معضلة مراكز الدروس الخصوصية في مصر

كيف أصبحت الوسيلة الأساسية للتعليم بعد تدهور مستوى المجاني

* بسبب وجود طلاب لا يستطيعون الحصول على تعليم عالي الجودة وأساتذة يحصلون على أجور منخفضة تكونت علاقة تكافلية تجلت في الدروس الخصوصية.
* على الرغم من أن الأهل ذوي الدخل المنخفض هم من يضعون أولادهم في المدارس الحكومية لعدم قدرتهم على دفع رسوم دراسية عالية، فإن حاجة أولادهم الملحة إلى مراكز التعليم الخصوصي جعلتهم يضعون ثمن هذه الدروس في ميزانيتهم الشهرية
* سيتم أخذ درجات الطالب طوال مسيرته المهنية في المدرسة الثانوية لمدة ثلاث سنوات كاملة بعين الاعتبار وسيتم احتساب جميع الدرجات النهائية لتشكيل نسبة مئوية 
 
لندن: امتحانات شهادة الثانوية العامة المرعبة هي سلسلة من الاختبارات الموحدة التي يجريها خريجو الثانوية العامة في مصر. وتعتبر هذه الامتحانات بالنسبة للعديد من الطلاب- إن لم يكن لمعظمهم- نقطة حاسمة في حياتهم، إذ تحدد المسار الجامعي الذي يمكنهم سلوكه، كما يمكن أن تتحطم أحلام طلاب يرغبون في الالتحاق بجامعة الأحلام، بسبب نتيجة امتحان سيئة. ومن المحتمل أن الذين يجرون الامتحانات خلال هذه الفترة يشعرون بحالة مستمرة من القلق والتوتر. ويحلم بعض الذين تخرجوا منذ فترة طويلة بكوابيس تتعلق بهذه الأسابيع القليلة من العذاب.
 
الاختبار الذي يحدد مستقبل التلاميذ
 
نظام اختبار الثانوية العامة هو امتحان يعتمد على النسبة المئوية التي يتم تقسيمها على فئتين، الواجبات المنزلية وامتحانات نهاية العام الدراسي نفسها. ومن السهل نسبيًا إكمال القسم غير المتعلق بالامتحان، وينجز معظم الطلاب جميع الواجبات المطلوبة قبل أسابيع من الامتحان (الكثير منهم ينقلون الأجوبة من زملائهم وهذا موضوع نناقشه في مقالٍ آخر). وتكمن المشكلة في الاختبار الفعلي، والذي يمكن أن يؤثر بشكل غير عادل على مستقبل الطالب لسببين. أولاً، تعطي المدارس النسبة الأقل للواجبات المنزلية. وثانيًا، تقام هذه الامتحانات مرة واحدة فقط. ويعني هذا إعطاء الطلاب فرصة واحدة فقط طوال العام الدراسي للنجاح في المادة. والمعروف أنه على الطالب الذي يفشل في تحصيل علامات عالية أن يلوم نفسه بسبب قلة الدرس، ولكن قد تؤثر عوامل أخرى على أداء الطلاب وتؤدي إلى رسوبهم أو حصولهم على علامات منخفضة. وأحد العوامل المذكورة عدم الحصول على التعليم المناسب والاهتمام من المعلمين. وينطبق هذا الأمر بشكلٍ خاص على الطلاب الذين يدرسون في المدارس الحكومية.
 
التلاميذ هجروا المدارس الرسمية وتدافعوا إلى مراكز التدريس الخصوصي
 
تواجه المدارس الحكومية في مصر عقبة الاكتظاظ. فمعظم السكان شباب نسبيًا. ووفقًا للمجلس القومي للسكان، فإن 61 في المائة من السكان تحت سن 30 عاما، في حين تتراوح أعمار 40 في المائة من السكان بين 10 و29 سنة. بالإضافة إلى ذلك، تشير إحصائيات عام 2018 إلى أن 32.5 في المائة من المصريين يعيشون تحت خط الفقر. وفي حين تخلى الأهل الأثرياء منذ فترة طويلة عن تعليم أولادهم في المدارس الرسمية، إلا أنه ليس خيارًا للعائلات الفقيرة. ولذلك، يضطر كثير من الأهل إلى إرسال أولادهم للمدارس الحكومية التي غالبًا ما تكون مزدحمة وتعاني من نقص التمويل ولا يستطيع معظم الطلاب الحصول فيها على الاهتمام الكافي من المعلمين الذين يأخذون أجورًا منخفضة.
وبسبب وجود طلاب لا يستطيعون الحصول على تعليم عالي الجودة وأساتذة يحصلون على أجور منخفضة تكونت علاقة تكافلية تجلت في الدروس الخصوصية. فيرسل الأهل أولادهم إلى مراكز التعليم الخصوصي؛ حيث يعمل الأساتذة ذوو الدخل المنخفض في قطاع التعليم العام كمعلمين خصوصيين، ليتأكدوا من حصولهم على المعلومات التي يتطلبونها لاجتياز الامتحانات بدرجة امتياز. وهكذا، يحصل كلا الطرفين على ما ينقصهما خلف جدران المدرسة. فيحصل الطلاب على الاهتمام الذي يحتاجونه بينما يحصل المعلمون على المبالغ المالية التي لا يستطيعون تحصيلها من الأجور المتواضعة.
وعلى الرغم من أن وجود مراكز التعليم الخصوصي لا يقتصر على مصر، إلا أنها باتت مؤسسة متكاملة هناك... وهذه مقارنة بين التعليم المدرسي في مصر واليابان. في اليابان، يحضر العديد من طلاب المرحلة الثانوية إلى مراكز التعليم الخصوصي بعد ساعات الدراسة وخلال عطلات نهاية الأسبوع. وتساعد هذه المراكز الطلاب في اليابان ومصر على اجتياز الامتحانات الجامعية. ولكن على خلاف المراكز في مصر، تعد في اليابان بمثابة مكمّل للمدارس الثانوية وليست بديلاً عنها. فقد أصبح شائعًا في مصر تغيب طلاب المرحلة الثانوية عن الفصول الدراسية لحضور ساعات الدروس الخصوصية في المراكز المخصصة لها.
علاوة على ذلك، لا يقدم المعلمون الخصوصيون في هذه المراكز التعليم المناسب للطلاب والذي يشجعهم على التفكير الناقد وحل المشكلات بشكل إبداعي. فبدلاً من ذلك، يسعى الأساتذة في هذه المراكز إلى تعليم الطلاب أفضل طرق الحشو في أقل وقت ممكن. كما يعمد الأساتذة إلى تعليم الطلاب أساليب مختلفة تساعدهم على التركير على جزءٍ معين من المنهج أكثر من غيره، فعلى سبيل المثال، تنقسم اللغة العربية في منهاج المدرسة المصرية إلى العديد من الأقسام المختلفة: التعابير والقصص والنصوص والنحو.
ويدرس الطلاب في مرحلة الثانوية العامة قصة «الأيام» لطه حسين، في قسم الرواية، ويحدد المعلمون الخصوصيون لطلابهم الفصول التي عليهم التركيز عليها. ولكي نكون منصفين، فإن المعلمين لا يختلقون هذه الادعاءات، فهم يعتمدون على خبراتهم لتحديد هذه الفصول ويدققون بأسئلة الاختبارات الرسمية ويلاحظون الأسئلة المتكررة، وتلك التي لم يتم ذكرها قط.
علاوة على ذلك، يسأل العديد من الطلاب أيضًا أصدقاءهم عن المؤشرات التي شدد عليها أساتذتهم. وفي النتيجة، يذهب في الغالب العديد من الطلاب إلى الامتحان بعد أن يتأكدوا من حشو 70 إلى 80 في المائة من الرواية بدلاً من كل الكتاب.
 
وفي حين تسلط الاختلافات بين المدارس الحكومية والخاصة الضوء على الاختلافات الطبقية في المجتمع المصري، كذلك تفعل الدروس الخصوصية. ويعتمد معظم المعلمين الخصوصيين بشكل كبير على سمعتهم، فبمجرد أن يشتهر معلم واحد بمساعدة العديد من الطلاب في اجتياز الامتحانات بتفوق، سرعان ما يتلقى الكثير من الاتصالات من الأهل لمساعدة أولادهم.
وعادةً ما يكون المعلمون الأكثر شهرة (المعروفون أيضًا بتحقيق أعلى النتائج) الذين يطلبون مبالغ أكبر مقابل ساعات التدريس. ونظرًا لاضطرار الأهل إلى توظيف مدرس لكل مادة، فهم يضطرون إلى اتخاذ قرارات مهمة بشأن المعلمين الذين يمكنهم تحمل تكاليف دروسهم. وعلى الرغم من أن الأهل ذوي الدخل المنخفض هم من يضعون أولادهم في المدارس الحكومية لعدم قدرتهم على دفع رسوم دراسية عالية، إلا أن حاجة أولادهم الملحة إلى مراكز التعليم الخصوصي جعلتهم يضعون ثمن هذه الدروس في ميزانيتهم الشهرية.
 




 طالبات خلال درس في صف مدرسة ابتدائية، يظهر عليهن (الكسل) والملل أثناء الاستماع للدرس في حي البراجيل بمحافظة الجيزة. يشكو مدير المدرسة من الفصول الدراسية المزدحمة ، والتي تصل إلى 70 تلميذا وتلميذة في الفصل الواحد (غيتي)



ماذا عن المدارس الخاصة؟
 
كان يسود الاعتقاد بأن الطلاب الذين يرتادون المدارس الخاصة يحصلون على الاهتمام اللازم وعلى مستوى تعليم يغنيهم عن تلقي دروس خصوصية. ولكن هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة، وهذه تجربتي الخاصة على سبيل المثال. كنت أرتاد مدرسة دولية وأتعلم في قسم المنهاج الأميركي، أي كنا ندرس نفس المناهج الدراسية من المدارس الثانوية الأميركية، فكانت بالتالي درجاتنا تعتمد على مقياسين: المعدل التراكمي واختبار سات (اختبار الكفاءة الدراسية). وكان يحسب معدلنا التراكمي بحسب علامات المدرسة، وكان واضحًا في الغالب. ولكن كنا نعاني مشاكل بسبب اختبار سات لأنه لم يتم تضمينه في مناهجنا المدرسية الخاصة. وبالتالي، كان يعمل العديد من معلمي اللغة الإنجليزية والرياضيات مدرسين خصوصيين بأجور مرتفعة لتحضير الطلاب لاختبار سات. وكانت تكلفة حصة سات الخصوصية بين عامي 2012 و2013 نحو 550 جنيهًا مصريًا. وبطبيعة الحال، ونظرًا لمعدلات التضخم الوطنية، فقد ارتفع هذا السعر بلا شك. كما كان يحضر الطلاب المسجلون في مدارس الشهادة العامة للتعليم الثانوي الدولية (المعادلة الدولية للشهادة العامة للتعليم الثانوي البريطاني) حصصًا مماثلة يساعدهم فيها المعلمون على اجتياز امتحانات المستوى الأول.
 
أمل جديد للمستقبل؟
 
أعلن وزير التربية والتعليم والتعليم الفني المصري طارق شوقي عام 2017 أن الوزارة ستطبق نظاما تعليميا جديدا لا يتضمن اختبار الثانوية العامة. وقال إنه سيشمل أنواع التقييم المختلفة، منها «التقييم التراكمي» في مرحلتي التعليم الثانوي والفني والذي يتضمن التقييم الكلي الجديد للثانوية العامة بتقييم كلي يقوم على أداء الطلاب في سنوات التعليم الثانوي «الثلاث سنوات مجتمعة». وأضاف أن الحصول على شهادة الثانوية العامة لن يعتمد على اختبارات الفرصة الوحيدة في نهاية السنة الدراسية الأخيرة بل سيعتمد على نظام النسبة المئوية للدرجات الجديدة. وبهذا، سيتم أخذ درجات الطالب طوال مسيرته المهنية في المدرسة الثانوية لمدة ثلاث سنوات كاملة بعين الاعتبار وسيتم احتساب جميع الدرجات النهائية لتشكيل نسبة مئوية. ويعد هذا تناقضًا كبيرًا مع النظام الحالي الذي يضع مستقبل الطالب في فترة اختبار واحدة تتم خلال الأيام الأخيرة من رحلته في المدرسة الثانوية.
كما أعلن الوزير أنه سيتم التخلي عن الانقسام بين مسارات العلوم والفنون وسيتم إعطاء الحرية للطلاب طوال هذه السنوات الثلاث لاختيار المواد التي يريدون دراستها. وبحسب الوزارة، سيطبق النظام الجديد اعتبارًا من العام الدراسي المقبل 2020-2021. وفي حين سيساعد هذا النظام على تخفيف قلق الطلاب من إجراء الاختبارات، إلا أنه ليس واضحًا بعد ما إذا كان سيحسن من جودة التعليم في بيئات المدارس العامة. وطالما أن المرحلة الثانوية لا تزال فترة حرجة يستطيع فيها الطالب تحسين وضعه الاجتماعي، فلن يقل الاعتماد على الدروس الخصوصية في المستقبل القريب.