي مع مجموعة بنات واتحرشوا بيا ومارضيوش يسيبوني، فطلبت الأمن لأن ما كنش قدامي حل غير كده».
وكشف الفنان الراحل عزت أبو عوف، في لقاء سابق له ببرنامج «100 سؤال»مع الإعلامية راغدة شلهوب، أنه تعرض للتحرش الجنسي عدة مرات، وقال: «في مرة واحدة اتحرشت بيا داخل الأسانسير في أحد الفنادق».
بدوره روى الممثل الإنجليزي تيم روث، قصته المأساوية وكيف تعرض للاعتداء الجنسي من جده لوالده، مشيرًا إلى أن والده نفسه تعرض في طفولته لنفس هذه التجربة المريرة من والده.
كذلك هزّ الرأي العام المصري العام الماضي فضائح التحرش الجنسي التي طالت اللاعب في المنتخب المصري لكرة القدم عمرو وردة، والذي تمّ استبعاده من المنتخب بعدما اتهم بأنّه تحرّش إلكترونيا بعارضة أزياء أميركية من أصل مصري.
وفي عام 2014 فتح ملف الابتزاز الجنسي في الإعلام اللبناني والذي طال شخصيات شهيرة تعرضوا لابتزاز جنسي مقابل المال، من قبل عصابة صوّرت حوالي 800 فيديو جنسي لإعلاميين ورياضيين وفنانين وسياسيين أغلبهم من الجنسية اللبنانية، لمحاولة الإيقاع بالمشاهير، إنما لم يقع أي منهم في الفخ، خصوصا أنّ القوى الأمنية توصلت لاسم مشغّل العصابة.