مؤشرات على تخطي مصر ذروة كورونا

بعد التراجع المستمر للإصابات وغلق كثير من مراكز العزل
* البيانات والمؤشرات تدل على اتجاه مصر للمنطقة الآمنة
* المناعة الذاتية لكورونا قللت من الإصابة بالنوع المستجد «كوفيد-19»
* الجين الضعيف من الفيروس تسبب في سرعة التعافي منه في بعض الدول
* فقدان الفيروس لجزء من محتواه الجيني والبروتيني من أسباب تراجع حدته
* تراجع أعداد المصابين في بعض مراكز العزل إلى «صفرإصابات»يوميا
* رغم تراجع حدة الفيروس في مصر هناك دول أخرى ما زالت تعاني من ذروة الوباء

القاهرة: كشفت الإحصاءات اليومية لوزارة الصحة المصرية عن مؤشرات واضحة لتراجع حالات الإصابة بفيروس كورونا (كوفيد-19) في مصر والاتجاه نحو المنطقة الآمنة، وكذلك زيادة أعداد المتعافين عن المصابين يوميا وهو ما يؤشر لتراجع حدة الفيروس عن ذي قبل، ويأتي ذلك مصاحبا لتخفيف الحكومة المصرية من إجراءات الحظر والقيود المفروضة على المواطنين والتي استمرت لما يزيد على شهرين للحد من تفشي الفيروس، ورغم الحديث عن نقص بعض الأدوية المستخدمة في علاج كورونا بالصيدليات خلال الأشهر الماضية مثل معززات المناعة والزنك وفيتامين سي وبعض الفيتامينات الأخرى إلا أن الوضع اختلف خلال الأسابيع الأخيرة مع تراجع حدة الفيروس مما أدى لتوافر هذه الأدوية مما يدل على التراجع الواضح في المرض بسبب فقدان الفيروس لجزء من محتواه الجيني والبروتيني. 
وأظهر مؤشر كورونا خلال الأسبوع الماضي انخفاض الإصابات لأقل مستوى منذ ثلاثة أشهر تقريبا بحسب إعلان وزارة الصحة المصرية، ليزيد عدد المتعافين عن 41 ألف حالة، وانخفاض أعداد المصابين يوميا لما دون 240 حالة تقريبا بعد أن وصل في بعض الأيام خلال الأشهر الماضية إلى ما يقارب ألف حالة يوميا، وانخفض العدد اليومي للوفيات إلى أقل من 30 حالة في بعض الأيام من الأسبوع الماضي، وارتفعت بشكل ملحوظ حالات الشفاء داخل مستشفيات ومراكز العزل، فيما سجلت بعض المراكز في المحافظات «صفر إصابات»حيث لم تسجل حضور أي حالات خلال ورديات عمل كاملة، وتراجعت إصابات الإلتهابات الرئوية الناتجة عن الفيروس بشكل ملحوظ، فيما تتواصل دراسات حاليا داخل مصر للوصول إلى لقاح مصري للفيروس. 
وتعكف وزارة الصحة على مواصلة استعداداتها بجميع المحافظات واتخاذ ما يلزم من الإجراءات الوقائية، ورغم المؤشرات الإيجابية في مصر توقعت منظمة الصحة العالمية بعد مرور حوالي 6 شهور من ظهور الفيروس أن يكون طويل الأمد، واستمرار ارتفاع مستوى المخاطر بشكل كبير.

 




منطقة التطهير عند مدخل ميناء مدينة الغردقة في مصر، جنوب البحر الأحمر (غيتي)

 


 
مؤشرات تراجع الفيروس
وفي مؤشر آخر لتراجع الفيروس في مصر أصبح الإعلان عن الإغلاق المتكرر لمراكز العزل في أكثر من مكان أمرا متكررا خلال الفترة الأخيرة وذلك بعد تراجع أعداد المصابين بالفيروس مما ينفي الحاجة لاستمرار عمل هذه الأماكن كمراكز للعزل، والاتجاه لعودتها لما كانت عليه سواء كمستشفيات عادية أو كمراكز طبية، وهو ما يدل أيضا على استمرار تراجع المرض يوميا. 
وتعلن وزارة الصحة المصرية يوميا عن حالات الشفاء من كورونا وخروج المتعافين من العزل الصحي بالمستشفيات وذلك بعد تلقيهم الرعاية اللازمة من قبل الأطقم الطبية المدربة على التعامل مع الفيروس وفقا لإرشادات منظمة الصحة العالمية.
وفي مقابل تراجع مؤشرات الإصابة في مصر بشكل ملحوظ، وزيادة نسب التعافي أظهرت دول أخرى ارتفاعا كبيرا في عدد الإصابات مثل دول أميركا اللاتينية والكاريبي و الولايات المتحدة الأميركية وأستراليا وروسيا لدرجة فرض قيود جديدة على المواطنين، فيما طالبت لجنة الطوارئ بمنظمة الصحة العالمية بتقديم توجيهات دقيقة وعملية لمواجهة كورونا، ولخفض ما سمته «مخاطر التراخي»، مؤكدة استمرارها في دعم الدول للاستعداد لمرحلة اللقاحات وعلاج الفيروس في الوقت الذي أعلنت أكثر من دولة ومن بينها بريطانيا وفرنسا المضي قدما في إنتاج لقاح للفيروس وتعاقد أكثر من دولة مع شركتين إنجليزية وفرنسية لشراء اللقاح، وحثت منظمة الصحة العالمية الدول على الإسراع في الأبحاث لكشف النقاط الخطيرة والمجهولة التي تحيط به مثل مصدره الحيواني، واحتمال انتقال العدوى عن طريق الحيوانات، وآلية العمل الخاصة بالفيروس وطرق انتقاله، وتحولاته المحتملة، وطرق الوقاية، والمناعة.
 
مناعة ذاتية 
الدكتور محمد نجيب سيف أستاذ الصحة العامة والطب الوقائي بجامعة الأزهر شرح أسباب تراجع حدة فيروس كورونا (كوفيد-19) في مصر في حديث خاص لـ«المجلة»: «يوجد العديد من الاحتمالات بخصوص تراجع حدة الفيروس في مصر، وانخفاض عدد الحالات المسجلة يوميا، وكذلك ارتفاع نسبة حالات الشفاء، ومن بينها انتشار «جين»ضعيف من الفيروس في مصر مقارنة بالدول التي انتشر فيها «جين»أقوى منه، ومن بين هذه الدول على سبيل المثال الولايات المتحدة الأميركية، أو إيطاليا وعدد من الدول الأوروبية والتي بلغت الذروة فيها أعدادا كبيرة جدا، ويوجد احتمال آخر أيضا في اكتساب عدد كبير من الشعب المصري «مناعة ذاتية»كانت سببا في ضعف حدة الفيروس لدى الكثيرين ممن أصيبوا به، وبالتالي أدى ذلك إلى سرعة تعافيهم، وأضرب هنا مثلا- والحديث ما زال للدكتور محمد نجيب سيف- بالمناعة الذاتية بالطفيليات الموجودة في عدد من دول العالم بكثرة مما أكسب شعوبها «مناعة ذاتية»جعلتهم في مأمن من الإصابة بعدد من الأمراض والفيروسات بسبب «التحصين المناعي»الموجود لديهم، وبالنسبة لفيروس كورونا فهناك أنواع عديدة منه وليس فقط «كوفيد-19»،وبالتالي فمن المحتمل أن هذه الأنواع قد أصابت الكثيرين خلال فترات سابقة مما أدى إلى تكون مناعة ذاتية لديهم من «كورونا»بشكل عام، فالإصابة بأنواع أخرى من كورونا قد يسبب مناعة ذاتية للنوع المستجد المعروف بـ«كوفيد 19»وبالتالي يكون وقع الفيروس أقل على المصابين ممن يحملون مناعة ذاتية من عائلة «كورونا».

 




تطهير أحد مساجد القاهرة قبل فتحه أمام المصلين، وفقًا لقرار الحكومة المصرية (غيتي)
 

 


 
أعراض بسيطة 
وتابع الدكتور محمد نجيب سيف: «فلنضرب مثلا بمرض الهربس، حيث يوجد منه نوع بسيط يمكن علاجه بسهولة، ويوجد من نفس المرض نوع شديد الصعوبة والألم ويسبب ما يسمي «الحزام الناري»وأعراضه مشابهه للذبحة الصدرية، وعلى سبيل المثال فمن الممكن أن يصاب شخص بالنوع الأول «البسيط»وبالتالي يحصل على مناعة ضد النوع الثاني «الشديد»فلا يصاب به، وهذا ما يمكن أن يحدث مع فيروس كورونا الذي يحتوي على أكثر من نوع ومنها أنواع بسيطة وأخرى شديدة، ومن الممكن أن يحصل من تمت إصابته من قبل بالنوع البسيط والذي يسبب أعراضا بسيطة مثل نزلة البرد الخفيفة على «مناعة ذاتية»تجنبه الإصابة بالنوع الشديد أو تكون الإصابة بسيطة من خلال أعراض ليست قاسية ويمكن علاجه بسهولة، وهذا من بين السيناريوهات التي يمكن أن تكون حدثت في مصر التي من الواضح انها اكتسبت مناعة قوية».
وأضاف: «المعلومات المتاحة عن (كوفيد-19) لا زالت قليلة حيث إنه فيروس مستجد وبالتالي فإن المتاح معرفته عنه لا يزال شحيحا مقارنة بالأمراض والفيروسات الأخرى، فعلي سبيل المثال الحصبة والسل مثلا عرفهما الطب قبل 100 و200 عام وبالتالي فإن كم البيانات والمعلومات عنهما كثير، أما (كوفيد-19) فلا زال أمام العلم الكثير ليعرف المزيد عنه وهذا هو سبب ما يحدث بخصوص الفيروس من ضبابية، وهناك العديد من التقارير الطبية التي تشير إلى ظهور (كوفيد-19) مبكرا قبل الإعلان عنه حيث ظهرت حالات التهاب رئوي متعددة في عدد من دول العالم بشكل متزامن، وذلك في شهر أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) من العام الماضي 2019 قبل إعلان الصين عن ظهور حالات لديها في ديسمبر (كانون الأول) ويناير (كانون الثاني) 2020، وهو ما يشير إلى ظهور المرض مبكرا وانتشاره في العديد من دول العالم».
وتابع: «هناك ما يعرف أيضا بالدائرة المسيرة، وهي عبارة عن حدوث موجات كل أربع سنوات من أمراض معينة وذلك بعد الانتشار لدائرة المرض خلال هذه السنوات بعدد كاف حتى يصل إلى الذروة رغم أن آخرين اكتسبوا مناعة بسبب التطعيمات وخلافه».  
أعراض مرضية 
وتعتمد وزارة الصحة في مصر إرشادات منظمة الصحة العالمية التي تؤكد أن زوال الأعراض المرضية لمدة 10 أيام يعد مؤشرا على التعافي من الفيروس، وتخصص وزارة الصحة المصرية عددا من حسابات التواصل الاجتماعي لتلقي الاستفسارات الخاصة بالمواطنين فيما يتعلق بفيروس كورونا أو أي من الأمراض المعدية، وكذلك الخط الساخن 105 بالإضافة إلى تطبيق «صحة مصر»على الهواتف النقالة، وتتابع وزارة الصحة يوميا الموقف بشأن انتشار الفيروس لاتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة، وتواصل رفع درجة الاستعداد بجميع محافظات مصر.
ومن جانبه، وفي تأكيد على تراجع حدة الفيروس، أعلن الدكتور هاني الناظر الرئيس السابق للمركز القومي للبحوث في مصر عن ضعف معدلات قوة الفيروس في مصر مدللا على ذلك بمعاناه المرضى الجدد بكورونا من أعراض خفيفة إلى متوسطة يتم الشفاء منها خلال 10 أيام، مطالبا المواطنين رغم المؤشرات الإيجابية بالتمسك بالإجراءات الوقائية لعدم الإصابة مثل ارتداء الكمامات، واستخدام المعقمات وتطبيق التباعد الاجتماعي بين الأشخاص.
وأشار إلى التوصل للقاح ضد الفيروس بواسطة جامعة أكسفورد البريطانية، وتعاقد مصر بالفعل مع الشركة المنتجة للقاح لتوفيره.  

 




مركز اختبار فيروس كورونا في السيارات في جامعة عين شمس في القاهرة (غيتي)

 


 
تخوف عالمي 
التخوف من تداعيات فيروس كورونا عبر عنه المدير العام لمنظمة الصحة العالمية الدكتور تيدروس أدهانوم بأن أهم التحديات تكمن في انتشار الفيروس في الدول التي تعاني من الأنظمة الصحية الهشة، وهو ما تسعى المنظمة إلى منعه من خلال تقديم تمويل لدعم هذه الدول، وحماية العاملين في المجال الصحي فيها ومعاونتهم على تقديم الرعاية المناسبة للمرضى، فيما تقوم مؤسسة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسيف بالمساعدة في إجراءات الوقاية في الدول المتضررة من خلال عمليات التوعية والإرشاد بالمخاطر وسبل الوقاية وتوفير المستلزمات والمستحضرات الطبية في العيادات الصحية وداخل المدارس بالإضافة للعمليات التثقيفية والتوعوية لتعزيز عمليات الوقاية، بالإضافة لدعم عمليات التعليم والرعاية الاجتماعية، وذلك في سبيل الحد من انتشار الفيروس وسط هذه المجتمعات، وكذلك تحاول مساعدة الحكومات على تجاوز هذه الأزمة من خلال التواصل وتقديم النصح والإرشاد فيما يتعلق بطرق الكشف عن الفيروس وأساليب الوقاية، والتعامل مع الحالات المؤكدة أو المشتبه فيها.
 
تطوير اللقاحات مستمر
ويعكف علماء البيولوجي في العالم على تطوير مجموعة من اللقاحات والتي ستصبح- بحسب تأكيد بعض شركات الأدوية العالمية الكبرى- جاهزة خلال فترة قصيرة، مما يعني تكثيف جهود استخدام العقارات المتاحة ومن بينها عدد من مضادات الفيروسات المتداولة في الأسواق وذلك للحد من أعراض المرض، وتقوية المناعة الذاتية الكفيلة بالحد من تأثيره على الجسم، ويعتبر لقاح جامعة أكسفورد البريطانية أحد أقرب اللقاحات للظهور بعد الإعلان عنه من قبل الجامعة ووصوله للمراحل النهائية.
 
أجسام مضادة
وقام العلماء كذلك بإجراء اختبارات للأجسام المضادة للفيروس في الدم، واكتشفوا وجود مناعة لأشخاص ضد الفيروس، وبالتالي عدم إصابتهم بالعدوى وإمكانية عودتهم للعمل في هذه الحالة، ويقوم العلماء باستخراج هذه الأجسام من أشخاص تعافوا من الفيروس أو لديهم أجسام مضادة وحقنها في آخرين لإكسابهم مناعة ضد الفيروس، وتعكف جامعة أكسفورد أيضا على البحث في هذه الاختبارات وإمكانية توفيرها فيما أخذت بعض الدول فعليا في استخدام بلازما الدم من الأشخاص المتعافين من المرض وذلك لتعزيز القوة المناعية خاصة للحالات الحرجة وهو ما ساهم في تحسين وضعهم الصحي بحسب هيئة الدواء والغذاء الأميركية.