على مقهى في الشارع العربي

3 يونيو (حزيران) 1983 
 
 
قال الشاب وكأنه يتفاخر بعبقريته:
- لقد راجعت مشروع الانسحاب الذي قدمته إسرائيل إلى لبنان عن طريق «العبقري» الأميركي شولتز، والذي وافق عليه لبنان فعلاً.. راجعت المشروع مرة ومرتين واكتشفت أنه مشروع لا يهدف إلى انسحاب القوات الأجنبية من لبنان كما يقولون، ولكنه يهدف أساساً إلى هدف واحد وهو انسحاب الاتحاد السوفياتي من المنطقة..
وقال العجوز في دهشة:
- ماذا وجدت في المشروع مما أوحى إليك بهذا التفسير العجيب؟
وقال الشاب مبتسماً ابتسامة الأستاذ:
- إنه التفسير المنطقي الوحيد الذي يحمله المشروع.. فقد كان المفروض مقدماً أن سوريا ومنظمة التحرير ترفضان هذا المشروع.. فماذا يكون عليه الموقف بعد رفضهما.. ستبدو إسرائيل وكأنها الوحيدة التي توافق على الجلاء، بينما تبقى سوريا ومنظمة التحرير وكأنهما مصممتان على استمرار وجودهما في لبنان.. وتكون النتيجة أن يقوم التحالف من جديد بين لبنان وإسرائيل ضد سوريا ومنظمة التحرير.. وتتطور الأحداث بسرعة إلى أن تبدأ الحرب بين إسرائيل وسوريا. ولن يكون هدف إسرائيل هو مجرد إخراج سوريا من لبنان، بل سيكون هدفها الدخول بالحرب إلى أراضي سوريا نفسها إلى أن تتمكن من إسقاط النظام الحاكم.. فإذا سقط هذا النظام فهو يعني سقوط السيطرة السوفياتية على سوريا وخروجها من المنطقة.. وبذلك تتحقق الاستراتيجية الأميركية التي تسعى إلى الانفراد بالوجود في الشرق الأوسط..
وقال العجوز مستهيناً:
- إنك تخضع منطقك لذكريات التاريخ الحديث.. فقد كان يقال إن أميركا تعمدت أن تدفع إسرائيل إلى الهجوم على مصر عام 67 حتى تتخلص من سيطرة الاتحاد السوفياتي التي كانت قد وصلت إلى اليمن وباتت تهدد حدود بعض الدول المجاورة.. وقد كانت حرب 67 هي فعلاً السبب الرئيسي الذي انتهى بطرد الاتحاد السوفياتي من المنطقة والتخلص من تهديداته بطرده من مصر.. وقد تعودنا أن ننسب كل الأحداث التي تلم بنا إلى التخطيط الأميركي.. حتى الحرب بين العراق وإيران قيل إن أميركا هي التي دفعت طرفاً فيها بطرق ملتوية إلى أن يبدأ هذه الحرب لأنها كانت لا تثق في حكم الطرف الآخر وفي الوقت نفسه لا تطمئن إلى حكم الطرف الأول وخصوصاً بعد أن احتلت القوات السوفياتية أفغانستان.. وهذه الحرب هي التي أدت فعلاً إلى إضعاف السيطرة السوفياتية وقد تنتهي بطرده من العراق وإيران وأفغانستان.. ولكن الوضع بالنسبة إلى سوريا ومنظمة التحرير يختلف عن كل الأوضاع التي كانت تحيط بهذه الأحداث.
وقال الشاب رافضاً:
- فيم يختلف؟ إن الوجود السوفياتي في سوريا الآن أقوى مما كان عليه الوجود السوفياتي في مصر.. فالتخطيط الأميركي لا يختلف عما كان عليه.. 
وقال العجوز مقاطعاً:
- لقد كانت مصر حتى عام 67 معتمدة اعتماداً كاملاً على الاتحاد السوفياتي حتى إنها ضحت في سبيل هذا الاعتماد بكل علاقتها مع الدول العربية.. ولكن سوريا لها وضع آخر.. فرغم اعتمادها على الاتحاد السوفياتي ورغم أنها وضعت نفسها في جبهة مستقلة مع ليبيا واليمن تسمى نفسها «جبهة الصمود والتصدي» إلا أنها لا تزال حريصة على ارتباطها بباقي الدول العربية باستثناء مصر، وحريصة على التضامن العربي الذي تعتمد عليه إلى حد كبير في إمدادها بالمعونات.. لذلك أعتقد أن موقف سوريا من الجلاء عن لبنان سيتطور ويتغير..
وقال الشاب في إصرار:
- إن موقف سوريا بالنسبة إلى لبنان لا يمكن أن يتطور إلا إذا تطور ارتباطها بالاتحاد السوفياتي.. وقد مررنا بتجربة قريبة مشابهة وفشلنا.. فقد كانت منظمة التحرير قد استجابت لمبادرة الرئيس الأميركي ريغان وبدأت لقاءات ياسر عرفات بالملك حسين.. وبدأت علاقات التعامل السياسي بينها وبين مصر.. ثم فجأة انهار كل شيء.. وقطعت المنظمة اتصالاتها بالملك حسين وبمصر وأعلنت رفضها لمشروع ريغان وعاد تضامنها مع سوريا وتحالفها مع الاتحاد السوفياتي الذي كان قد بدأ يقدم إغراءات أوسع لها ولسوريا.. فلا تطمئن أبداً إلى تفسير المواقف والعلاقات، إن الاطمئنان لا يعتمد عليه أبداً كعنصر من عناصر التفسير السياسي..
وقال العجوز مستخفاً:
- هل تعتقد أن سوريا ستضحي بارتباطها بكل العالم العربي خارج الجبهة المرتبطة بالاتحاد السوفياتي إلى حد التضحية بارتباطها ببعض الدول العربية.. وإلى حد فتح أبوابها لمواجهة الحرب مع إسرائيل؟
وقال الشاب مستخفاً: 
- لم لا؟.. لماذا لا يكون الأسد كعبد الناصر أيام زمان؟
وقال العجوز وهو يحاول أن يحتفظ بهدوئه:
- لأن الوضع داخل سوريا وخارجها يختلف بطبيعة تكوينه عن وضع مصر، فمصر بطبيعة تكوينها تستطيع أن تتحمل فترة تعتمد خلالها على نفسها منفصلة عن باقي الدول العربية رغم كل ما تعانيه.. ولكن طبيعة التكوين السوري لا تتيح القدرة على التحمل.. فهي لا تستطيع أن تعيش اقتصادياً واجتماعياً معتمدة على الاتحاد السوفياتي ومضحية بكل تعاملها مع باقي الدول العربية.. لذلك فالحالة الداخلية لا تسمح لأي عاقل بأن يدخل الحرب إلا إذا كانت حالة وطنية تجمع كل الفئات وتوحد بينها.. ثم إن الأوضاع في لبنان لا تعتبر أوضاعاً بعيدة عن المجتمع السوري بل هي أوضاع مرتبطة.. أي أوضاع تؤثر على سوريا كأنها أوضاع بلد واحد.. وهو أيضاً ما يحول دون أن تكون لسوريا القوة الكافية لتنفصل عن الدول العربية مهما تمادى الاتحاد السوفياتي في إغرائها وتحمل مسؤوليتها.. لذلك كله لا يمكن للقيادة السورية أن تنفصل عن العالم العربي كله بعد أن انفصلت عن مصر وعن العراق وعن الأردن ثم تدخل حرباً مع إسرائيل معتمدة على ليبيا واليمن الجنوبي تحت رعاية الاتحاد السوفياتي..
وقال الشاب وهو يهز رأسه بلا مبالاة: 
- لا يزال الاحتمال الأكبر هو أن ترفض سوريا الانسحاب من لبنان مهما غامرت بارتباطاتها العربية ومهما تعرضت لاحتمالات الاعتداءات الإسرائيلية.. 
وقال العجوزمقهوراً:
- وتتعرض سوريا للنتائج ذاتها التي انتهت إليها حرب 67 وحرب 73.. لأن الاتحاد السوفياتي مهما تمادى في الوقوف بجانبها لا يمكن أن يصل إلى حد الحرب بقواته بجانب قواتها.. 
وقال الشاب كأنه يسأل عن المستحيل:
- وما هو الحل الآخر؟
وقال العجوز وهو يتنهد، كأنه يزفر أنفاس اليأس:
- لم يعد هناك حل إلا الاعتماد على الاتصالات والمفاوضات السياسية.. وأحياناً يحتاج اختيار الطريق السياسي إلى قوة أكبر من القوة التي تختار طريق الحرب..