الأمونيا ترعب الإسرائيليين

تحسبا لتكرار سيناريو بيروت.. إجراءات في حيفا بشأن المواد سريعة الانفجار
* مليونا إنسان في حوض البحر المتوسط في دائرة خطر أمونيا حيفا
* بلدية حيفا، التي تطرح مخاطر وجود مصانع الأمونيا بالقرب من ميناء المدينة منذ حرب تموز عام 2006، عادت إلى طرح الموضوع بعد يوم من انفجار بيروت
بيّن مسح في إسرائيل وجود 1500 مصدر خطر في حيفا و800 مادة خطرة.وبحسب بحث إسرائيلي، في حال تسربت الأمونيا من المخازن، فقد تؤدي إلى مقتل وإصابة عشرات آلاف السكان
سياسيون، عسكريون وخبراء اقترحوا النقب بديلا عن حيفا لنقل الأمونيا. وقبل شهر ونصف الشهر أعلن في إسرائيل، عن تحديد موعد للشروع في بناء مصانع بديلة لنقل الأمونيا
* المخاطر الكامنة في حدوث انفجار في حيفا أن المواد الخطيرة تصل بحاويات عادية، وليس حاويات خاصة، وفي حال اختراق هذه المواد قد يؤدي ذلك ليس لانفجار فقط وإنما لانتشار مواد سامة في الهواء
ترى جمعيات ناشطة في مجال المواد الكيميائية وخبراء في البحث عن بديل آخر يمنع وقوع كارثة، ودعوا إلى تطبيق سياسة إدارة المخاطر

تل أبيب: بعد ساعات قليلة من وقوع الانفجار الرهيب في مرفأ بيروت، والاشتعال الهائل الذي سببه، انتقلت القنوات التلفزيونية في إسرائيل إلى بث مباشر لتحليل احتمالات الانفجار، ليتحول الموضوع إلى سياسي أمني، محض. وتركز النقاش والتحليل حول انفجار صواريخ تعود لحزب الله، كانت إسرائيل قد حذرت من وجودها في لبنان. وسرعان ما أعلنت إسرائيل، بشكل شبه رسمي أنها غير مسؤولة عن هذا الانفجار.
ومع كشف تفاصيل خلفية الانفجار انتقل الملف الإسرائيلي إلى حيفا، المدينة التي تشكل اليوم، وبعد انفجار مرفأ بيروت بسبب مادة الأمونيا، أكثر المدن خطرا في إسرائيل، لوجود كميات كبيرة من الأمونيا في خليج حيفا مخزنة في حاويات غير آمنة، قد يسبب أي انفجار فيها إلى كارثة تفوق ما شهدته بيروت جراء انفجار مرفئها. ليس هذا وحسب، فوفق توقعات الخبراء فإن وقوع انفجار في حيفا أو تسريبات خطيرة لما تحتويه هذه الحاويات قد تصل إلى مسافة قريبة من الحدود اللبنانية. 
   بلدية حيفا، التي تطرح مخاطر وجود مصانع الأمونيا بالقرب من ميناء المدينة منذ حرب تموز عام 2006، عادت إلى طرح الموضوع بعد يوم من انفجار بيروت. وقبل أي بحث حول كيفية إخراج المدينة من مرمى خطر الأمونيا أسرعت رئيسة البلدية، عينات روتيم، إلى تحذير المسؤولين ومتخذي القرارات في إسرائيل وكتبت على صفحتها في «فيسبوك»تقول: «تخوفنا، الذي يستند إلى آراء خبراء في هذا الموضوع، هو من سيناريو رعب كالذي وقع شمال إسرائيل». ودعت إلى خطوات فورية لنقل الأمونيا.
«هناك تشابه كبير بين بيروت وحيفا»، يقول الخبير في إدارة المخاطر وحالات الطوارئ، يارون حنان. الذي يرى هذا التشابه في الطوبوغرافيا وقرب مجمع الأمونيا من ميناء حيفا، ويقول: «ونحن نشاهد بيروت لا بد أن لا أن نرى ما يمكن أن يحدث لحيفا إذا ما تحولت إلى منطقة كارثة بعد انفجار مخزون مواد خطيرة، والمواد الخطيرة في حيفا هي مادة الأمونيا ومئات المواد القابلة للاشتعال، التي في حال حدوث انفجار فيها سيكون من الصعب على إسرائيل السيطرة على الوضع ولا يمكن توقع هول الكارثة».
المخاطر الكامنة في حدوث انفجار في حيفا أن المواد الخطيرة تصل بحاويات عادية، وليس حاويات خاصة فقط، وفي حال اختراق هذه المواد قد يؤدي ذلك ليس لانفجار فقط وإنما لانتشار مواد سامة في الهواء بإمكانها قتل البشر. وفي هذه التوقعات تصبح المخاطر على حيفا أضعاف الكارثة التي شهدتها بيروت.
 
لا يقتصر الخطر على انفجار أو تسريب الأمونيا
كان من الصعب على المسؤولين الإسرائيليين استيعاب ما قد يحدث في حيفا وهم يشاهدون سيناريو الرعب في بيروت. ولم تخف رئيسة لجنة الداخلية وحماية البيئة في الكنيست، ميكي حايموفتش، مشاعر الخوف والرعب وهي تشاهد بيروت، مما استدعاها إلى إجراء بحث عاجل حول الموضوع. وتجاوبت مع مطلب رئيس القائمة المشتركة، أيمن عودة، بإجراء جولة في حيفا للاطلاع عن كثب على مصانع الأمونيا في المدينة، وستقام الجولة يوم الأحد القريب، لتستخلص اللجنة العبر من بيروت وتعد خطة للتخلص من الأمونيا قبل وقوع الكارثة.
وبحسب ما قال النائب أيمن عودة، في حديث مع «المجلة»،هناك «تأثير كبير لما حدث في بيروت على كيفية التعامل، منذ هذه اللحظة، مع وجود الأمونيا في حيفا وبعد أن قررت رئيسة لجنة الداخلية والبيئة إجراء جولة سريعة في حيفا، ردت وزيرة حماية البيئة الإسرائيلية، جيلا غمليئيل على مطلب آخر بعقد جلسة استثنائية لبحث الموضوع، فما حدث بمثابة ضوء أحمر يحمل هذه المرة المسؤولية الكاملة لمتخذي القرارات في إسرائيل».
أما عضو الطاقم الحكومي لبحث بدائل استيراد الأمونيا لإسرائيل، بروفسور عاموس نوطاع، فإلى جانب تحذيره من أن إسرائيل غير محصنة من انفجار كالذي وقع في بيروت، يرى أن الخطر لا يقتصر على خلل يؤدي إلى اشتعال المنطقة إنما انكشاف مصانع الأمونيا لهجمات حزب الله، قائلا: «مصانع الأمونيا موجودة في خرائط حسن نصر الله الذي يعرف مخاطر إصابتها، وهو الذي هدد حيفا بشكل واضح».
 
مليونا إنسان في حوض البحر المتوسط في دائرة خطر أمونيا حيفا
وإذا كان الانفجار في بيروت قد نجم عن 2750 طنا من نيترات الأمونيا ففي إسرائيل، وبحسب معطيات طرحت في المحاكم الإسرائيلية عند بحث مطلب نقل الأمونيا من حيفا، فإن سفينة الأمونيا تصل إلى إسرائيل مرة كل شهر تقريبا، وترسو في ميناء حيفا وهي تحمل 16 ألفا و700 طن من الأمونيا السائلة ويتم تفريغ 10 آلاف منها في خليج حيفا. 
إلى جانب هذه المخاطر بيّن مسح في إسرائيل وجود 1500 مصدر خطر في حيفا و800 مادة خطرة.وبحسب بحث إسرائيلي، في حال تسربت الأمونيا من المخازن، فقد تؤدي إلى مقتل وإصابة عشرات آلاف السكان، وإلى خطر كبير. وفي حال إصابة سفينة نقل الأمونيا، كشف البحث أن «أي اعتداء عليها يهدد ما لا يقل عن 600 ألف إسرائيلي. وفي حال تعرضت المخازن للخطر أو حدث انفجار فيها، يرتفع العدد إلى مليون إسرائيلي، ومليوني إنسان من سكان حوض البحر المتوسط». 
هذه المعطيات طرحت في وجهة نظر قدمها الباحث الدولي في مجال الكيمياء، بروفسور إيهود كينان، للمحكمة الإسرائيلية، الذي أشار إلى أن مادة الأمونيا تنقل في حاويات وفي حال تصدع إحدى الحاويات لأي سبب، «يمكن حدوث كارثة أكثر خطورة من الكارثة التي سببها إلقاء القنابل الذرية على مدينتي هيروشيما وناغازاكي خلال الحرب العالمية الثانية. وإذا ما تعرضت الحاويات كلها إلى الإصابة، ومن خلال احتساب معطيات حالة الطقس المعتدل، يمكن أن تغطي غيمة من غاز الأمونيا القاتل المنطقة لمدة ثماني ساعات على الأقل، وخلال ذلك قد يختنق كل من يوجد في المنطقة التي تغطيها الغيمة خلال ساعة واحدة». 
من جهتها، أكدت الباحثة في مركز حيفا للبحوث البيئية رافيتال غولدشميد، أن إسرائيل غير مستعدة لمواجهة انفجار بضخامة انفجار بيروت، وقالت في سياق حديثها عن مخاطر الأمونيا: «على الرغم من تفريغ خزان الأمونيا في حيفا، لكن في ميناء حيفا لا يزال خطر الأمونيا يحوم عندما تقف ناقلاته في الميناء ليس بعيدا عن السكان ومصنع للأسمدة يقع في وسط المدينة ويحمل حاوية 15 طنا من الأمونيا من دون حماية».

 




ميناء حيفا


 
النقب بديل عن حيفا لكن الخطر واحد
عسكريون إسرائيليون وصفوا الأمونيا في حيفا بـ«القنبلة الموقوتة»، كون استهدافها بصواريخ خلال حرب مستقبلية هو «مسألة وقت». ونقل عن أحد القياديين في سلاح الهندسة في الجيش الإسرئيلي أن «جهات معادية أدركت القدرات الكامنة في خليج حيفا بسبب هذه المستودعات الكيماوية التي من شأن انفجارها أن تؤدي لأضرار أكبر من الأضرار التي لحقت ببيروت».
سياسيون، عسكريون وخبراء اقترحوا النقب بديلا عن حيفا لنقل الأمونيا. وقبل شهر ونصف الشهر أعلن في إسرائيل، عن تحديد موعد للشروع في بناء مصانع بديلة لنقل الأمونيا من حيفا. لكن هذه المصانع لا تقلل خطره على السكان، إلاّ أن هذا الخطر سيكون محصورا على السكان البدو من فلسطينيي 48 الذين يعيشون، بمعظمهم، في قرى ترفض إسرائيل، منذ اقامتها عام 48 الاعتراف بهم. فستقام المصانع في منطقة روتيم، والمتوقع أن تنتج سبعين ألف طن من الأمونيا سنويا. ويحذر سكان هذه المنطقة من أن نقل هذه المصانع سيضاعف معاناة السكان البدو، الذين يعانون أصلا، أوضاعا اقتصادية، وسكنية واجتماعية لعدم اعتراف إسرائيل بها، إلى جانب تهديدهم المتواصل بهدم بيوتهم وتهجيرهم. 
 
الدفن تحت التراب
بغض النظر عما إذا كان نقل الأمونيا من حيفا إلى النقب سيبقي الخطر قائما لكنه محصور بين شريحة فلسطينيي 48 القاطنين في تلك المنطقة، أم إنها ستوضع في أماكن آمنة وبعيدة عن أي خطر، يبقى أي انفجار تحدثه مادة الأمونيا خطرا كبيرا يمتد إلى مساحات شاسعة، ويبقى الخطر عند نقل الأمونيا التي تصل إسرائيل إلى مكان تخزينها. 
ولمنع مثل هذا الانفجار ترى جمعيات ناشطة في مجال المواد الكيميائية وخبراء في البحث عن بديل آخر يمنع وقوع كارثة، ودعوا إلى تطبيق سياسة إدارة المخاطر، التيأوصى بها الخبراء في الاستطلاعات التي أجريت في عدة مناطق وفي أعقاب تشكيل لجنة فحصت الموضوع بعد حرب لبنان الثانية. ويدور الحديث عن خطوات هدفها خلق فصل بين مراكز المواد الخطيرة والسكان المدنيين، أو تحسين تحصينها. مثلا، من خلال دفن المواد في الأرض بدلا من تخزينها في حاويات على سطح الأرض.
وبالنسبة لخليج حيفا، بحسب الخبراء، «يجب النظر بجدية في استمرار وجود المصانع البتروكيميائية في المنطقة، إذ إنه حتى التحصين المحسن لا يمكنه أن يمنع بشكل مطلق حالات خلل أو إصابة من بعيد. ورغم أن استطلاع المخاطر الذي أجرته وزارة حماية البيئة توصل إلى الاستنتاج بأنه لا خطر غير معقول على الجمهور من هذه المصانع، ففي حالة إسرائيل، بالمقارنة مع المعايير الدولية، يجب أن نأخذ بالحسبان سيناريوهات متشددة، وبقدر الإمكان إبعاد الخطر»، وفق معدي استطلاع المخاطر الذين أضافوا أن «الخطوة الأهم هي وقف الاستخدام لأي مادة لا حاجة حيوية لها والانتقال إلى بدائل أكثر أمانا. والمثال الأبرز هو الوقود الذي يتسبب في ضرر بيئي جسيم ويشكل خطرا في حالة التسريب أو الحريق.إن الانتقال إلى الطاقة المتجددة سيعفي المجتمع الإسرائيلي على الأقل من جزء من المخاطر التي تنجم عن هذا الوقود وتمنع مصائب رهيبة كتلك التي ألمت بجارتنا من الشمال»، وفق ما جاء.
 
التضامن الإسرائيلي بعد أسبوع من التهديد بتدمير لبنان
 
في خضم النقاش الإسرائيلي حول كيفية رسم قواعد اللعبة تجاه لبنان وسوريا، والتهديد باستمرار القصف وتحميل لبنان مسؤولية أي اعتداء على إسرائيل وتدمير البنى التحتية، ليس فقط لحزب الله إنما للبنان كله، وقعت كارثة مرفأ بيروت، وتحولت إسرائيل إلى دولة متعاطفة. 
الرئيس رؤوفين ريفلين ينشر بيان مواساة للشعب اللبناني ورئيس الحكومة، فيما عرض وزيرا الأمن والخارجية التوجه إلى لبنان وتقديم المساعدة الإنسانية. ووصلت الذروة في إسرائيل لدى إضاءة بناية ضخمة في بيروت بألوان العلم اللبناني كتضامن مع لبنان.
هذه الخطوات اتخذت في وقت كان التهديد بتدمير لبنان كدولة متصاعد من دون توقف، وهو ما استدعى الكثير من الإسرائيليين إلى الرد على هذه الخطوات باستهزاء وتعليقات لا حدود لها. الناشط والخبير في الشؤون الإسرائيلية وحقوق الإنسان، جدعون ليفي قال ساخرا: «دولة اليهود لم تتسبب في أي يوم بكوارث كهذه. وبسقوط أعدائها لم يفرح قلبها في أي يوم. حتى الجيش الإسرائيلي، جيش اليهود، لم يتسبب بدمار وخراب كهذا في أي يوم من الأيام، وبالتأكيد ليس في لبنان، وبصورة مؤكدة ليس في بيروت. فما علاقة الجيش الإسرائيلي بتدمير البنى التحتية؟ تفجير ميناء في بيروت؟ ما علاقة الجيش الأكثر أخلاقية في العالم بقصف التجمعات السكانية؟ لذلك، سارع أيضا قادة الدولة إلى عرض مساعدة لبلاد الأرز المنكوبة، ببادرة حسن نية يهودية وإسرائيلية مميزة جدا- إنسانية وسامية ومؤثرة إلى درجة ذرف الدموع، ونسي هؤلاء أن سلاح الجو يهزأ بسيادة لبنان ويحلق في سمائه وكأنه بلاده، وبأن إسرائيل دمرته مرتين».
وليفي ليس وحيدا في مثل هذا النقاش خصوصا في التطرق إلى تهديدات وزير الأمن ورئيس الحكومة، قبل أسبوع، بتدمير البنى التحتية للبنان، التي بحسبهم ستكون مشاهدها أقسى أضعاف مشاهد انفجار المرفأ.
وعاد ليفي ليتحدث عن عقيدة الضاحية التي يرددها سياسيون وعسكريون إسرائيليون منذ انتهاء حرب تموز عام 2006، وحتى اليوم. وما هي هذه العقيدة؟
يقول ليفي: «إن استخدام قوة غير متناسبة ضد بنى تحتية مدنية وزرع الخراب وسفك دماء كثيرة بقدر الإمكان دون كوابح من أجل تعليم العدو درسا (مرة وإلى الأبد). الجيش الإسرائيلي حاول ذلك في السابق أكثر من مرة، في لبنان وفي غزة. وكان ذلك قصة النجاح المدوية. هذا يبدو بالضبط مثلما بدت بيروت بعد الانفجار»
وأضاف يقول: «لم يمر أسبوع على تهديد إسرائيل بهدم بنى تحتية في لبنان إذا تجرأ حزب الله على الانتقام لقتل احد مقاتليه في عملية عسكرية محدودة على الحدود، وإسرائيل المدمرة تحولت مرة واحدة إلى إسرائيل الرحيمة. هل كنتم ستقبلون مساعدة إنسانية من دولة كهذه؟ هل هناك مشهد نفاق أكثر مرارة من هذا؟ عندما دمرت إسرائيل حي الضاحية وأحياء أخرى في بيروت، مبنى بلدية تل أبيب لم يتم تلوينه بألوان علم لبنان. وعندما قتلت إسرائيل آلاف النساء والأطفال والشيوخ والشباب، الأبرياء في غزة، في عملية (الرصاص المصبوب) وفي عملية (الجرف الصامد) الإجرامية لم يتم تلوين مبنى البلدية بألوان فلسطين. ولكن أمس أصبحنا جميعنا إنسانيين جدا، جميعنا أصبحنا لبنانيين للحظة، حتى الضاحية المقبلة».