سوريا: عرس ديمقراطي بالألوان

* الأسد الذي تحدى القانون الدولي على مدى تسعة أعوام، والذي ضرب بعرض الحائط القرارات الدولية المتعلقة بالوضع السوري، يصر أيضاً على تحدي عقول السوريين وغير السوريين، بالقول إن نظامه أجرى ويجري انتخابات ديمقراطية

عاشت سوريا قبل أيام عرساً ديمقراطياً، انتخب السوريون ممثلين عنهم في مجلس الشعب، تحدوا كورونا وشاركوا بالإدلاء بأصواتهم، فلم تخسر ديمقراطية الأسد بريقها ورونقها، لا بسبب المؤامرة الكونية على البلاد ولا بسبب الوباء، كلمات تشبه مقدمات نشرة أخبار الساعة الثامنة والنصف على التلفزيون الرسمي السوري منذ عشرات السنين.

ولدت وعشت وتابعت دراستي المدرسية في سوريا، أذكر جيدا الاستفتاء الأخير لتجديد البيعة لحافظ الأسد، كان بالنسبة لنا يوما، بل أسبوعا ديمقراطيا جميلا وبالألوان، كنا على مقاعد المدرسة نرتدي بدلتنا العسكرية، أو كما كانوا يسمونها بدلة الفتوة، ونتحضر للتصدي وسحق الصهيونية والإمبريالية ومعهما الإخوان المسلمون، كما كنا نقسم صباح كل يوم قبل دخولنا إلى مقاعد الدراسة. (أتساءل كيف كنت أردد لأعوام ذلك القسم كل صباح، وما إن أنهيت دراستي الثانوية حتى نسيت كلماته).

أسبوع الاستفتاء وتجديد البيعة لحافظ الأسد، تم إعفاؤنا من ارتداء بدلة الفتوة، وطلب منا أن نأتي إلى المدرسة بثياب مدنية، يدخل المدرب العسكري، يتأكد من التزام وحضور جميع الطلاب والطالبات، ومن ثم يأخذنا كـ«قطيع»بالألوان هذه المرة إلى الشارع، وتأتي كاميرا التلفزيون العربي السوري وأشقائه ويلتقطون صورنا، ويكون الخبر «السوريون في مسيرات عفوية يهتفون للقائد ويجددون البيعة»، طبعا من لا يشارك في هذه المسرحية قد يتعرض إلى عقوبة تصل إلى حد حرمانه من التقدم لامتحانات الشهادة الثانوية.

كان موظفو الدولة وبعض موظفي القطاع الخاص والنقابات يشاركون أيضًا في العرس الديمقراطي، المشاركة ليست خيارًا بل فرض، وما يفرض على طريقة البعث والأسد ليس أمرًا قابلا للنقاش.

ومن ذلك الحين، كلما سمعت بانتخابات أو استفتاء في سوريا، تذكرت أسبوعنا الملون في المدرسة.

لطالما استهوتني السياسة وقراءة الصحف والمقالات والكتب عن تاريخنا الحديث وتجاربنا الوليدة، كنت أحفظ أسماء نواب ووزراء ومسؤولين في دول مجاورة، ولم أشعر يوما بالرغبة في أن أعرف أسماء الوزراء والنواب السوريين، كنا نحفظ اسم «الأب القائد حافظ الأسد»،كما كانوا يلقنوننا إياه بالمدرسة، ونعرف أسماء أربعة أو خمسة ضباط يحكمون البلد، أما ما عداهم فلا أظن أنني وحدي من لم تكن مهتمة بمعرفة أسمائهم أو وجوههم.

هذه المرة حاولت أن أكون أكثر اهتماما، ولكن بلا جدوى، لم أحفظ أيا من أسماء المرشحين ولا الناجحين، قرأت الخبر كمن يحاول قراءة لغة يراها لأول مرة.

أكثر من نصف الشعب مهجر، أكثر من 500 ألف قتيل، عشرات الآلاف من المعتقلين، خمسة جيوش أجنبية موجودة على الأراضي السورية، مقاتلون من شتى أصقاع الأرض، انهيار اقتصادي ومالي، عقوبات، ودون أن ننسى، وباء كورونا (كوفيد-19)، ورغم كل ذلك أصر بشار حافظ الأسد على إجراء مسرحية الانتخابات، وشارك جيل جديد في الفيلم الملون، وأكاد أجزم أن نسبة السوريين الذين يعرفون أسماء الفائزين بالانتخابات لا تتعدى 5 في المائة.

يقول أحد الكتاب في موقع صحيفة «الثورة»التابعة للنظام: «في الحقيقة الصورة محرجة جدا للغرب، وتربك الدوائر السياسية الغربية، وخاصة الأميركية، وهنا نتحدث عن الصورة الحقيقية للديمقراطية في سوريا التي عكستها العملية الانتخابية لانتخابات مجلس الشعب للدور التشريعي الثالث، وكيف قدّم الإعلام الوطني صورة شفافة لمراحل العمليّة الانتخابية بمهنية عالية كانت كالمخرز في عين العدو».

إذن لم تكن الانتخابات بالنسبة للنظام مجرد عرس ديمقراطي، ولكنها أيضا كانت ضربة محرجة للغرب عموما، ومربكة للولايات المتحدة الأميركية على وجه الخصوص، لقد نجح النظام بوضع المخرز بعين العدو.

الأسد الذي تحدى القانون الدولي على مدى تسعة أعوام، والذي ضرب بعرض الحائط القرارات الدولية المتعلقة بالوضع السوري وتحديدا القرار 2254 وآلية الانتقال السياسي، يصر أيضا على تحدي عقول السوريين وغير السوريين، بالقول إن نظامه أجرى ويجري انتخابات ديمقراطية، ويخاطر بصحة آلاف السوريين في ظل الانتشار السريع لوباء كورونا، كي يكتمل المشهد في مسرحيته الهزلية.

ولكن إن لم تنطلِ المسرحية علينا يوم سمحوا لنا بأن نعيش أسبوعا من مراهقتنا بالألوان، فكيف يظن الأسد أن مسرحياته الديمقراطية قد تنطلي على أحد؟