تحرش الأقارب... بين الخوف والخجل والمواجهة

مؤسسة نسوية لـ «المجلة»: أسوأ حالات التحرش تقع بالمنازل
حملات مجتمعية في قطاع غزةتهدف لإرشاد الشابات حول كيفية التعامل مع مواقف التحرش التى قد يتعرضن لها، في الشارع وبيئة العمل  والمنازل
رغمالتكتم الذي يرافق عادة حالات التحرش، فإن نحو 14.6في المائةمن النساء يتعرضن للعنف الجنسي والتحرش 
التحرشبأشكاله المختلفة، بات من أكثر الأشياء التي تؤرق الفتيات داخل القطاع، حيث يصطدمن به في الأماكن العامّة، والشوارع، ومؤسسات العمل، والمرافق التعليمية المختلفة، وعلى منصات التواصل الاجتماعي
 * الأثر النفسي للتحرش كبير على المجني عليها، وقد يؤدي لاضطرابات مع مرور الوقت، لاسيما وأن رواية التجربة لطرف آخر غير ممكنة في غالب الأحيان

غزةترددت السيدة نور (36 عاماً) المتزوجة ولها من الأبناء أربعة، كثيراً قبل أن تتوجه لإحدى المؤسسات النسوية العاملة في قطاع غزة، للحصول على الدعم والتوجيه، الذي يمكنها من التعامل بشكلٍ أفضل مع مواقف التحرش التى تواجهها داخل منزلها من إخوان زوجها الاثنين. فمنذ نحو 4 سنوات، بدأت الثلاثينية تلاحظ نظراتهم الشهوانية تجاهها وتعمدهم التغزل بها في أوقات غياب زوجها وأمهم عن البيت، لدرجة أنها صارت لا تظهر أمامهم إلّا بلباسٍ كامل، يستر تفاصيل جسدها كافّة، كما أوضحت للمرشدة النفسية التي قابلتها واستمعت منها لقصتها، ونقلتها لمراسل «المجلة».
وأضافت السيدةالمتزوجة منذ حوالي (14 سنة)، ضمن حديثها للمرشدة، أنّها فكرت كثيراً في أمر إطلاع زوجها على التفاصيل التي تواجهها، لكنّها في كلّ مرةً تتراجع، كونها تعلم أن عقليته «متشددة جداً»ولن تتقبل ذلك بتفهم، ويمكن أن يرتكب جناية قد تصل للقتل، بسبب ذلك الأمر، موضحةً أنّها اختارت الصبر كلّ تلك السنوات، ولم تفصح عما يدور معها، إلّا للمرشدة التي تهتم بمعالجة قضايا التحرش والعنف الجسدي الواقع بحق النساء، حيث سمعت عن المركز الذي تعمل به من خلال أحد الإعلانات الإذاعية.
وقالت المرشدةالتي رفضت التصريح باسمها، لأسباب تتعلق بطبيعة عملها، إنّ أكثر الحكايات التي تصلهم للمركز، من داخل المنازل، تكون تفاصيل التحرش بها «مخزية»، وتقع في الغالب من أقارب الزوج «الأب والأبناء وأبنائهم»، مشيرةً إلى أنّ هناك شابّة تبلغ من العمر (26 عاماً)زارتهم، قبل حوالي 5 شهور، وسردت قصّتها مع والد زوجها، الذي لا زال مستمراً في التحرش بها، جسدياً وبصرياً، على الرغم من تهديدها له، أكثر من مرّة، بالفضح والصراخ.
ولا يقتصر وجود ظاهرة التحرشالجنسي الواقع بحق النساء في غزة باعتبارها جزءاً من المنطقة العربية، على المنازل فقط، فكثير من الدراسات والمختصين، أشاروا في مناسبات مختلفة إلى أنّ التحرشبأشكاله المختلفة، بات من أكثر الأشياء التي تؤرق الفتيات داخل القطاع، حيث يصطدمن به في الأماكن العامّة، والشوارع، ومؤسسات العمل، والمرافق التعليمية المختلفة، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يتسبب لهن بالضرر النفسي والشخصي، على أصعدةٍ متنوعة.

 




نساء غزة يتظاهرن ضد العنف النسوي في القطاع

 


 
حالات تحرش متعددة
في الشوارع العامّة والأسواق، تواجه فتيات القطاع التحرش بأنواعه وحالاته المختلفة، وتسرد الشابّة تسنيم (19 عامًا)، أنّ طبيعة لباسها المنفتح قليلاً، بالنسبة لطبيعة المجتمع، كثيراً ما تسببت لها بالتحرش، منذ سنوات طويلة، إذ يرافق سيرها في الشارع أو تجولها بالسوق، كثير من كلمات الإعجاب والتحرش اللفظي، وفي بعض الأحيان الجسدي، وكثيراً تكون غير قادرة على صدّ «المتحرشين»، لأنّ الأمور تقع في ثوانٍ معدودة، حيث يكون المتحرش قد «فعل فعلته»ومضى يمشي، أو أداروجهه لناحيةٍ أخرى.
شابّة أخرى تُدعى سوسن،واجهت التحرش بصورةٍ أخرى، وتقول في حديثٍ لـ«المجلة»:«قبل عام واحد، أنهيت التسوّق من محيط منطقة الرمال غرب مدينة غزة، عند وقت صلاة العشاء تقريبًا، وانتقلت بعدها بسيارة أجرة، نحو بيتي الذي يقع وسط القطاع، حيث كنت أجلس في المقعد الخلفي للسيارة، وفي المقعدين الأماميين كان السائق وصديق له»، منوهةً إلى أنّهما بعد أن خرجوا من قلب المدينة للأطراف، بدأ السائق، بمحادثةٍ هاتفية مع فتاة، تحدث فيها عن علاقته بها، والتي يبدو أنّها «مشبوهة»وتعمد إظهار الإيحاءات الجنسية لها.
وتروي أنّ صديقه تناول السجائروبدأ بالتدخين بأسلوب غريب، وبعد تماديهما في تلك «التصرفات»، قررت الشابّة النزول من السيارة، فتعمدا تجاهل طلبها، لكنّها بدأت في الصراخ، فاضطرا للتوقف، ونزلت في منطقةٍ نائية، انتظرت فيها 20دقيقة، حتّى وجدت سيارة أخرى، شارحةً أنّها بعد تلك الحادثة صارت دقيقة كثيراً في اختيار السيارات التي تستقلها، خاصة في أوقات المساء، ولا تركب في سيارةٍ إلّا إذا كان فيها امرأة أخرى، لأنّ الأثر النفسي الذي عاشته بسبب تلك الحادثة، استمر معها لأيامٍ طويلة، ولم تستطع أنّ تفصح عنه لعائلتها، لأنّ عواقب الأمر، ستصل لشخصها، وقد تؤثر على تحركاتها خارج البيت.
 
متحرشون بأشكالٍ مختلفة
عاشت الشابة إيمان (27 عاماً)والتي تقطن في حي تل الهوا، غربي مدينة غزة، قصّة مختلفة مع التحرش قبل نحو 4 سنوات، وفقاً لما تحدثت به لـ«المجلة»، مشيرةً إلى أنّ حكاينها بدأت من زميلها في العمل بالمحاسبة، الذي يشاركهافي الغرفة، حيث بدأت الإيحاءات تصدر منه عبر إطلاق كلمات الغزل، والإعجاب بجسدها، وإبداء رأيه بمكياجها وملابسها،بشكلٍ مبالغ فيه، وبعد ذلك تطور الأمر معه، لتجد أنّه بدأ بإرسال بعض المقاطع المغرية لها على الإنترنت، ثمّ حاول لمس جسدها في أكثر من مناسبة، وفي إحدى المرات، تعمد فتح «مقطع جنسي»، خلال وجودها داخل غرفة العمل.
وتحكي أنّها لم تصمت على ذلك الحال، ووجهت له توبيخاً لفظياً أكثر من مرّة، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، قامت بحظره بصورةٍ تامة، وقطعت حبال التواصل معه، وبعد تماديه تقدمت بشكوى للإدارة، التي عملت على توجيه إنذار بالفصل له، ونقلته لغرفة أخرى، مبيّنةً أنّ ما حصل من زميلها لم يكن التجربة الأولى لها مع التحرش، فخلال سنوات دراستها الجامعية، واجهت ذلك الأمر بقوة من بعض مدرسيها، الذين كانوا يستغلون حاجة الطالبات للنجاح، للتحرش اللفظي والبصري والجسدي بهن، حيث شاع خلال عامها الدراسي الثاني، قصّة أستاذ جامعي، أقام علاقة حميمية مع طالبةٍبعمر بناته.
ووفقاً لعدد من المراجع، فإنّ أشكال التحرش الجنسي تتعدد وتتنوع، فهناك المباشر وغير المباشر، كما أنّ هناك تحرشاً لفظياً، يستعمل فيه المتحرشون الكلمات الجنسية والإغراء بالكلام والنكات، إضافة لوجود التحرش البصري، الذي يتعمد فيه المتحرشتوزيع نظراته بشكلٍ لافت وشهواني، نحو جسد الفتيات، ومن أشهر أنواع التحرش وأكثرها خطورة، هو الجسدي، ويتم التعبير عنه من خلال اللمس، وضرب الأماكن الحساسة، والتقبيل الساخن، والعناق الطويل، وغيرها من الأشكال التي يمكن أن تشمل الاعتداء الجسدي المباشر، وتعمد الاحتكاك بأجساد الفتيات.
 
حملات مجتمعية ضد التحرش
خلال شهر مارس(آذار)من عام 2019، نشطت بعض الفتيات الغزّيات في الحديث عن حوادث تحرش تعرضن لها خلال مراحل مختلفة، وجاء ذلك ضمن حملة «Me too-Gaza»التي قامت عليها بشكلٍ أساسي ثلاث من النساء، حيث بيّنوا حينها، أنّها تهدف، لإرشاد الشابات حول كيفية التعامل مع مواقف التحرش التى قد يتعرضن لها، في الشارع وبيئة العمل، وغيرها من الأماكن، كما أنّها هدفت لتشجيعهن، على الحديث عن مواقف التحرش اللاتي واجهنها بجرأة، عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وورد في تقرير موسععمل عليه الصحافي، أمجد ياغي، خلال عام 2016 تناول قضية التحرش والرشوة الجنسية، لدى النساء الباحثات عن عمل داخل قطاع غزة، أنّ 36شابّة تم التواصل معهن، أكّدن أنّهن تعرضن للتحرش، وتحدثت11 منهن بالتفاصيل كاملة، لمعدّ التقرير، وحينذاك أثارت المادة الصحافية ضجّة في الوسط الصحافي وعلى منصات التواصل الاجتماعي، استمرت لعدّة أيام، كون المادةتحدثت بشكلٍ صريح حول الأمر، وأشارت بشكلٍ جزئي، لبعض الذكور المتحرشين.
وقبل سنوات نفذ مجموعة من المبادرين التابعين لمركز صحة المرأة التابع لجمعية الهلال الأحمر في غزة، حملة ميدانية، لمناهضة العنف والتحرش الجنسي بعنوان «متسكتيش... مش من حقه»، حيث نظموا لقاءات توعوية وحلقات إذاعية ونشروا فيديوهات وأقاموا ندوات في المدارس والجامعات، وألصقوا بوسترات على المركبات والجدران، فضلاً عن رسم جدارية حول مناهضة العنف الجنسي على أحد جدران القطاع، ووقتذاك صرّحت ختام الأشقر وهي من بين القائمين على المبادرة، أنّ خطوتهن، جاءت بسبب الظهور غير المسبوق، لظاهرة التحرش التي تنتهك حقوق النساء، في المجتمع الغزي.

 




الباحثة هبة الدنف خلال تقديمها للقاء حول قضايا النساء

 


 
الآثار النفسية والتحرش الإلكتروني
الباحثة القانونية والناشطة في القضايا النسوية هبة الدنف، تحكي في حديثٍ لـ«المجلة»، أنّ الأثر النفسي للتحرش كبير على شخصية المجني عليها، وقد يؤدي لاضطرابات مع مرور الوقت، لاسيما وأن عملية رواية التجربة لطرف آخر تكون غير ممكنة في غالب الأحيان، الأمر الذي يزيد من الضغط النفسي، الذي تبدأ أولى مراحله خلال الموقف، ويتجدد كلما مرّ  في بالها، متابعةً «وضع السيدات تجاه تلك المواقف، يختلف بحسب الشخصية، فهناك القادرات على تجاوز الأمر، ومواجهته بقوة نفسية عالية، وهناك البعض لا يتمكنّ من ذلك».
وتلفت الدنف إلى أنّه يتوجب على النساء أن يتمتعن بالقوة، التي تمكنهن من فضح المتحرشين من خلال الوسائل المتاحة لهن، وذلك يقع على عاتق الجهات الرسمية والأهلية في غزة، حيث إن الأولى يتوجب عليها السعي لتعديل القوانين المتعلقة بالنساء، كما أنّها يتعين عليها تخصيص أقسام خاصّة داخل مراكز الشرطة في جميع المحافظات، لاستقبال قضايا النساء بشكلٍ مباشر، منوهةً إلى أنّ المؤسسات الأهلية والمجتمع المدني، تقع عليها مسؤولية التوعية القانونية، وتوفير الإرشاد النفسي، وتنظيم التدريبات وورش النقاش والحوار، التي تزيد من فهم النساء لقضاياهن وحقوقهن.
وفي شهر نوفمبر(تشرين الثاني)لعام 2018، أصدر المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي ومؤسسة «كفينا تيل كفينا»السويدية، نتائج بحث شامل أجرته المؤسستان في الأشهر الأخيرة حول ظاهرة العنف الجندري ضد النساء الفلسطينيات في شبكات التواصل الاجتماعي والإنترنت، وظهر أنّ ثلث الشابات الفلسطينيات يتعرضن للعنف والتحرش على شبكة التواصل والإنترنت، وواحدة بين كل أربع نساء قامت بإغلاق حساباتها والانسحاب من الإنترنت نتيجة العنف والتحرش. وواحدة من بين كل ثلاثة من المستطلعة آراؤهن، تعرضن لمحاولة اختراق حساباتهن على مواقع التواصل الاجتماعي.
 
الواقع القانوني الفلسطيني
ويعتبر قانون العقوبات الفلسطيني، الذي يتم التعامل به في قطاع غزة، كل من يدان بالتحرش أو هتك العرض بالقوة، أو تحت أيّ تهديد كان، ضمن نطاق مرتكب «الجنحة»، وتتراوح مدة السجن فيها من سنة إلى ثلاث سنوات، وفي بعض الحالات يتم اتخاذ أحكام مشددة قد تصل لخمس سنوات، وفي حال لم يستعمل الجاني القوة، فإنّ العقوبة تكون الحبس لمدة سنتين، أو الغرامة المالية، وإذا كانت الضحية دون سن الـ16 عاماً، فإنّ العقوبة تصل لثلاث سنوات. وعلى الرغم من أنّ ذاك القانون حمل العقوبة الرادعة للتحرش، إلّا أنّ المشكلة تكمن بحسب مختصين، في عدم القدرة على إثبات الواقعة.
ويعتمد القانون لإثبات حالات التحرش في فلسطين على عدّة طرق، منها: الشهود الثقة، واعتراف المجرم بفعلته، إضافة للتسجيلات الصوتية والفيديو، والتي يمكن جمعها من مكان الحادث بواسطة الجهات المختصة، وأيضاً يمكن الاستدلال بالرسائل الكتابية معلومة المصدر، والتي تحتوي على كلمات وإشارات جنسية. وفي مساحة بعيدة عن القانون، تصطدم كثير من الفتيات اللواتي يتعرضن للتحرش في قطاع غزة بشكلٍ خاص، بمنظومة مجتمعية «سلبية»، تعتبر الإفصاح عن تلك الحالات، بمثابة «العيب»غير الأخلاقي، مما يجعل كثيراً من الحالات والقصص، حبيسةً لنفوس صاحباتها.
وفي تصريحات صحافية سابقة، قالت مديرة مركز شؤون المرأة في قطاع غزة آمال صيام، إنّ ما يقارب 14.6في المائةمن النساء يتعرضن للعنف الجنسي والتحرش، موضحةً أنّ تلك الأرقام تمثل نسبة قليلة بالنظر إلى حالة التكتم التي ترافق عادة مثل هذه الحالات، وشددت على أن كل ما تتعرض له النساء يمثل عنفاً اجتماعياً وجسدياً وانتهاكاً لحقوق النساء ولشخص المرأة، ويستوجب تحركاً أكثر جدية من الجهات الرسمية الفلسطينية والأهلية للقضاء عليه، ولذلك رأت أنّ تجريم مرتكبي التحرش والعنف ضد النساء، ضرورة مجتمعية.