على مقهى في الشارع العربي


 
قال الشاب وهو يلوي شفتيه متبرماً 
- إذا كان شولتز وزير الخارجية الأميركية يستطيع أن يقنع إسرائيل بالانسحاب من لبنان، فلماذا لم يزود فيليب حبيب بوسائل الإقناع منذ البداية حتى يوفر الوقت.. أو لماذا لم يبدأ شولتز التدخل بشخصه منذ تولي الوزارة..
وقال العجوز في هدوء: 
- إن المفاوضات لا تبدأ بتحطيط ثابت لا يتغير.. إنها تبدأ بهدف ثابت، ولكن التخطيط يتغير بين يوم وآخر.. إن المفاوضات هي عملية مساومات في سوق سوداء وقد وصلت المساومات إلى حد أن وجد وزير الخارجية أنه يجب أن يتدخل بنفسه بجانب فيليب حبيب..
وقال الشاب ساخطاً:
- ليس هذا صحيحاً.. ولكن ما حدث منذ ابتعاد وزير الخارجية كيسنجر أن كل وزير أتى بعده لا يريد أن يتهم بأنه يقلده ويتبع خطاه، خصوصاً بالاستمرار في سياسة المكوك التي كان يتبعها في المفاوضات بين مصر وإسرائيل.. ولذلك تعمد الرئيس ريغان أن يتبع أسلوباً جديداً بتعيينه مندوباً متفرغاً وهو فيليب حبيب.. ورغم أنه كان يتبع في عمله نفس أسلوب المكوك إلا أنه أثبت فشله.. وكانت قمة الفشل عندما وصل إلى جلاء القوات الفلسطينية عن بيروت دون أن يضمن حماية الفلسطينيين، فقامت مذابح صبرا وشاتيلا التي أثارت العالم كله.. ورغم ذلك ظلت السياسة الأميركية محتفظة بفيليب حبيب في مركزه دون أن تعترف بفشله.. وكان يجب من أيامها أن يبعد وأن يحل محله وزير الخارجية متحملاً المسؤولية.. ولكن إدارة الرئيس ريغان ظلت مصرة عليه وتداري فشله حتى تحتفظ بأسلوب إداري يختلف عن أسلوب كيسنجر.. إلى أن وصلت إلى حد اليأس واضطرت أن تحمل وزير الخارجية مسؤولية كاملة كأنها استسلمت لتقليد عبقرية كيسنجر 
وقال العجوز وهو يبتسم في إشفاق: 
- هذا أيضاً غير صحيح.. فإن فيليب حبيب لم يعتبر فاشلاً إلا من وجهة نظرنا نحن خصوصاً وأننا علقنا عليه آمالاً بعيدة معتمدين على أنه من أصل عربي لا من أصل يهودي ككيسنجر.. ولكنه لم يعتبر فاشلاً في تقدير أميركا ولا في تقدير العالم كله.. لأنه لم يكن من حقه اتخاذ أي إجراء إلا باستشارة الإدارة الأميركية.. ومذابح صبرا وشاتيلا لم تقع نتيجة قرار اتخذه فيليب حبيب ولكنها كانت نتيجة تخطيط إداري كامل بين أميركا وإسرائيل وعناصر أخرى... وربما لم يكن حبيب يعلم عن هذا التخطيط شيئاً.. والذي دفع إلى أن يتحمل شولتز وزير الخارجية المسؤولية بنفسه هو أن التخطيط الأميركي قد تطور.. لا لأن فيليب حبيب قد أعلن فشله..


وقال الشاب ساخراً:
- وإلى ماذا تطور التخطيط الأميركي؟ 
وقال العجوز في لهجة جادة:
- إنه تطور فرضته الواقعية وبدأ منذ شهور طويلة.. وكان أول مظاهر هذا التطور هو الفصل التام بين الوضع في لبنان والوضع الذي كان قائماً أيام الوصول إلى اتفاقية كامب ديفيد.. فالجلاء عن سيناء مثلاً كان يخص إسرائيل وحدها، لأنها القوة الوحيدة التي تحتلها.. ولكن الجلاء عن لبنان لا يمكن الوصول إليه عن طريق إسرائيل وحدها فهي ليست القوة الوحيدة التي تحتله بل يقع لبنان تحت احتلال ثلاث قوى وجلاء كل قوة منها مرتبط بشروط جلاء القوى الأخرى.. 
ومثلاً.. لقد اشترطت إسرائيل حتى يتم الجلاء أن تقوم دوريات مشتركة من القوات الإسرائيلية واللبنانية بالتفتيش المستمر على مناطق جنوب لبنان.. وهو شرط مسجل في المعاهدة المصرية الإسرائيلية.. ولكنه إذا طبق بالنسبة للبنان فيجب أن تقوم بجانبه دورية تجمع بين القوات السورية واللبنانية للتفتيش على منطقة البقاع وأواسط لبنان.. ودورية ثالثة تجمع بين القوات الفلسطينية واللبنانية للتفتيش على المناطق الشمالية التي تحتلها القوات الفلسطينية.. وإذا لم يتم هذا رفضت سوريا والقوات الفلسطينية الجلاء عن لبنان ورفضت إسرائيل الجلاء إلا إذا تم جلاؤهما معا.. فهل يمكن أن يتم؟ 
وقد حدثت في البداية محاولات لإضعاف القوات السورية والفلسطينية بحيث لا تستطيع أن تفرض إرادتها في أي مفاوضات خاصة بلبنان.. وحتى تكون إسرائيل وحدها هي صاحبة الحق في فرض إرادتها.. ولا تزال هذه المحاولات مستمرة.. ولكن واقع الاحتلال لا يزال قائماً على ثلاث قوى لا على قوة إسرائيل وحدها.. ولذلك بدأ التخطيط الأميركي يتجه إلى التفاوض مع القوى الثلاث.. وكان أول ما سعى إليه شولتز وزير الخارجية هو الاتصال بسوريا.. على أن تتولى سوريا الاتفاق مع القوى الفلسطينية وهو ما أدى إلى عودة الإتصالات بين سوريا ومنظمة التحرير بعد أن كانت قد انقطعت منذ أحداث لبنان.. وفي الوقت نفسه بدأ شولتز يعتمد على الاتصال بالدول العربية التي يمكن أن تكون لها قوة التأثير على سوريا ومنظمة التحرير وعلى القوات المتجمعة داخل لبنان.. أي إن التخطيط الأميركي أصبح يقوم لا على انفراد لبنان بوضع بالنسبة إلى إسرائيل بل أصبح يقوم على محاولة الوصول إلى وضع عربي عام يوافق على وضع بين لبنان وإسرائيل..
وقال الشاب وهو يتمادى في سخريته:
وهل يمكن أن تصل العبقرية الأميركية إلى تحقيق هذا الوضع الجديد؟ 
وقال العجوز في يأس:
- إننا نسمع عن تطورات في موقف إسرائيل ومطالبها وربما كانت هناك تطورات أخرى في موقف سوريا ومنظمة التحرير.. ولكن ما نسمعه يتناقض مع نفسه بين كل يوم وآخر.. والرصاص لا يزال ينطلق فوق كل أرض لبنان..
وقال الشاب من خلال يأسه الساخر:
- إن إسرائيل تخطط واقعياً.. والواقع يؤكد أنها لن تترك لبنان وقد وصل اتساع المعاملات الواقعية بينها وبين لبنان إلى حد أنها بدأت تفكر في فرض الضرائب على أهالي الجنوب لتغطي نفقات الخدمات التي تقدمها لهم..
وقال العجوز مقاطعاً: 
- لا يهم ما يقوم به الاحتلال من معاملات وما يقدمه من خدمات مهما اتسعت.. وقد أقامت إسرائيل كثيراً من المشروعات في سيناء حتى أصبح لها آبار للبترول وشركات سياحية ورغم ذلك وجد حل لتحقيق الجلاء.. ثم إن إسرائيل مهما اتسعت في تعاملها مع لبنان فإن تعامل لبنان ومصالحه مع سوريا ومع الهيئات الفلسطينية ومع الدول العربية سيبقى دائماً هو الأقوى وهو الذي يحدد مستقبل لبنان..
وقال الشاب وهو يزفر أنفاسه في ضيق:
- إذا استسلمنا لليأس فلم يبق إلا حرب تشمل لبنان وسوريا والأردن.. حرب تحقق بها إسرائيل أهدافها بطرد فلسطين إلى الأردن والسيطرة السياسية على كل المنطقة..
وقال العجوز وكأنه يحادث نفسه:
- لن تقوم حرب رسمية كاملة.. لأن لا أميركا، ولا الاتحاد السوفياتي، ولا الاتجاهات العربية، تريد الحرب.. ولكن سيستمر القتال بلا حرب..

تاريخ العدد 27 مايو (أيار) 1983