حسان دياب تلك المصيبة

  • دياب مصيبة أخرى تضاف إلى مصائب لبنان، يشبه هذا البلد في انحداره، وهو أصدق انعكاس للقعر الذي وصلنا إليه. هو مسؤول طبعًا، وسيبقى مسؤولا عن تلك المرحلة السوداء، ولكن من تجب محاكمته، أولا وأخيرًا، هو من اقترح اسمه ليرأس تلك المهزلة


     
    ما زال حسان دياب يعيش تلك النشوة التي شعر بها إثر تعيينه رئيس حكومة. لم يعتقد للحظة أن اسمه سيدخل نادي رؤساء الحكومة حتى وجد حزب الله فيه ضالته. لم يكن مطلوبًا منه الكثير. مجرد حضور. شكل من دون مضمون... قبل المهمة. المهم أن التاريخ سيذكر اسمه. لا يهم إن كان عهده أسود وملعونًا... صار دولة الرئيس.
     
    نص بيان وزاري طموح. حمله جدولا زمنيا في بلاد لا تقيم للزمن حسابا. أخفق في الاستجابة لمطلب واحد أطلقه الناس في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي. أخفق في تصحيح خلل واحد في إدارة البلد المهترئة. أما المطالبون برحيله فقال لهم إنه باق ضيفا ثقيلا في القصر الحكومي على حساب مالية الدولة، ما دام حزب الله لم يرفع عنه الغطاء.
     
    عندما ينظر إلى المرآة يتراءى له طيف سعد الحريري. لا يرى غيره شماعة يعلق عليه إخفاقاته. فمثلا يتهمه مواربة بتحريض الدول العربية والغربية عليه وعلى حكومته، عندما يضغط عليهم من أجل حجب المساعدات عن لبنان. يقولها بكل سذاجة، من دون الانتباه إلى أنه لو كان اتهامه صحيحا لوجب بحسه الوطني والإنساني أن يتنحى جانبا ليأتي الحريري بالمساعدات، أو أي شخصية أخرى يتهمها دياب بهذا العمل المشين.
     
    هو لم يتوارَ عندما رفع دعوى قضائية على الجامعة الأميركية التي احتضنت نبوغه العلمي بحجة المطالبة بتعويض بالعملة الأميركية النادرة مدفوعة له في حساب خارج لبنان. مليون دولار قد يساعد أكثر من تلميذ في المحنة التي تمر بها جامعة لبنان الأولى لكن يعتقد رئيس حكومة لبنان أنه اولى بها.
     
    لم يتلقَ دياب دعوة واحدة بعد لزيارة دولة عربية. لا أحد يهتم للتحدث مع وكيل لا يملك قراره. عند التفاوض مع جهات خارجية ينتدب حزب الله اللواء عباس إبراهيم. لعباس ثقل ما مع الجهات الداخلية والخارجية ليست عند دياب هذا. لا أحد يأخذه على محمل الجد. في فيديو مسرب لاستقباله وزير خارجية فرنسا يظهر تجاهل بعض المشاركين في الوفد الفرنسي لرئيس وزراء لبنان.
     
    من يتابع التعليقات التي تتتالى عند كل هفوة يقوم بها دياب يشعر فعلا بالحرج من مآل موقع الرئاسة التنفيذية  في البلد. الرجل أصبح عنوانا للشماتة. في غمرة انشغالاته المفترضة يستقبل دياب منشدا مغمورا خاصته، سب وشتم كل من يعارض حزب الله على وقع لحن ممل. يسر دياب لمنشد «الموت لآل سعود»جلسة مواجهة سفيرة الولايات المتحدة عندما زارته وكشف لها عن عتابه عليها لتدخلها في شؤون لبنان الداخلية. ثم لا يلبس أن ينفي هذا الحديث الذي نقله المنشد جملة وتفصيلا.
     
    آخر هفوات دياب هذا، وما أكثرها، اتهامه وزير خارجية فرنسا جان إيف لودريان، بعدم رغبة من يمثل في مساعدة لبنان... لماذا حسب دياب؟ لأن وزير خارجية فرنسا ربط المساعدات بالإصلاحات. ثم اتهم دياب وزير خارجية فرنسا بعدم متابعة تفاصيل إنجازاته في الحكم.
    لنضع جانبًا قلة الأخلاق الدبلوماسية في مخاطبة أجنبي تبرعت بلاده بملايين الدولارات لصالح المدارس الفرنكفونية والتي كان معظمها يتجه نحو الإقفال لعدم قدرة الأهالي على دفع الأقساط، ولنضع جانبا سخافة دياب في اتهام الفرنسيين بعدم متابعة ملف لبنان بأدق تفاصيله، مع العلم أنهم عرابو مؤتمر «سادر»وعلى تواصل مباشر مع النقد الدولي الذي يطلعهم من دون شك على أسرار الصندوق الأسود للإدارة اللبنانية، فما يقوله دياب ببساطة يعني أن دولته تريد أموال المساعدات من دون إصلاحات.
     
    وبالفعل بعد أشهر من تحمل دياب المسؤولية يكفي لنا أن نذكر ما أوردته منظمة «أنقذوا الأطفال»في تقرير لها، لتقييم عمله كرئيس للوزراء، من أن نحو مليون نسمة في منطقة بيروت لا يملكون المال الكافي لتأمين الطعام، أكثر من نصفهم من الأطفال، مهددون بالجوع جراء الأزمة الاقتصادية الممتدة في لبنان... هي بيروت التي يطل عليها دياب من مكان سكنه في «السراي الحكومي»،يتساءل في تغريدة أخرى- سارع إلى شطبها- عن ازدواجية تصرفات قوى الأمن الداخلي في تطبيق الأمن. يلعب دياب دور المواطن عندما ينتقد «ما يحصل في كل القطاعات لناحية الفجور الذي يمارس على الدولة من المحروقات إلى الكسارات إلى أسعار المواد الغذائية والاستشفاء والتعليم وغيرها»،ليكتشف أن «الأمر غير طبيعي، ويشير إلى وجود مافيات قد تكون سياسية أو تجارية تتحكم في الدولة»،ثم يمارس دور الحاكم عندما يقول إنه لن يستقيل... دياب يعاني من انفصام في الشخصية بادٍ من مواقفه المتناقضة، ومن الأنا المنتفخة، ومن «الولدنة»السياسية.
     
    دياب مصيبة أخرى تضاف إلى مصائب لبنان. هو يشبه هذا البلد في انحداره، وهو أصدق انعكاس للقعر الذي وصلنا إليه؛ هو مسؤول طبعًا، وسيبقى مسؤولا عن تلك المرحلة السوداء، ولكن من تجب محاكمته أولا وأخيرًا يبقى هو من اقترح اسمه ليرأس تلك المهزلة.