«المجلة» ترصد ساعات رعب أهالي العاصمة

محافظ بيروت لـ«المجلة»: سأقدم دعوى شخصية ضدّ كل من تسبب وتورط في حدوث الفاجعة

* المحافظ مروان عبود:شباب إطفاء بيروت الذين زرتهم صباح يوم الكارثة وقمت بحثهم على العمل من أجل بيروت، باتوا شهداء بعد الظهر... وحجم الخسائر يقدر بـ 5 مليارات دولار

 الفنان بديع أبو شقرايتحدث لـ«المجلة» عن مبادرة «على قدنا» ويؤكد:ليس لدينا حلّ إلا المواجهة حتى لو كلفنا ذلك حياتنا

الحجر والبشر في بيروت تحوّلوا إلى ضحايا، شوارع وأحياء تراثية دمّرت بأكملها، جرحى بالآلاف ونحو150 شهيدا وعشرات المفقودين..و 300 ألف مواطن بلا مأوى

بيروت: فاجعة هي الأكبر والأقسى والأعنف، عاشها اللبنانيون قبل أيام، عندما تحوّلت أكثر من نصف مساحة بيروت إلى مدينة دمار ورماد وركام... إلى مدينة منكوبة، بوجوه شاحبة وخائفة، حزينة ومصدومة من هول الكارثة التي حلّت، ولسان حال أبنائها يسألون كل لحظة، من قتلنا؟ من قتل بيروتنا ودمّر منازلنا وشرّدنا؟

الحجر والبشر في بيروت تحوّلوا إلى ضحايا، شوارع وأحياء تراثية دمّرت بأكملها، جرحى بالآلاف وأكثر من 150 شهيدا وعشرات المفقودين، قصص ومآسٍ في هذا اليوم المشؤوم لأبناء فقدوا أهاليهم أو الأهالي الذين فقدوا أبناءهم، لأناس فقدوا جنى أعمارهم عندما قرروا البقاء وعدم الرحيل على الرغم من كل الظروف السيئة التي يعاني منها لبنان، فأي الأقدار هذا الذي يعيشه اللبنانيون؟

الانفجار الذي وصل صداه إلى البلدان المجاورة، حوّل شوارع بيروت التي تعجّ بالحياة إلى شوارع تعلو فيها أصوات الإسعافات وعويل الجرحى وأهالي المفقودين الذين يفترشون الشوارع، للبحث عن أبنائهم، لحظات رعب وخوف عاشوها من كانوا بالقرب من الانفجار وحتى من هم بعيدون جغرافياً، فما حلّ ببيروت لم يكن قاسيا على من تضرروا فقط بل كان قاسيا على كل أبناء الوطن والعالم؛ أن تتحول عروس الشرق إلى مدينة كئيبة مدمرة وحزينة. هي ليست المحنة الأولى التي مرّت عليها، ومن يعرف بيروت يعرف أنّها دائما تنهض وتستعيد حيويتها وصخبها، ولكن هل ستعض على جراحها هذه المرّة وتنهض أم أن ما حصل هو السقوط الأخير؟

 

شباب إطفاء بيروت أول ضحايا التفجير

بهمم اللبنانيين بدأت الشوارع تنفض عنها غبار الركام، وباتت المناطق اللبنانية على امتداد الوطن تستقبل جثامين شهدائها ليرقدوا في مثواهم الأخير، وحدهم شباب إطفاء بيروت الذين لبوا النداء وهرعوا إلى مكان الانفجار قبل حصوله بدقائق، ليطفئوا الحريق في المكان، لم يتم العثور على جثامينهم حتى الساعة، 9 شباب وشابة استشهدوا من فوج إطفاء بيروت هم من أوائل الضحايا وأقربهم إلى موقع التفجير، وحدها الشهيدة سحر فارس استطاع زملاؤها في الفوج من إيجاد ما تبقى من جثمانها فزفها رفاقها وعريسها يوم الخميس إلى مثواها الأخير، وأبكت الوطن أجمع، فمن يأخذ حقّ هؤلاء الشباب الذين يعملون بإخلاص لحماية بيروت وأهلها؟

 



محافظ بيروت مروان عبود

 

محافظ بيروت مروان عبود، وهو أوّل من وصل إلى موقع الانفجار وانفجرت دموعه مباشرة على الشاشات من هول المشهد وفقدان شباب الإطفاء، يؤكدّ في أنّه «باسم بيروت وأهل بيروت وباسم الشهداء الذين سقطوا سأقدم دعوى شخصية باسم بلدية بيروت ضدّ كل متسبب ومتورط بالانفجار، ولن أرتاح حتى أحصّل حق هؤلاء الأبطال على الأقل معنوياً بمحاسبة كل من تسبب بهذه الفاجعة».

وعند سؤاله هل كان يعلم فوج الإطفاء بوجود هذه المادة الخطرة في مكان الحريق، أكّد عبود أنّ «الفوج تبلّغ عن حريق عادي ولم يعلم خطورة المكان وإلاّ لما تمّ إرسالهم»، مضيفاً: «فور سماعي خبر حصول انفجار توجهت إلى مكان التفجير على الرغم من النصائح التي وجهت لي بعدم الدخول إلى المكان بسبب خطورة الوضع، ولكني لم أتمكن ودخلت لأبحث بين الأنقاض عن الجرحى والقتلى، حجم الدمار الذي شاهدته جعلت مشاعري تتغلب على عقلي، خصوصا عندما شعرت أنّ شباب (أبنائي) الإطفاء الذين زرتهم صباح اليوم نفسه وقمت بحثهم على العمل من أجل بيروت، باتوا شهداء بعد الظهر، الموقف كان صعبا جدا».

 



مجموعة من الصور التي تم التقاطها في 6 أغسطس ( آب ) تظهر اللبنانيين يجلسون في منازلهم المتضررة في العاصمة اللبنانية بيروت ، بعد يومين من الانفجار الدامي (غيتي)

 

خسائر بالمليارات  

وتابع عبود: «أمس الخميس قمت بجولة ميدانية في المناطق المدمرة وشاهدت امرأة مسلمة محجبة ترفع الركام عن كنيسة في الأشرفية، هذا المشهد ردّ لي الأمل بأن بيروت ستنهض مجددا، المسائل المادية تعوّض أمام تضامن اللبنانيين مع بعضهم البعض».

وعن الـ300 ألف الذين باتوا بلا مأوى قال عبود: «نقلنا من لا يستطيعون العيش في منازلهم وهي مدمرة بالكامل إلى مناطق خارج بيروت، وبعض المتضررين لا تزال بيوتهم شبه صالحة للسكن، لذلك هم لا زالوا يعيشون فيها، كذلك رصدنا 30 مليار ليرة لإغاثة الناس في هذه الأيام العصيبة».

وعن تقديرات الخسائر، قال: «بحسب التخمين الأولي لمهندسي بلدية بيروت الخسائر تصل إلى 5 مليارات دولار، أمّا الخسائر طويلة الأمد بالاقتصاد اللبناني فتقدر بـ15 مليار دولار».

       

حملات تكافل وتضامن في بيروت المنكوبة

ما إن مرّت ساعات على الصدمة حتى استفاق اللبنانيون على شوارع مدمّرة وأبنية متصدّعة وعائلات مشردة، ومنازل مدمّرة، هذه المشاهد دفعت اللبنانيين إلى التكافل والتضامن، فأتوا من كل لبنان إلى الأماكن المتضررة حملوا مكانسهم وبدأوا برفع الركام وتنظيف الشوارع، ومساعدة المتضررين والمنكوبين، كذلك حملات لتوزيع الطعام والغذاء وتأمين المأوى البديل للذين دمّرت منازلهم بالكامل، المشاهد في شوارع بيروت تؤكّد أن لبنان لا زال بخير بهمّة أبنائه.

 



 الفنان اللبناني بديع أبو شقرا

 

الممثل اللبناني بديع أبو شقرا من المتطوعين في حملة من الحملات التي تعمل على مساعدة الضحايا، يتحدث لـ«المجلة» عن مبادرة «على قدنا» التي أطلقها الممثل عبدو شاهين عند بداية ثورة 17 تشرين وغلاء الدولار، ويقول أبو شقرا: «نحن نقوم بجمع التبرعات ونستخدمها لتوزيع مواد غذائية على العائلات المحتاجة بشرط عدم تصوير من يتلقون هذه المساعدة، وقبل وقوع الانفجار كنا نعمل على توزيع حصص غذائية، ولكن بعد وقوع الانفجار، استخدمنا الأموال المتبقية معنا للمساعدة في تنظيف الشوارع ومساعدة الناس الذين تضرروا جراء الانفجار، إضافة إلى توزيع المواد الغذائية ولوازم حياتية على المتضررين. نحن موجودون على الأرض كل الوقت لكي نلبي أي نداء أو مساعدة».

وقال: «ما نشهده اليوم وكأنّه مقطع من فيلم هوليودي، مشهد كارثي، والدولة الساقطة تتعامل معه وكأنّه انفجار عبوة ناسفة صغيرة، على الرغم من أنّها كارثة كبيرة ومن أكبر الكوارث في تاريخ البشرية، وعلى الرغم من ذلك لن أكرر تجربة الهجرة والرحيل سأبقى هنا، إما أن نغيّر البلد أو لا يحق لنا أن نكون مواطنين ولن يكون هناك بلد، الاعتماد فقط علينا وعلى الناس وليس على الدول في مساعدتنا فجميعهم يحملون أجنداتهم الخاصة التي ندفع ثمنها نحن الشعب، وهنا أوجّه ندائي إلى كافة دول العالم نحن شعب منكوب وجائع ومفلس، لا تساعدونا لا ترسلوا أموالا للدولة لأنها ستسرق، لا ترسلوا أموالا للجهات الرسمية لأنّها ستستخدمها في قمع الشعب وتخفيف وطأة الضغط عن الحكم الحالي، لا تساعدونا إن لم نساعد أنفسنا عبر اعتمادنا على المساعدات والتبرعات خارج النطاق الرسمي».

وقال أبو شقرا: «بيروت ليست أبنية، هي شعب، وهكذا بيروت بالنسبة لكثيرين، لذلك هناك كثر من الناس يساعدون دون أن يذكروا أسماءهم، وبعد الانفجار تم تنظيف شوارع بيروت من قبل الناس بمبادرات شخصية ومتطوعي الصليب الأحمر وفوج الإطفاء والدفاع المدني من لبنانيين وغير لبنانيين، لأننا لا نعترف بهذه الدولة ونعلم أنها لن تعمل شيئا.

علينا اليوم العمل على تأمين المساعدات لكل المتضررين، والعمل أيضا على الخطاب السياسي والاعتماد فقط على الناس في تغيير الدولة، لأنهم حتى الدستور يستخدمونه لقمع الناس، ليس لدينا حلّ إلا المواجهة حتى لو كلفنا ذلك حياتنا».

هكذا تطوي بيروت صفحة جديدة من صفحاتها، صفحة قاسية ومأساوية، لا يمكن أن نعلم إن كنا سنشهد صفحة أقسى بعد هذا الانفجار الكبير، أم إنّها ستكون خاتمة أحزان بيروت على أبنائها وأبنيتها، على مرفئها الحيوي الذي دمّر من قبل مجرمين، ولكن إن كنتِ ستنهضين يا بيروت عليك أن تنبذي كلّ من تسبب بدمارك وتحويلك إلى مدينة منكوبة وكئيبة إلى المشانق ومزابل التاريخ!